داء العرب السوري

20 ديسمبر 2024   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
احتفالات بسقوط الأسد في إدلب، 13 ديسمبر 2024 (محمد حاج قدور/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مأساة السوريين في ظل نظام الأسد: يعيش السوريون في خوف دائم على مصير أحبائهم في سجون النظام، حيث يواجهون احتمالات الموت في المقابر الجماعية أو العراء، مما يزيد من معاناتهم. هذه المأساة تمتد لتشمل الفلسطينيين واللبنانيين والأردنيين، مع استمرار مصير العديد من المعتقلين مجهولاً.

- البروباغندا والتشكيك في حق السوريين بالحرية: يواجه السوريون حملات إعلامية تشكك في حقهم بالحرية، مستعيرة أدوات الثورات المضادة بعد "الربيع العربي"، مما يعكس ازدواجية في المواقف تجاه النظام السوري.

- نظرية المؤامرة والتطبيع: يتبنى بعض التيارات نظرية المؤامرة، مشككين في مقاومة الاحتلال الصهيوني، بينما يتغنون بفضائل التطبيع، معتبرين النظام هو الوطن، مما يعكس تناقضات في مواقفهم تجاه الحرية والمقاومة.

مخاوف السوريين من أن يكون مصير أحبتهم في سجون نظام بشار الأسد المخلوع، المقابر الجماعية أو عظاماً متناثرة في العراء، يزيد فواجعهم. المأساة، التي تطاول أيضاً الفلسطيني واللبناني والأردني، ليست بحاجة إلى تزوير، فأهلها، بينهم مثلاً أهل وأحبة المناضل عبد العزيز الخير (رئيس مكتب الشؤون الخارجية لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، اعتقل في 2012 ولا يزال مصيره مجهولاً) ورفاقه جميعاً، مصدومون من فظائع زنازين شبيهة بتلك التي في أفلام سينمائية عن القرون الغابرة.

مع ذلك، ثمة من يفرك الملح في جروح السوريين العميقة. بعضهم، من الجوار القريب والبعيد لسورية، يخوض اليوم كما كان يفعل التشبيح الإعلامي الأسدي، معركة تقريع وذم واتهام بحق شعب "شقيق"، على وقع صدمة انهيار وفرار "نظام الممانعة". بين هؤلاء، وعلى شاشات التلفزة ووسائل التواصل اجتماعي، من واصل فتح النار "الإعلامية" بلؤم وخبث، التشكيك في أحقية السوريين بالحرية. بالطبع يعلم العربي البسيط مصدر هذا الداء الممجد للاستبداد والقمع.

مشهد البروباغندا هذا مثير للسخرية، باستعارته أدوات الثورات المضادة بعد "الربيع العربي". فالحزن المصطنع على فرار الأسد مرده عند بعضهم إلى أنه "لم يصافح الصهاينة"، متناسين أن سارية العلم الصهيوني ليست بعيدة عنهم. يدفع الانفصام إلى أكثر من ذلك في سياق داء تخصيب تربة صناعة الاستبداد، كتكذيب أهوال ما مر بسورية خلال أكثر من 50 سنة. بل يندفع آخرون إلى مرض التخوين واعتبار ما جرى "مؤامرة إسرائيلية". بالمناسبة، ثمة تيار عربي، ومعه أوروبي خليط من جماعات يمين قومي متطرف إلى اليسار المتطرف، يعتبر أن سقوط الأسد "أم الكوارث" الوطنية والقومية والعلمانية والليبرالية والماركسية، بل له "ارتدادات عالمية".

ولا ينسى المتسلحون بنظرية المؤامرة طرح سؤال: "أترون كيف أنهم لا يردون على القصف الإسرائيلي؟". وما كان لهؤلاء أيام نظام الأسد أن يسألوا، ولأسباب تتعلق بتفضيلهم التطبيع، عن المعنى الحرفي لاحتفاظه بحق الرد منذ ما قبل قصف موقع الكبر في 2007 (المفترض أنه نووي قرب دير الزور)، أو عن مغزى عدم إطلاقه طلقة واحدة من حدود الجولان السوري المحتل منذ عام 1974. على كل، التشكيك والذم ليسا جديدين في سياق وباء الذعر من طلب الناس لحريتهم. فحتى غزة، وفلسطين عموماً، لم تسلم منهما. يتباكى أصحاب هذا التيار من ناحية على "محور الممانعة"، بينما في الأصل يشككون بحق مقاومة الاحتلال الصهيوني، ولا يترددون في التغزل بـ"فضائل التطبيع"، باسم الواقعية والعقلانية، ويزايدون بوصفهم مقاومين جذريين ببيع الناس شعارات قومجية و"الحفاظ على الأوطان من السقوط". فالنظام عندهم هو الوطن، والأوطان تختزل في شخص الحاكم الأبدي، كما كانت "سورية الأسد".