خطط استيطانية وبؤر وطرق جديدة تعيد رسم جغرافية شمال الضفة الغربية
جاء تدشين مستوطنة "عيمك دوتان"، أول من أمس الأحد، على أراضي بلدة عرّابة جنوب مدينة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، والتي تضم في مرحلتها الأولى 22 عائلة من نحو 300 عائلة سجلت أسماءها للاستيطان فيها، لتشكل حلقة جديدة ضمن مسلسل الاستيطان التوسعي الذي ينفذه الاحتلال الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية وخاصة على أراضي محافظة جنين.
ويقول الكاتب سري سمّور، لـ"العربي الجديد"، إن "الاحتلال يريد بسط سيطرة كاملة على جنين، وتحديداً من باب الانتقام منها لتصدرها الفعل المقاوم خلال السنوات الأخيرة، ومن هنا جاءت عملية احتلاله مخيم جنين، وبناء مستوطنات وبؤر استيطانية في محيطها، ومنها مستوطنة عيمك دوتان". ويلفت إلى أن اختيار بلدة عرابة ليس من باب الصدفة، فهي أيضاً كانت في المواقع المتقدمة في مقاومته، وتمتاز بأراضيها الزراعية الخصبة، وكذلك كونها من البلدات الرابطة لريف جنين.
وبحسب سمور، فإن المخطط على ما يبدو يهدف إلى ربط المستوطنة الجديدة بمستوطنة "دوتان" ومعسكر دوتان، وبالتالي فرض سيطرة على الطريق الرئيسي بين نابلس وجنين، مشيراً إلى أن الأثر السلبي على المواطنين بدأ فور الإعلان عن المستوطنة، حيث خسروا فعلياً عشرات الدونمات، واضطروا لسلوك طرق بديلة للوصول إلى مبتغاهم. والمستوطنة الجديدة أقيمت شمال عرابة، بين البلدة وسهل عرابة، ما يعزز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة الجبلية والأراضي الزراعية، ويعزز السيطرة على المنطقة الواقعة بين محافظات جنين ونابلس وطولكرم وطوباس، لا سيما الطريق الرئيسي بين جنين ونابلس.
اعتداءات متواصلة للمستوطنين في الضفة الغربية
يأتي هذا في وقت تصاعدت فيه اعتداءات المستوطنين وإجراءاتهم الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة عقب المجزرة التي نفذوها في قرية تِل جنوب غرب نابلس، شمالي الضفة الغربية، قبل نحو ثلاثة أسابيع، والتي أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل جنديين إسرائيليين، حيث نفذوا عشرات الهجمات وأقاموا عدداً من البؤر الاستيطانية. ووفق متابعات ورصد ميداني وأحاديث مع نشطاء ميدانيين مع "العربي الجديد"، فقد كثّف المستوطنون اعتداءاتهم، وأقاموا خلال الفترة الأخيرة نحو 10 بؤر استيطانية جديدة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية. وفي محيط تِل تحديداً، أقام المستوطنون أربع بؤر استيطانية جديدة بعد المجزرة التي شهدتها القرية، منها بؤرة مكان المجزرة، في خطوة تأتي ضمن تصاعد الإجراءات الاستيطانية والاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في المنطقة.
إعادة تشكيل الجغرافية شمالي الضفة الغربية
وتتسارع خطوات حكومة الاحتلال الإسرائيلي لإعادة تشكيل الجغرافية في شمال الضفة الغربية عبر شبكة مترابطة من المستوطنات والطرق الالتفافية والبؤر الرعوية، ضمن مشروع يقول مختصون إنه تجاوز مرحلة التوسع الاستيطاني التقليدي إلى مرحلة إعادة هندسة الخريطة الفلسطينية، عبر فصل المحافظات عن بعضها وتحويل المدن والبلدات إلى جيوب معزولة، بما ينسجم مع رؤية الضم التدريجي لأجزاء واسعة من الضفة الغربية.
وتتركز المشاريع الجديدة في المربع الممتد بين نابلس إلى جنين ومن سلفيت إلى قلقيلية، حيث يجرى العمل بالتوازي على إقامة مستوطنات جديدة، وتوسيع أخرى قائمة، وشق طرق استيطانية استراتيجية، وربطها بالأغوار وبالخط الأخضر، في وقت تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية والمزارعين بصورة غير مسبوقة. وتشير المخططات الإسرائيلية إلى إنشاء 19 مستوطنة جديدة وتطويرها، أبرزها "يحنيت" "وعميك دوتان" على أراضي بلدة عرابة جنوب جنين، و"روش هعاين مزرحيت" على أراضي بلدتي دير بلوط والزاوية غرب سلفيت، إلى جانب شرعنة عشرات البؤر وتحويلها إلى مستوطنات دائمة ضمن المخططات الهيكلية الإسرائيلية، علاوة على استغلالهم أي حدث لإقامة بؤر استيطانية جديدة.
كما تتضمن الخطة إنشاء طريق يربط مستوطنة "حومش" بالأغوار مروراً بعدد من المستوطنات الجديدة، بما يؤدي إلى فصل نابلس عن جنين من الجهة الجنوبية الشرقية، بالتوازي مع إعادة بناء مستوطنة "صانور" وإقامة أكثر من 120 وحدة جديدة فيها، إضافة إلى تعزيز الكتلة الاستيطانية غرب جنين وربطها بشبكة الطرق الالتفافية. ولا يقتصر المشروع على نابلس وجنين، إذ تمتد حلقاته غرباً باتجاه سلفيت وقلقيلية، حيث صادرت سلطات الاحتلال أخيراً نحو 695 دونماً لإقامة حي استيطاني جديد يوسّع مستوطنة "كرني شومرون"، بما يؤدي فعلياً إلى قطع التواصل الجغرافي بين المحافظتين.
روايات أثرية مزعومة
وفي محافظة نابلس، يتواصل تنفيذ مخطط للسيطرة على جبل عيبال عبر إنشاء بؤرة استيطانية رعوية وسكنية، وتحويل الموقع إلى مستوطنة دائمة، مستنداً إلى روايات أثرية ودينية مزعومة تروجها جمعيات استيطانية، فيما يجرى إدخال بيوت متنقلة وتجهيزات وبنية تحتية تمهيداً لتثبيت الوجود الاستيطاني على قمة الجبل المطلة على المدينة. ويحذر محافظ نابلس غسان دغلس، الذي كان لسنوات طويلة مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية، من أن ما يجري اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره توسعاً استيطانياً منفصلاً، وإنما مشروعاً متكاملاً يستهدف إنهاء التواصل الجغرافي الفلسطيني في شمال الضفة.
ويقول دغلس، لـ"العربي الجديد"، إن "الاحتلال يعمل وفق رؤية متدرجة تبدأ بالاستيلاء على قمم الجبال والطرق الحيوية، ثم إقامة بؤر رعوية، قبل تحويلها إلى مستوطنات دائمة وربطها بشبكة طرق عسكرية واستيطانية، بما يفرض وقائع يصعب تغييرها مستقبلاً". ويؤكد أن الطرق الجديدة التي يجرى شقها بين مستوطنات "حومش" و"صانور" والأغوار، إضافة إلى السيطرة على جبل عيبال، تشكل جزءاً من مشروع لفصل نابلس عن جنين، وربط المستوطنات الإسرائيلية ببعضها بعيداً عن التجمعات الفلسطينية، الأمر الذي يمنح الاحتلال سيطرة أمنية وجغرافية على كامل شمال الضفة.
إعادة هندسة الجغرافية الفلسطينية
ويرى المختص في شؤون الاستيطان جمال جمعة أن هذه المشاريع تمثل أخطر مراحل المشروع الاستيطاني منذ سنوات، لأنها تقوم على إعادة هندسة الجغرافية الفلسطينية بالكامل. ويقول جمعة، لـ"العربي الجديد"، إن "الاحتلال لم يعد يكتفي ببناء مستوطنات جديدة، وإنما ينفذ مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل الضفة الغربية عبر شبكة محاور وطرق استيطانية تربط المستوطنات ببعضها، وتفصل المدن الفلسطينية بعضها عن بعض".
جمال جمعة: المشاريع الاستيطانية تهدف لإعادة هندسة الجغرافية الفلسطينية بالكامل
ويؤكد جمعة أن مشروع فصل قلقيلية عن سلفيت يأتي استكمالاً لمشروع سبق أن استهدف عزل محافظة جنين عن محيطها، مشيراً إلى أن المخطط يمتد من الخط الأخضر مروراً بالكتل الاستيطانية الكبرى حتى الأغوار، مع تعزيز الربط الاستيطاني في محيط نابلس والقدس. ويحذر جمعة من أن إسرائيل تسابق الزمن لبناء نحو عشرة آلاف وحدة استيطانية جديدة، إلى جانب تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة تشمل شق طرق وأنفاق جديدة، وإغلاق الطرق التاريخية التي تربط المدن الفلسطينية، بما يحول التجمعات السكانية إلى كانتونات منفصلة يصعب التواصل بينها. ويؤكد أن هذه المشاريع تجاوزت مرحلة التخطيط، وأصبحت تُنفذ بوتيرة مرتفعة، في ظل دعم حكومي كامل، وهو ما يعكس توجهاً إسرائيلياً واضحاً لفرض الضم الفعلي على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
جنين ونابلس ساحة مفتوحة للتوسع الاستيطاني
على الأرض، تبدو آثار هذا المشروع أكثر وضوحاً في محافظتي نابلس وجنين اللتين تشهدان تصعيداً غير مسبوق في النشاط الاستيطاني، وفق الباحث الميداني في مركز أبحاث الأراضي رائد موقدي. ويقول موقدي، لـ"العربي الجديد"، إن "محافظة نابلس تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة مفتوحة للتوسع الاستيطاني، عبر إقامة بؤر جديدة وشق طرق وتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بما يعكس انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة فرض واقع ديمغرافي جديد، وهو ما ينطبق على جنين أيضاً".
رائد موقدي: الاحتلال لم يعد يلتزم عملياً بتصنيفات الأراضي وفق اتفاق أوسلو
ويشير موقدي إلى أن قرية قريوت جنوب نابلس فقدت أكثر من 80% من أراضيها الزراعية بعد إقامة خمس بؤر استيطانية تحاصر البلدة من مختلف الجهات، فيما تتواصل عمليات تجريف الأراضي في بلدات عقربا وقصرة والمجدل وربط المستوطنات بشبكة طرق. كما تتعرض بلدات دوما وبيت إمرين ويصيد وبرقة وسبسطية والمسعودية ودير شرف لسلسلة متواصلة من عمليات الاستيلاء على الأراضي وإقامة بؤر رعوية جديدة، بالتزامن مع السيطرة على مواقع أثرية وتاريخية وتحويلها إلى نقاط ارتكاز استيطانية.
ويحذر موقدي من أن الاحتلال لم يعد يلتزم عملياً بتصنيفات الأراضي وفق اتفاق أوسلو، بعدما امتدت البؤر الجديدة إلى مناطق مصنفة "أ" و"ب" وفق الاتفاق، في مؤشر، بحسب قوله، إلى أن حكومة الاحتلال تعتبر الضفة الغربية بأكملها جزءاً من مشروعها الاستيطاني. ويؤكد أن الفارق الأساسي بين ما يجري اليوم والسنوات السابقة يتمثل في أن البؤر الاستيطانية كانت تحتاج سابقاً إلى سنوات للحصول على اعتراف رسمي، بينما باتت الحكومة تتبناها فور إنشائها، وتوفر لها الحماية والبنية التحتية والتمويل، بما يعكس اندماجاً كاملاً بين مؤسسات الدولة ومجالس المستوطنات.
ضربات قاصمة للمزارعين
ولا تقتصر آثار هذه المخططات على الخرائط، بل تمتد إلى الحياة اليومية للمزارعين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين الطرق الالتفافية والبؤر المسلحة. ويقول المزارع ضرار عمران، من إحدى قرى شمال نابلس، لـ"العربي الجديد"، إن "الوصول إلى الأراضي الزراعية أصبح مغامرة يومية بسبب اعتداءات المستوطنين"، موضحاً أن عشرات العائلات باتت تخشى الوصول إلى حقول الزيتون خشية التعرض للاعتداء أو الطرد.
ويؤكد عمران أن المستوطنين أقاموا نقاطاً جديدة على قمم الجبال القريبة، ثم بدأوا تدريجياً بمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، قبل شق طرق ترابية تخدم البؤر الجديدة، مشيراً إلى أن كثيراً من الأراضي باتت خارج الاستخدام الزراعي نتيجة الخوف المستمر من الاعتداءات. ويشدد عمران على أن ما يجري لا يستهدف الأرض فقط، وإنما يهدف أيضاً إلى دفع السكان نحو الرحيل التدريجي، بعد تحويل الزراعة إلى نشاط محفوف بالمخاطر، وحرمان العائلات من مصدر دخلها الأساسي.
ويتزامن هذا التصعيد مع استمرار العدوان الإسرائيلي على شمال الضفة الغربية، لا سيما منذ إطلاق عملية "السور الحديدي" مطلع العام 2025، والتي أدت إلى تدمير واسع في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وأسفرت، وفق بيانات الأمم المتحدة، عن استمرار نزوح أكثر من 33 ألف فلسطيني من منازلهم. ويرى مراقبون أن تزامن العمليات العسكرية الواسعة مع التوسع الاستيطاني المتسارع يعكس استراتيجية إسرائيلية تقوم على استخدام القوة العسكرية لإفراغ مناطق واسعة من سكانها، ثم إحكام السيطرة عليها عبر المستوطنات وشبكات الطرق، بما يفرض واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه مستقبلاً، ويعيد رسم الخريطة الجغرافية والسياسية لشمال الضفة الغربية.