خطة سلام ترامب... استسلام أوكرانيا في 28 بنداً

21 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
جنديان أوكرانيان في دونيتسك، 21 أكتوبر 2025 (أناتولي ستيبانوف/ رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- خطة السلام الأميركية: تتضمن 28 بنداً أعدها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بالتعاون مع مسؤولين روس وأوكرانيين، تشمل مطالب روسية مثل تخلي كييف عن أراضٍ ونزع السلاح جزئياً، واعترافاً بشبه جزيرة القرم كأرض روسية، مما أثار رفضاً أوكرانياً وأوروبياً.

- التوترات السياسية والعسكرية: تزامنت مع عقوبات أميركية على شركات روسية وتقدم عسكري روسي في دونيتسك، وأزمة سياسية داخلية في أوكرانيا. زيارة وفد أميركي لتقييم الوضع ومناقشة إنهاء الحرب.

- ردود الفعل الدولية: رفض أوروبي للخطة لعدم إشراكهم في المفاوضات، مع تأكيد على أن السلام لا يعني الاستسلام. تسعى إدارة ترامب لتسويق الخطة كحل واقعي رغم تطابقها مع مطالب روسية سابقة.

في تكرار شبه متطابق لانعطافات الرئيس الأميركي دونالد ترامب

في إطار سعيه لإيجاد تسوية سياسية للحرب الروسية على أوكرانيا، كشف موقع أكسيوس الأميركي، أول من أمس الأربعاء، عن وجود خطة أميركية من 28 بنداً عمل عليها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف مع مسؤولين من روسيا وأوكرانيا، منذ نهاية الشهر الماضي، أي بعد قرار ترامب إلغاء القمة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين التي كانت مقررة في بودابست، في ظل الحديث عن تمسك موسكو بمطالبها لوقف الحرب في أوكرانيا.

وبينما نقلت وكالة فرانس برس، أمس، عن مسؤول أوكراني رفيع طلب عدم نشر اسمه، قوله إن الخطة الأميركية الجديدة تلحظ الشروط التي سبق أن طرحتها روسيا، وهي مطالب عدّتها كييف بمثابة "استسلام"، كان وزراء خارجية دول أوروبية، يرفضون من بروكسل أمس، هذه الخطة ويطالبون بضرورة إشراك أوكرانيا والأوروبيين فيها، إذ بحسب ما سُرّب عن الخطة في وسائل إعلام أميركية ووكالات أنباء من بينها رويترز وأسوشييتد برس، فإنها ستتطلب من كييف التخلي عن المزيد من الأراضي ونزع السلاح جزئياً، وهي شروط اعتبرها حلفاء أوكرانيا منذ فترة طويلة بمثابة استسلام. وأمس الخميس، قال الكرملين إن أي خطة لإحلال السلام في أوكرانيا يجب أن تقضي على الأسباب الجذرية للصراع. وذكر المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أنه على الرغم من وجود اتصالات مع الولايات المتحدة، لا توجد حالياً مفاوضات معها بشأن خطة كهذه. وأحجم بيسكوف عن التعليق على ما إذا كان بوتين اطلع على تفاصيل خطة السلام في أوكرانيا التي وردت تقارير بشأنها.

ويكرر بوتين شروطه لوقف الحرب مطالباً كييف بالتخلي عن خططها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وسحب قواتها من كامل المقاطعات الأربع التي تدعي موسكو أنها جزء من روسيا، وهي دونيتسك ولوغانسك في شرق أوكرانيا - اللتان تشكلان دونباس - بالإضافة إلى خيرسون وزابوريجيا في الجنوب. بالمقابل يحث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

على ضرورة تزويد بلاده بالأسلحة لمواجهة القوات الروسية مشدداً على رفض التخلي عن أراض أوكرانية.

توقيت الخطة "السلام" في أوكرانيا

وتبع إلغاء القمة بين ترامب وبوتين فرض أول عقوبات على روسيا في ولاية ترامب الثانية (مطلع العام الحالي)، استهدفت في 22 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، شركتي "روسنفت" و"لوك أويل"؛ أكبر شركتين نفطيتين في روسيا. كما أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية في بيان، أول من أمس، أن "الولايات المتحدة فرضت عقوبات سيبرانية جديدة تتعلق بروسيا، تستهدف خمسة أفراد وسبع شركات". وجاءت التسريبات بشأن الخطة قبل يومين من دخول العقوبات الأميركية على شركتي "روسنفت" و"لوك أويل" حيز التنفيذ، اليوم الجمعة. وبدا أن توقيت التسريب لم يكن عرضياً، إذ تزامن مع تقدم روسي عسكري على الأرض في مقاطعة دونيتسك، جنوب شرقي أوكرانيا، وحملات قصف روسية عنيفة استهدفت قطاع الطاقة في أوكرانيا وتسببت في أضرار فادحة. ومن غير المستبعد أن إدارة ترامب سعت إلى توظيف الصراع المحتدم في كييف على خلفية الكشف عن قضية فساد كبرى تتعلق بسوء استخدام المساعدات لتأمين محطات الطاقة من الضربات الروسية، أطاحت بوزيرين، للضغط عليه للقبول بالخطة.

فقد أعلنت رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو، أول من أمس، أن وزير العدل هيرمان غالوشينكو ووزيرة الطاقة سفيتلانا غرينتشوك قدّما استقالتيهما من الحكومة. وكان زيلينسكي شدد في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي على أن الوزيرين لا يمكن أن يبقيا في منصبيهما، و"من غير المقبول إطلاقاً استمرار بعض الفساد في قطاع الطاقة". علماً أن غالوشينكو متهم من قبل النيابة العامة بتحصيل "منافع شخصية" من رجل الأعمال تيمور مينديتش حليف زيلينسكي. تزامن ذلك أيضاً مع زيارة بدأها أول من أمس، وفد أميركي إلى كييف، برئاسة وزير الجيش دان دريسكول في "مهمة لتقصي الحقائق" ومناقشة إنهاء الحرب الأوكرانية مع روسيا. في هذا السياق كتبت سفيريدينكو في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أمس، أنها التقت بدريسكول أمس، مضيفة أن الزيارة "توفر فرصة مهمة لكبار المسؤولين العسكريين المرافقين للوزير لتقييم الوضع على الأرض وللاطلاع بشكل مباشر على عواقب العدوان الروسي".

صياغة أميركية لمذكرة إسطنبول الروسية

نقلت شبكة أن بي سي الأميركية، مساء أول من أمس، عن مسؤول أميركي قوله إن ترامب وافق على خطة للسلام بين روسيا وأوكرانيا، أعدها بشكل غير معلن عدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، بالتشاور مع المبعوث الروسي كيريل دميترييف ومسؤولين أوكرانيين. وأشار إلى أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوثين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف شاركوا في صياغتها. وأوضح أن الخطة تركز على توفير ضمانات أمنية للطرفين (روسيا وأوكرانيا) بما يمهد للوصول إلى سلام دائم.

وذكر موقع أكسيوس، أول من أمس، أن الخطة الأميركية الجديدة تركز على أربعة محاور أساسية: تحقيق السلام في أوكرانيا، وتوفير الضمانات الأمنية، وضمان الأمن الأوروبي، وتحديد مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة مع كل من روسيا وأوكرانيا. وكشف الموقع أن ويتكوف ناقش الخطة مع المبعوث الخاص للرئيس الروسي كيريل ديمترييف في ميامي لعدة أيام، نهاية الشهر الماضي، بعد قرار إلغاء قمة بودابست، وأنه عرضها على رئيس مجلس الأمن والدفاع الأوكراني روستم عميروف. ونقل الموقع عن مسؤول أميركي أن الخطة الأميركية المكوّنة من 28 بنداً تستند إلى نجاح ترامب في دفع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الشهر الماضي. وفي تقرير لاحق، فجر أمس الخميس، نقل "أكسيوس" عن مسؤول أميركي مطلع أن خطة ترامب الجديدة ستمنح روسيا أجزاء من شرقي أوكرانيا لا تسيطر عليها حالياً، مقابل ضمان أمني أميركي لأوكرانيا وأوروبا ضد عدوان روسي مستقبلي.

ووجهة نظر البيت الأبيض، وفق المسؤول نفسه، هي أنه من المرجح أن تخسر أوكرانيا الأراضي على أي حال إذا استمرت الحرب، و"لذلك من مصلحة أوكرانيا التوصل إلى اتفاق الآن." وأشار الموقع إلى أن هذا الأمر ستعتبره أوكرانيا وداعموها تنازلاً هائلاً لروسيا، إذ تتضمن الخطة سيطرة روسية كاملة على لوغانسك ودونيتسك، رغم أن أوكرانيا لا تزال تسيطر على حوالي 14.5% من الأراضي هناك، وفقاً لأحدث تحليل لمعهد دراسات الحرب الأميركي.

ولفت تقرير "أكسيوس"، أمس، إلى أنه على الرغم من السيطرة الروسية، فإن المناطق في دونباس التي ستنسحب منها أوكرانيا ستعتبر منطقة منزوعة السلاح، حيث لن تتمكن روسيا من نشر قوات هناك. أما في خيرسون وزابوريجيا، فستظل خطوط السيطرة الحالية مجمدة إلى حد كبير، مع إعادة روسيا بعض الأراضي، بعد التفاوض حولها. وبحسب الخطة ستعترف الولايات المتحدة ودول أخرى بشبه جزيرة القرم (ضمتها روسيا في 2014) ودونباس بما هي أراض روسية، لكن لن يطلب ذلك من أوكرانيا. وقال مسؤول أوكراني لـ"أكسيوس" إن الخطة تتضمن أيضاً قيوداً على حجم الجيش الأوكراني وأسلحته بعيدة المدى مقابل ضمانات أمنية أميركية. وليس من الواضح ما الذي ستتضمنه هذه الضمانات الأمنية. وبحسب التسريبات خطط ويتكوف لزيارة أنقرة، أول من أمس، حيث عقد زيلينسكي محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن تأجلت الزيارة عندما اتضح أن زيلينسكي لا يهتم بمناقشة خطة ترامب وبدلاً من ذلك، وفق المسؤول الأميركي، كان زيلينسكي متوجهاً إلى أنقرة ومعه خطة أخرى أعدت مع شركاء أوروبيين، لن تقبلها روسيا أبداً. أما نقلاً عن مسؤول أوكراني فإن الاجتماع تأجل لأن زيلينسكي طلب مناقشة الخطة بشكل أوسع، بما في ذلك مع الدول الأوروبية.

وكشفت التسريبات اللاحقة في وسائل إعلام أخرى نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أول من أمس، عن تطابق شبه كامل في تفاصيل الخطة الأميركية الجديدة مع المقترحات الروسية المقدمة لأوكرانيا في جولة المفاوضات في إسطنبول ربيع 2022، والتي توقفت بسبب رفض أوكرانيا ما وصف بـ"شروط استسلام"، وحصولها على دعم غربي مكّنها من مواصلة مقاومة الجيش الروسي. علماً أنه لم تُعقد أي محادثات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا منذ اجتماع بين الجانبين في إسطنبول في 23 يوليو/ تموز الماضي، بعد جولتين في المدينة نفسها خلال مايو/ أيار ويونيو/ حزيران الماضيين، اقتصرت نتائجها جميعها على اتفاقيات بشأن إطلاق سراح آلاف الأسرى من كلا الطرفين.

تتضمن الخطة الأميركية  خفض عديد الجيش الأوكراني إلى 400 ألف جندي 

من جهتها، نقلت وكالة فرانس برس، عن مسؤول رفيع مطلع على الخطة أن مسودة الاقتراح تنص على "الاعتراف بشبه جزيرة القرم ومناطق أخرى سيطرت عليها روسيا... وخفض عديد الجيش إلى 400 ألف جندي (أقل بمرتين ونصف المرة)". ومع بروز تفاصيل جديدة كشفت عنها وكالة رويترز وصحيفة فايننشال تايمز الأميركية، وصحف غربية أخرى، من الواضح أن الخطة الجديدة لإدارة ترامب لا تكتفي بالانحياز لروسيا، بل تتضمن مطالب تكرر موسكو عرضها منذ بداية الحرب التي تقترب من العام الرابع، تحت مسمى معالجة "الأسباب الجذرية" للصراع. وإضافة إلى السيطرة على كامل إقليم دونباس، تنص الخطة على موافقة كييف على تحديد عدد قواتها المسلحة، والاعتراف باللغة الروسية لغة رسمية، والتراجع عن القيود المفروضة على الكنيسة الأوكرانية المرتبطة بالكنيسة الروسية الأرثوذكسية.

وذكرت "رويترز"، أول من أمس، نقلاً عن مصدرين مطلعين، أن الولايات المتحدة أشارت لزيلينسكي بأن على أوكرانيا قبول إطار عمل صاغته الولايات المتحدة لإنهاء الحرب الذي يتصور تخلي كييف عن أراض وبعض الأسلحة. ونقلت مصادر مطلعة على الوثيقة (الخطة) لـ"فايننشال تايمز"، أن الخطة تطلب من أوكرانيا تخفيض عدد قواتها المسلحة إلى النصف، والتخلي عن أسلحة رئيسية، وتنص على تخفيض المساعدات العسكرية الأميركية، ما قد يجعل أوكرانيا معرضة لعدوان روسي محتمل في المستقبل. وحسب مصدر الصحيفة فإن قطر وتركيا تشاركان أيضاً في صياغة الخطة. ووفقاً للصحافي في "إيكونوميست" البريطانية، أوليفر كارول، فإن الخطة تقترح تخفيض حجم الجيش الأوكراني بمقدار 2.5 مرة، وحظر نشر قوات أجنبية في أوكرانيا، وحظر توريد الأسلحة بعيدة المدى التي يمكنها الوصول إلى سانت بطرسبورغ وموسكو.

 الخطة تتطابق إلى حد كبير مع مطالب المذكرة الروسية خلال المفاوضات في إسطنبول الصيف الماضي

وفي حال صدقت هذه التسريبات، فإن الخطة تتطابق إلى حد كبير مع مطالب المذكرة الروسية التي تم تسليمها لأوكرانيا خلال المفاوضات في إسطنبول، خلال صيف العام الحالي، والتي لا تختلف عن وثيقة قالت موسكو إن المفاوضين الروس والأوكرانيين اتفقوا عليها في إسطنبول ربيع 2022. لكن رئيس الحكومة البريطانية السابق بوريس جونسون أقنع زيلينسكي بعدم التوقيع عليها، وأمّن له دعماً غربياً لمواصلة القتال.

وهذه هي المحاولة الرابعة للبيت الأبيض لتحديد الشروط المحتملة لـ"السلام" في أوكرانيا، والتي تجمع بين مبادرات واشنطن في إبريل/نيسان الماضي، والمذكرة الروسية اللاحقة في إسطنبول، وما يسمى "اتفاقيات أنكوريج" (قمة ألاسكا بين بوتين وترامب في أغسطس/آب الماضي) التي لم يعلن عنها كاملة، ويفسرها كل طرف بشكل مختلف. وحسب موقع "بوليتيكو" الأميركي فإن المحيطين بترامب يعتقدون أن زيلينسكي، الذي يتعرض لضغوط سواء على الجبهة أو في الداخل (على خلفية فساد مالي)، سيُجبَر على قبول الشروط المطروحة. وفي المقابل، كشفت جولات زيلينسكي الأوروبية أن كييف تراهن على موقف أوروبي داعم يمكنها من إدخال تعديلات جوهرية على نص الخطة.

إشراك الأوروبيين

لم تكشف التسريبات في وسائل الإعلام عن طبيعة التنازلات الروسية المتوقعة، ما يرجح أن الخطة تحافظ على الخط العام الذي انتهجه ترامب بالضغط على أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، ومحاباة الكرملين. رغم أن "أكسيوس" نقل عن مسؤول أميركي أن البيت الأبيض بدأ بإطلاع الحلفاء الأوروبيين والمسؤولين الأوكرانيين على الخطة وأنه سيتم تعديل المقترح بعد المشاورات، مشدداً على أن "التوقيت مناسب لهذه الخطة الآن. لكن على الطرفين أن يكونا عمليين وواقعيين". وبحسب "أسوشييتد برس"، أمس، فإنه في العواصم الأوروبية، لم تكن هناك معلومات تُذكر عن هذه الخطة. وقالت مصادر من الاتحاد الأوروبي في بروكسل إن هناك بالفعل محادثات بين الولايات المتحدة وطرفي الصراع، لكن لم يتم الاطلاع بعد على الخطة الجديدة.

كالاس: لكي تنجح أي خطة، يجب إشراك الأوكرانيين والأوروبيين

في هذا السياق شدد وزراء خارجية أوروبيون، للصحافيين أمس، على هامش اجتماع في بروكسل، على أن أي خطة لإنهاء الحرب في أوكرانيا يجب أن تشمل الأوكرانيين والأوروبيين. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إنه "لكي تنجح أي خطة، يجب إشراك الأوكرانيين والأوروبيين، وهذا واضح جداً". من جهته اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن "السلام لا يمكن أن يعني الاستسلام"، مضيفاً: "نريد سلاماً دائماً يقترن بالضمانات اللازمة لمنع أي عدوان إضافي من جانب روسيا بقيادة بوتين". بدوره قال وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي، إن أوروبا تتوقع استشارتها بشأن أي خطة سلام، إذ إن الأمن الأوروبي على المحك، فيما اعتبر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، أن أي خطة سلام في أوكرانيا لا يمكن تنفيذها دون أوكرانيا والاتحاد الأوروبي.

كذلك شدد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، على أنه "لا يمكن مناقشة أي مفاوضات متعلقة بوقف إطلاق النار، بل وأي تطور سلمي آخر في أوكرانيا، إلا مع أوكرانيا"، مضيفاً: "يجب أن تشارك أوروبا في ذلك أيضاً". وفي هذا السياق انتقد رئيس ديوان المستشارية في برلين، تورستن فراي، الخطة الأميركية المطروحة، قائلاً لمحطة "آر تي أل/أن تي في" أمس: "يبدو أن بوتين قد يحقق عبر ذلك أهدافاً حربية لم يتمكن من تحقيقها في ساحة المعركة، وهذا سيكون بالتأكيد نتيجة غير مقبولة".

حظوظ نجاح الخطة

يبدو أن ترامب المنتشي باتفاق غزة يسعى إلى تكرار التجربة في أوكرانيا. وفي حين دعم ترامب إسرائيل بكل صنوف الأسلحة لإجبار حركة حماس على تقديم تنازلات مؤلمة، وشاركت إدارته إسرائيل في الحرب على إيران، الصيف الماضي، فإن قطع المساعدات العسكرية الأميركية (مارس الماضي) عن أوكرانيا عوّضه جزئياً الدعم الأوروبي. كما أن روسيا لم تستطع حسم المعركة على الأرض والوصول إلى أهدافها رغم الأوضاع الصعبة للجيش الأوكراني بسبب توقف الدعم الأميركي. بناء على ما سبق، يصعب على ترامب تسويق التنازلات المطلوبة من كييف على أنها أفضل من أن ينفذ بوتين وعيده بتدمير أوكرانيا، وأن التنازل عن جزء أفضل من منح بوتين الفرصة للسيطرة على كامل أوكرانيا. ومعلوم أن ترامب صرح أكثر من مرة بأن بوتين يريد أوكرانيا كلها. ورغم الأزمة السياسية المتفجرة في كييف بسبب الفساد، فإن المعارضة والحكومة غير قادرتين على تقديم تنازلات عن الأراضي الأوكرانية.

وتحرم خطة السلام المقترحة، حسب التسريبات، أوكرانيا من المواقع الدفاعية الحيوية والقدرات اللازمة للدفاع ضد أي عدوان روسي في المستقبل، من دون أي مقابل. وحسب تقرير لمعهد دراسات الحرب الأميركي، أمس، فإن التنازل عما تبقى من مقاطعة دونيتسك لروسيا وتجميد خط المواجهة في جنوب أوكرانيا سيصب في مصلحة روسيا بشكل غير متناسب. وأكد محللو المعهد أن روسيا تحتاج لسنوات للسيطرة على ما تبقى من مقاطعة دونيتسك حسب وتيرة التقدم الحالية. وتضم المناطق الخاضعة حالياً لسيطرة أوكرانيا في دونيتسك، والمعروفة باسم الحزام الحصين، وهو خط الدفاع الرئيسي لأوكرانيا في الإقليم منذ عام 2014، مدناً تعد مراكز دفاعية وصناعية ولوجستية حيوية للقوات الأوكرانية. وحاولت روسيا الاستيلاء على الحزام الحصين الأوكراني من دون جدوى لأكثر من عقد من الزمن.

ويوفر الانسحاب الأوكراني لروسيا الوقت والجهد والقوى العاملة التي يمكن أن تستخدمها في أماكن أخرى في أوكرانيا في حالة تجدد العدوان. وفي الشهور الأخيرة، اشترط المسؤولون الروس أن يكون الانسحاب من دونباس نقطة البداية وليس نتيجة لوقف إطلاق النار ومفاوضات السلام، من دون تقديم أي ضمان للسلام. ويمكن أن تستغل القوات الروسية أي حدث من أجل شن هجمات جديدة مستقبلاً على جنوب منطقة خاركيف، ثم إلى شرق منطقتي زابوريجيا ودنيبروبيتروفسك. كما سيهيئ هذا الانسحاب الظروف للقوات الروسية للتقدم عبر نهر أوسكيل في شرق منطقة خاركيف. ومن المرجح أن تسعى القوات الروسية لاحقاً إلى تهديد مدينة خاركيف من جبهات متعددة. كما أن تجميد خط المواجهة في جنوب أوكرانيا يمنح القوات الروسية فرصة للراحة وإعادة بناء صفوفها استعداداً لهجمات مستقبلية على مدينتي خيرسون أو زابوريجيا، اللتين حددهما الكرملين والمسؤولون الروس أهدافاً.

وعليه فإن الانسحاب من دونباس وتجميد خطوط القتال الحالية، يعني استسلام أوكرانيا وانتظار قضم مزيد من الأراضي، مع عدم امتلاكها وسائل للرد مقابل قدرة روسيا على استهداف العمق الأوكراني متى شاءت. فبحسب الخطة يجب تقليص حجم الجيش الأوكراني وحجم الترسانة الصاروخية، إضافة إلى حظر نشر القوات الأجنبية في أوكرانيا، ومنع أوكرانيا من تلقي أسلحة أجنبية بعيدة المدى قادرة على ضرب عمق الأراضي الروسية.

ومن المستبعد أن توافق أوكرانيا على الخطة التي تتطابق مع المطالب المقدمة في إسطنبول ربيع 2022، فحينها كانت القوات الروسية على أبواب كييف. ورغم أن روسيا تسيطر حالياً على قرابة 20% من أراضي أوكرانيا، فإن الحرب تحولت إلى استنزاف بعدما أجبرت أوكرانيا القوات الروسية على الانسحاب من شمال أوكرانيا في إبريل 2022، وشنت هجوماً مضاداً وحررت مساحات كبيرة من منطقة خاركيف خريف 2022، وأجبرت روسيا على الانسحاب من الضفة الغربية (اليمنى) لمنطقة خيرسون في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022. ورغم امتلاك روسيا تفوقاً في العدة والعتاد والعديد، فإن استمرار الحرب لا يصب في مصلحة اقتصادها الذي بدأ يعاني بسبب العقوبات، كما أن حسم المعركة وإنهاء حالة الاستنزاف يتطلب تعبئة عامة وإعلان حرب يرفضهما الكرملين حتى الآن خوفاً من التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ومع الأخذ بالحسبان موقف الإدارة الأميركية بشأن عدم جواز انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي، والتسريبات حول خفض الجيش الأوكراني وقدراته، وعدم نشر قوات أجنبية لضمان أي اتفاق، فإن خطة ترامب لا تحرم أوكرانيا من ضمان أمنها فحسب، بل تهدد الأمن الأوروبي. ومن الواضح أن أوروبا تراهن على صمود أوكرانيا لكسب الوقت وتحضير جيوشها وبنيتها الدفاعية لمواجهة متوقعة مع روسيا في غضون عدة سنوات. ورغم أن العقوبات الأوروبية لم تكن حاسمة في إجبار الكرملين على وقف الحرب، فإن واشنطن تحتاج للأوروبيين في دعم الخطة في ما يتعلق بالجزء الاقتصادي، فالعلاقات الاستثمارية والاقتصادية والتجارية بين أوروبا وروسيا أهم بكثير من مشروعات غامضة يتم الترويج لها من جانب كيريل ديميترييف، من قبيل نفق بين روسيا وألاسكا عبر مضيق بيرينغ أو استغلال المعادن الأرضية النادرة.