- أهداف التصعيد الإسرائيلي: تسعى إسرائيل لخلق عدم استقرار دائم لدفع السكان للمغادرة وتوسيع نفوذها، والاحتفاظ بأوراق تفاوضية للتسويات المستقبلية، وتحقيق مكاسب سياسية داخلية قبل الانتخابات.
- معاناة سكان الجنوب السوري: يواجه السكان قيوداً على الحركة والوصول إلى أراضيهم، مما دفع الأمم المتحدة لإصدار بطاقات تعريف خاصة، وتعتبر الحكومة السورية هذه التحركات انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك.
العمليات الإسرائيلية تغطي مساحات واسعة من القنيطرة ودرعا
أنشأت إسرائيل تسع أو عشر نقاط عسكرية متقدمة داخل سورية
تتمسك الحكومة الإسرائيلية بالبقاء في ما تسميه "المناطق الأمنية"
لم تعد التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري مجرد عمليات عسكرية محدودة تنفذها قوات الاحتلال على طول خط فضّ الاشتباك بموجب اتفاقية عام 1974
بين سورية وإسرائيل، بل تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى سلوك ميداني يتسم بالتوسع التدريجي، بما يشمل إنشاء نقاط عسكرية دائمة، وفرض قيود على حركة السكان. بذلك تنتقل إسرائيل إلى محاولة رسم واقع أمني جديد داخل الأراضي السورية.آخر هذه التوغلات كانت أمس الاثنين في ريف القنيطرة الجنوبي، إذ دخلت قوة مؤلفة من سبع آليات عسكرية عبر بوابة تل أبو الغيثار، وتوزعت بين قرى الرزانية وصيدا الحانوت، قبل أن تقيم حاجزاً عسكرياً غرب قرية صيدا الجولان، حيث أوقفت المدنيين وفتشتهم. وتزامن ذلك مع تحليق مكثف للطيران المسيّر، واعتقال مدني من قرية الرزانية قبل نقله إلى الأراضي المحتلة، وذلك بعد أقل من 24 ساعة على قصف مدفعي استهدف محيط مزرعة أبو رجم في المنطقة نفسها.
توسيع التوغلات
خطورة هذا التوغل لا تكمن في تفاصيله العسكرية، بل في كونه حلقة إضافية ضمن سلسلة عمليات متكررة باتت تغطي مساحات واسعة من محافظتي القنيطرة ودرعا جنوبي سورية، وتتجاوز في بعض المناطق عمق أربعة كيلومترات داخل الأراضي السورية. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن النشاط الإسرائيلي لم يعد مقتصراً على الشريط المحاذي للجولان المحتل، بل امتد إلى معظم الريف الشمالي والريف الأوسط والريف الجنوبي لمحافظة القنيطرة، فضلاً عن أجزاء واسعة من ريف محافظة درعا الغربي.
في شمالي القنيطرة، تتكرر التوغلات في محيط جباتا الخشب وحضر والصمدانية الشرقية، بينما تتحرك القوات المتمركزة في الحميدية باتجاه خان أرنبة وسد رويحينة والقرى المجاورة في القطاع الأوسط. أما في جنوبي المحافظة، فتطاول العمليات الإسرائيلية صيدا الجولان وعين زيوان وكودنة وبريقة والمعلقة وغدير البستان والرفيد، حيث تصل بعض التوغلات إلى عمق أربعة كيلومترات داخل الأراضي السورية. أما في محافظة درعا، فباتت قرى عابدين ومعربة ومعرية ووادي الرقاد وجملة ضمن مسرح التحركات العسكرية الإسرائيلية، التي تنطلق غالباً من ثكنة الجزيرة أو من بوابة تل أبو الغيثار، وسط شق طرق عسكرية وإنشاء مواقع جديدة تخدم انتشار القوات.
ويبدو أن هذه التحركات تجاوزت مفهوم "الدوريات المؤقتة"، إذ تؤكد معطيات محلية أن إسرائيل أنشأت خلال الأشهر الماضية تسع نقاط عسكرية متقدمة داخل الأراضي السورية أو عشراً، موزعة بين جبل الشيخ وحرش جباتا الخشب والتلول الحمر والحميدية والعدنانية وتل الأحمر الغربي وقاعدة القنيطرة المهدمة ونقطة الجزيرة في درعا. يأتي ذلك بالإضافة إلى إنشاء خندق عسكري يعرف باسم "صوفا 53"، الأمر الذي أدى إلى عزل مساحات زراعية واسعة وتقييد حركة السكان.
ما هي أهداف التصعيد الإسرائيلي؟
التصعيد الإسرائيلي، وفق رشيد حوراني، الباحث في مركز جسور للدراسات (مقره إسطنبول)، تحرّكه جملة من الاعتبارات السياسية والعسكرية في آن واحد. ويقول حوراني لـ"العربي الجديد" إن تل أبيب تسعى إلى خلق حالة دائمة من عدم الاستقرار في الجنوب السوري، بما يدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم تدريجياً، ويسهّل توسيع نفوذها والسيطرة على مزيد من الأراضي.
رشيد حوراني: حكومة نتنياهو تحاول تحقيق مكاسب سياسية داخلية قبل الانتخابات المقبلة
ويضيف أن هناك هدفاً آخر يتمثل في الاحتفاظ بأوراق تفاوضية يمكن استخدامها في أي تسوية سياسية مستقبلية مع دمشق، إلى جانب محاولة حكومة بنيامين نتنياهو
تحقيق مكاسب سياسية داخلية قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة (أكتوبر/ تشرين الأول المقبل) عبر إظهار الساحة السورية بوصفها جبهة حققت فيها إنجازات بأقل كلفة ممكنة. ويتفق المحلل السياسي السوري غازي دحمان مع هذا التقييم، لكنه يضيف بعداً آخر يتمثل في سعي إسرائيل إلى تثبيت وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً. ويقول دحمان لـ"العربي الجديد" إن السيطرة على مواقع مرتفعة ومصادر مائية وأراضٍ ذات أهمية عسكرية تمنح إسرائيل أوراق قوة في حال استؤنفت المفاوضات مع دمشق. ويوضح أن ذلك يشمل تعديل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 أو إبرام ترتيبات أمنية جديدة تطالب بها حكومة نتنياهو.أحمد المسالمة: واشنطن لا تبدو معنية بفرض انسحاب إسرائيلي فوري، بل تدفع باتجاه ترتيبات أمنية طويلة الأمد
ولا ينفصل هذا المشهد، وفق مراقبين، عن الموقف الأميركي. فالصحافي السوري أحمد المسالمة يرى أن ما يجري في الجنوب السوري يتجاوز كونه نزاعاً حدودياً، إذ يرتبط بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، في ظل تداخل المصالح الأميركية والإسرائيلية والتركية والإيرانية في الملف السوري. ويشير في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن واشنطن لا تبدو معنية بفرض انسحاب إسرائيلي فوري، بل تدفع باتجاه ترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن استقرار الحدود. ويتقاطع ذلك في رأيه، مع السياسة الأميركية القائمة على إدارة الصراعات أكثر من إنهائها، معتبراً أن إسرائيل اعتادت فرض وقائع ميدانية قبل الدخول في أي مفاوضات، بما يجعل الأراضي التي تسيطر عليها جزءاً من أي مساومة سياسية لاحقة.
وتعزز تصريحات المستشار السابق للأمن القومي الإسرائيلي إيال حولاتا هذا الانطباع، إذ أكد في تصريحات الأسبوع الماضي، أن استمرار وجود الجيش الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة في سورية (التي احتلها منذ إسقاط نظام بشار الأسد أواخر 2024) لا يمكن أن يتم من دون تنسيق مع الولايات المتحدة. واعتبر حولاتا أن أي ترتيبات مستقبلية ستظل مرتبطة بالموقف الأميركي. في المقابل، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس
، مراراً تمسك الحكومة الإسرائيلية بالبقاء في ما تسميه "المناطق الأمنية" داخل سورية، رغم تقارير تحدثت عن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج الأراضي السورية.معاناة سكان الجنوب السوري
وبعيداً عن الحسابات السياسية، يدفع سكان الجنوب السوري الثمن المباشر لهذه التوغلات. فالحواجز العسكرية المفاجئة والدوريات اليومية وإطلاق النار المتكرر، جعلت الوصول إلى الحقول والمراعي في المنطقة محفوفاً بالمخاطر. وفي وقت سابق قال رئيس اتحاد الفلاحين في القنيطرة عبد الرحمن خلف لوكالة الأنباء السورية "سانا"، إن الانتهاكات الإسرائيلية لم تقتصر على التوغلات العسكرية، بل شملت ملاحقة الرعاة ورش مبيدات على المحاصيل والاستيلاء على مساحات زراعية. كما كشف مختار بلدة جباتا الخشب، محمد مريود، الشهر الماضي في حديث لـ"سانا"، عن اقتطاع نحو عشرة آلاف دونم من أراضي البلدة منذ عام 2024.
أصدرت الأمم المتحدة بطاقات تعريف خاصة تسمح للسكان بالعمل في أراضيهم خلال ساعات محددة من النهار، بعد تنسيق مع الجانب الإسرائيلي
وأمام هذه الظروف، اضطرت قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) إلى اعتماد آلية استثنائية لحماية المزارعين، تمثلت في إصدار بطاقات تعريف خاصة تسمح لهم بالعمل في أراضيهم خلال ساعات محددة من النهار، بعد تنسيق مع الجانب الإسرائيلي. ويقول المزارع محمد أبو يامن من بلدة الرفيد في محافظة القنيطرة، لـ"العربي الجديد"، إن هذه البطاقة أصبحت بمثابة تصريح مرور يطلبه الجنود الإسرائيليون أثناء وجودهم قرب الحقول. ويضيف أن البطاقة مكّنته من إنهاء موسم الحصاد، لكنها تعكس في الوقت ذاته حجم القيود المفروضة على حياة المدنيين.
وكان نيلسون باتيستا، قائد كتيبة أوروغواي العاملة ضمن "أندوف"، قد أوضح في تصريح لمديرية إعلام القنيطرة في السابع من يوليو/ تموز الحالي، أن هذه المبادرة جاءت بطلب من الأهالي أنفسهم، وأن القوات الأممية تراقب يومياً عمل نحو 50 مزارعاً على امتداد المنطقة الواقعة بين الرفيد في ووادي الرقاد. وترى الحكومة السورية أن جميع هذه التحركات تمثل انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وتؤكد في بياناتها الرسمية، أن الإجراءات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية باطلة وفق القانون الدولي، مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للانسحاب.
لكن القراءة الميدانية تشير إلى أن الجنوب السوري دخل مرحلة مختلفة، فإسرائيل لم تعد تكتفي بعمليات عسكرية خاطفة أو بردات فعل مرتبطة بتهديدات أمنية مزعومة، وإنما تعمل على إنشاء بنية عسكرية ثابتة، تترافق مع سيطرة تدريجية على المرتفعات والمصادر المائية والطرق الحيوية. ويتفق محللون على أن مستقبل هذه المناطق لن يتحدد بالوقائع العسكرية وحدها، بل سيتوقف أيضاً على شكل التفاهمات الأميركية الإسرائيلية، ومسار العلاقة مع دمشق، وما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو ترتيبات أمنية جديدة أم ستظل ساحة مفتوحة للتصعيد. وحتى ذلك الحين، يبقى الجنوب السوري بين خطوط تماس لم تعد ثابتة، وقرى تحولت فيها الحقول إلى مناطق مراقبة، وأصبح الوصول إليها يحتاج إلى بطاقات أممية وضمانات أمنية، في مشهد يعكس عمق التحولات التي تشهدها المنطقة منذ أواخر عام 2024.