خاص | زيارة الزيدي إلى واشنطن تحرّك حسم الوزارات الشاغرة في حكومة العراق
- النقاشات السياسية تتجاوز توزيع الحقائب الحالية لتشمل استحداث وزارات جديدة أو مناصب تنفيذية عليا، بهدف تحقيق توازن بين القوى السياسية، مما يعكس تعقيدات داخل الائتلاف الحاكم.
- زيارة رئيس الحكومة علي الزيدي إلى واشنطن أكدت الحاجة إلى حكومة مكتملة الصلاحيات لتنفيذ التفاهمات مع الجانب الأميركي، لكن الخلافات الداخلية تبقى عائقاً أمام استكمال الحكومة.
وسط شغور تسع حقائب وزارية من أصل 24 حقيبة في الحكومة العراقية بسبب خلافات بين القوى السياسية حول توزيع المناصب في إطار المحاصصة السائدة في البلاد، يبدو أن زيارة رئيس الحكومة
علي الزيدي إلى واشنطن التي بدأت الأربعاء الماضي، قد حركت المياه الراكدة على خط استكمال الحقائب الوزارية. ويمثل هذا الملف اختباراً حقيقياً لقدرة القوى الحاكمة على تجاوز خلافاتها وترجمة تفاهماتها إلى قرارات عملية.وقالت مصادر سياسية عراقية لـ"العربي الجديد"، إن قوى "الإطار التنسيقي" الحاكم بدأت تحركاً جديداً لإحياء المفاوضات الخاصة بحسم الوزارات الشاغرة، التي تدار بالوكالة منذ منح الثقة لحكومة علي الزيدي منتصف مايو/ أيار الماضي. وأكدت المصادر ذاتها أن التحرك جاء بالتوازي مع قرب انتهاء الزيارة الرسمية التي يجريها الزيدي حالياً إلى الولايات المتحدة، والتي يرى مراقبون أن مخرجاتها قد توفر مناخاً سياسياً يسمح بإمكانية حسم ملف الوزارات.
تأتي هذه التحركات بعد أسابيع هيمنت فيها الملفات الخارجية والعلاقات العراقية الأميركية على المشهد السياسي في البلاد، قبل أن تعود الأنظار مجدداً إلى الاستحقاقات الداخلية، وفي مقدّمتها استكمال الكابينة الوزارية (الحكومة)، وإنهاء إدارة عدد من المناصب الحكومية بالوكالة. علماً أن الوزارات التسع الشاغرة، هي الدفاع والداخلية والتخطيط، والتعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب وزارة الهجرة والمهجرين ووزارة الإعمار والإسكان، والشباب والرياضة، والعمل والشؤون الاجتماعية، ووزارة الثقافة.
مساعي استكمال الحكومة العراقية
وكانت قيادات في "الإطار التنسيقي" قد أعلنت توجّه التحالف لعقد اجتماع خلال الأيام المقبلة بهدف التوصل إلى تفاهمات بشأن الحقائب الوزارية المتبقية، ولا سيما الوزارات الأمنية. وقال عضو الإطار، عدي عبد الهادي، أمس السبت إن "قوى الإطار ستعقد خلال الأسبوع الحالي اجتماعاً مهماً للمضي بحسم ما تبقى من الحقائب الوزارية". وأكد، في تصريح صحافي، أن "الاجتماع سيركز على ضرورة المضي بحسم تقديم المرشحين للحقائب التسع، بما فيها الوزارات الأمنية، من أجل استكمال التشكيلة الحكومية، نظراً لأهمية هذا الملف". وبيّن أن "جميع القوى السياسية متفقة على ضرورة تسريع وتيرة استكمال تشكيل الحكومة، لأن استمرار إدارة الوزارات بالوكالة يشكل ضغطاً على عمل المؤسسات".
المباحثات بين القوى السياسية مستمرة، إلا أنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي
من جهته، قال مصدر سياسي عراقي مطلع، لـ"العربي الجديد"، فضل عدم الكشف عن هويته، إن "المباحثات بين القوى السياسية مستمرة، إلا أنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي بشأن الوزارات الشاغرة، رغم وجود رغبة مشتركة في إنهاء هذا الملف خلال المرحلة المقبلة". وأوضح أن "النقاشات لا تقتصر على توزيع الحقائب الحالية، بل تشمل أيضاً أفكاراً تطرح خلف الكواليس تتعلق باستحداث وزارات جديدة أو إيجاد مناصب تنفيذية عليا، بما يحقق توازناً بين القوى السياسية ويخفف من حدة التنافس على الوزارات المتبقية". وشدد على أن "هذه الطروح لا تزال في إطار المشاورات ولم تتحول إلى اتفاق سياسي ملزم حتى الآن". ويؤشر طرح مثل هذه الخيارات إلى استمرار التعقيدات داخل الائتلاف الحاكم، ومحاولة البحث عن مخارج سياسية تحفظ توازنات القوى من دون الذهاب إلى أزمات إضافية قد تؤخر استكمال الحكومة العراقية لفترة أطول.
وتعهدت القوى الداعمة للحكومة مراراً بحسم هذا الملف من دون أن تنجح حتى الآن في الوصول إلى تسوية نهائية. وخلال الفترة الماضية، تكررت الدعوات السياسية إلى الإسراع باستكمال الحقائب الوزارية، انطلاقاً من أن بقاء الوزارات شاغرة ينعكس على كفاءة الأداء الحكومي، ويؤخر تنفيذ البرنامج الحكومي، فضلاً عن إرباك عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسات التنفيذية. وتكمن أهمية الحراك السياسي الحالي في كونه يمثل مسعى للقوى الحاكمة "قوى الإطار" إلى إظهار قدرتها على تجاوز خلافاتها بعد مرحلة اتسمت بتنافس حاد على المناصب. ومن جهة أخرى تحاول هذه القوى إرسال رسالة طمأنة إلى الداخل والخارج بأن الحكومة العراقية تتجه نحو مرحلة أكثر استقراراً، خصوصاً بعد الانفتاح الذي شهدته العلاقات العراقية مع واشنطن.
تجاوز الخلافات الداخلية
ويبقى نجاح هذه المساعي مرهوناً بمدى استعداد القوى السياسية لتقديم تنازلات متبادلة. وإذا كان الاجتماع المرتقب لـ"الإطار التنسيقي" قد يشكل محطة مهمة في مسار المفاوضات، فإنه لن يكون كافياً ما لم يفضِ إلى اتفاق شامل يعالج جذور الخلافات، سواء عبر التوافق على شاغلي الوزارات المتبقية أو من خلال صيغة سياسية جديدة تعيد توزيع التوازنات داخل الائتلاف الحاكم.
في غضون ذلك تفيد المعطيات السياسية بأن زيارة الزيدي إلى واشنطن، وما رافقها من مباحثات ركزت على ملفات الشراكة الأمنية والاقتصادية والاستثمار، عززت الحاجة إلى استكمال المؤسسات التنفيذية. يأتي ذلك على اعتبار أن المرحلة المقبلة تتطلب حكومة مكتملة الصلاحيات قادرة على تنفيذ التفاهمات التي أُبرمت مع الجانب الأميركي، ومتابعة ملفات الأمن والطاقة والاستثمار والإصلاح الإداري.
مصطفى المفرجي: زيارة الزيدي إلى واشنطن لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات الداخلية
في هذا الصدد، قال الأكاديمي المختص في الشأن السياسي العراقي، مصطفى المفرجي، إن زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن منحت الحكومة العراقية "زخماً سياسياً على المستوى الخارجي، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات الداخلية". وأوضح لـ"العربي الجديد"، أن "القوى السياسية باتت تدرك أن استمرار الوزارات الشاغرة يضعف صورة الحكومة ويؤثر في قدرتها على تنفيذ برنامجها، ما يدفعها إلى تكثيف المفاوضات خلال المرحلة الحالية".
وأضاف المفرجي أن "الزيارة إلى واشنطن لن تكون العامل المباشر في حل الأزمة، لكنها ستسهم بلا شك في خلق ضغوط سياسية داخلية باتجاه استكمال الحكومة". وعزا ذلك إلى أن "أي التزامات خارجية كبيرة تحتاج إلى مؤسسات مستقرة ووزراء يمتلكون الصلاحيات الكاملة، وليس إدارات بالوكالة". وفي رأيه أن "العقدة الأساسية ما تزال تتمثل في الحقائب الأمنية وبعض الوزارات ذات الثقل السياسي، التي ترتبط بتوازنات دقيقة داخل الإطار التنسيقي وبين القوى المشاركة في الحكومة العراقية". يجعل ذلك أي اتفاق نهائي، وفق المفرجي "مرهوناً بحزمة تفاهمات سياسية متكاملة، وليس مجرد الاتفاق على أسماء المرشحين".