- المجلس الأعلى للدولة كان له دور في مواجهة احتكار مجلس النواب للقرار السياسي، لكنه أصبح مثقلاً بالصراعات الداخلية، مما أثر على استقلاليته وعلاقته بالحكومة في طرابلس.
- المبادرات الأممية والأميركية تجاوزت المجلسين، معتمدة على القوى ذات النفوذ المباشر، مما يبرز أزمة أعمق في تحويل الشرعية الشكلية إلى تأثير سياسي فعلي.
ما إن أُعلن في 29 يوليو/تموز الماضي، عن فوز رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بدورة رئاسية جديدة، عقب انتخابات يجريها المجلس سنوياً التزاماً بلوائحه الداخلية التي تفرض تجديد هيئة الرئاسة كل عام، حتى اختفى الحدث سريعاً من دائرة الاهتمام العام، وكأن الأمر لا يتعلق بإحدى المؤسسات التي يفترض أنها شريك أساسي في إدارة المرحلة الانتقالية ورسم مستقبل البلاد. صحيح أن المجلس الأعلى للدولة استطاع خلال السنوات الماضية الحفاظ على مظهر من التداول على رئاسته، مع تعاقب ثلاثة رؤساء على قيادته خلال عقد واحد، في مقابل شريكه في العملية السياسية، مجلس النواب، الذي استمر رئيسه (عقيلة صالح) في منصبه منذ انتخابه عام 2014، إلا أن هذا الاختلاف لم يتجاوز حدود الإجراءات الشكلية لينعكس على حيوية المؤسسة وقدرتها على التأثير وصناعة القرار.
وصحيح أيضاً أن مجلس الدولة حظي بدعم قطاعات واسعة واهتمامها خلال السنوات الماضية، عندما فرض مجلس النواب واقعاً سياسياً بدعم حروب اللواء المتقاعد خليفة حفتر وشرعنتها، وخلق حكومات موازية أدخلت البلاد في حالة من الانقسام، فقد شكل مجلس الدولة حينها ثقلاً سياسياً حدّ من قدرة مجلس النواب على احتكار القرار، مستنداً إلى الاتفاق السياسي الذي منحه دور الشريك لمجلس النواب في العملية السياسية. ولكن مجلس الدولة تحول، بمرور الوقت، إلى مؤسسة مثقلة هي الأخرى بالانقسامات الداخلية والصراعات على النفوذ. وانشغل بخلافاته الداخلية على حساب دوره في الاستحقاقات والملفات الكبرى، بل انجرف إلى أتون دائرة الصراعات حتى أصبح طرفاً فيها، وآخرها علاقته بالحكومة في طرابلس، التي جعلته، وفق منتقديه، أقرب إلى تبني سياساتها، حتى بات الحديث عن انتخاب رئيس يتخذ مواقف مستقلة عن الحكومة وتوجهاتها أمراً بالغ الصعوبة. ما قيمة هذه الانتخابات الدورية إذا تحولت من تنافس على الرؤى والبرامج إلى أداة داخل دائرة الصراع؟
ورحبت البعثة الأممية بنتائج انتخابات رئاسة المجلس الأعلى للدولة، وهو ترحيب احتفى به المجلس، لكنه لم يلتفت إلى أن البعثة والمجتمع الدولي قد تجاوزا المجلسين، الأعلى للدولة والنواب معاً. المبادرتان الفاعلتان حالياً، الأممية والأميركية، أصبحتا تعتمدان بصورة واضحة ومعلنة على القوى التي تملك نفوذاً مباشراً على الأرض: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة خليفة حفتر في بنغازي. ومن ممثلي هذه الأطراف تتشكل الشخصيات الرئيسية على طاولة المبادرتين. وبمعنى مباشر، فإن المشكلة في الحالة الليبية تجاوزت مسألة إجراء الانتخابات الدورية وتجديد القيادات؛ وربما فإن إجراءها من دون أثر سياسي حقيقي يسهم في تشويه صورة الانتخابات نفسها، ويكشف عن أزمة أعمق تتمثل في فقدان المؤسسات قدرتها على تحويل الشرعية الشكلية إلى تأثير سياسي فعلي.