حمص و"ردع العدوان"... فصول من الخوف قبل سقوط الأسد
استمع إلى الملخص
- بعد سقوط النظام، واجهت حمص تحديات كبيرة، منها التوترات الطائفية والمخاوف من القصف الانتقامي، مما أدى إلى استنفار أمني واعتقالات للتجنيد، وزيادة القلق بين الأهالي.
- حمص، التي كانت ثاني محافظة تثور ضد النظام، شهدت تهجيراً واسعاً وخوفاً من المجازر الطائفية، مما دفع الأهالي لتخزين المواد الغذائية تحسباً لحصار طويل.
كانت السيطرة على مدينة حمص بعد أيام على إطلاق معركة "ردع العدوان" نقطة مفصلية وشرارة الانهيار الفعلية لنظام بشار الأسد، فكانت بوابة دمشق والمدينة الثالثة بعد حلب وحماة ضمن أحجار الدومينو. كانت تدور الكثير من المخاوف والشكوك بشأن حمص، خشية من احتمال ارتكاب مجازر واستعصاء جيش نظام الأسد فيها وسيناريوهات عديدة أخرى بقيت قائمة حتى اللحظة الأخيرة التي بقي فيها الأسد في السلطة. أما اليوم فتعيش المدينة إلى جانب مناطق ريفها ذات التنوع الطائفي تحديات كثيرة بعد عام على سقوط نظام الأسد، أهمها وضع آليات لضبط الأمن والحد من التوترات الطائفية المتكررة فيها، وآخرها التوتر والتظاهرات المضادة للحكومة في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والتي تبعتها تظاهرات أيضاً لمؤيدي الحكومة بعد جريمة قتل حدثت في قرية زيدل، دفعت مجموعات أهلية لارتكاب انتهاكات على خلفية الجريمة.
أثيرت حول مدينة حمص الكثير من التساؤلات خلال معركة "ردع العدوان"، لا سيما أنها كانت ثكنة عسكرية، وفق ضباط سوريين، حيث تتمركز فيها كليات عسكرية وفرق وألوية ومطارات، فضلاً عن أن بقايا قوات النظام المنسحبة من الشمال تجمعت في حمص. ودفعت إدارة العمليات العسكرية في "ردع العدوان" بتعزيزات إلى جبهة القتال المحتدم في شمال مدينة حمص مع انطلاق هجوم للسيطرة على هذه المدينة الاستراتيجية. وفي السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2024، أعلنت إدارة العمليات العسكرية عن بدء توغل مقاتليها في أحياء المدينة، بعد وصولهم إلى الريف الشمالي بمجموعات فردية منذ بداية الشهر ذاته، وحينها كانت قوات الأسد تروج لعمليات إعادة تموضع في المدينة رد عليها القائد العسكري في إدارة العمليات العسكرية وقتها أنها "أكاذيب"، لتسيطر الفصائل على المدينة في السابع من ديسمبر.
مخاوف أهالي حمص
مع بداية "ردع العدوان"، لم يكن سقف التوقع لدى سكان المدينة ذات التنوع الطائفي مرتفعاً، فالمعركة حينها جلبت معها الخوف وأعادت ذكريات عن حصار ضرب حي الوعر، غرب المدينة، لنحو أربعة أعوام، وجدد مخاوف عن قصف يدمر أحياء بكاملها، كما في الخالدية وجورة الشياح والرفاعي وغيرها.
أمجد الفيصل، من سكان حي الوعر، عاش فترة حصار الحي التي استمرت قرابة أربع سنوات منذ أواخر عام 2013، وكان جلّ خوفه بعد معرفته بمعركة "ردع العدوان" أن يتكرر هذا الحصار وأن يكون أوسع. وقال لـ"العربي الجديد"، إنه في بداية المعركة سمع أحاديث من الجيران حولها، مؤكداً أن الخوف كان يسيطر على الجميع، لكن مع سيطرة فصائل المعارضة السورية على حلب حينها، بدأ الفيصل يتابع أخبار المعركة مع انكسار حاجز الخوف لديه، وقال: "الخوف لدينا كان من أن يطول أمد المعركة، ومع اقتراب الفصائل من ريف حمص بدأنا نشعر بنوع من الفرح".
أمجد الفيصل: الخوف لدينا كان من أن يطول أمد المعركة، ومع اقتراب الفصائل من ريف حمص بدأنا نشعر بنوع من الفرح
وأوضح الفيصل أن الأهالي أدركوا حينها أن حمص ستخرج عن سيطرة نظام الأسد عاجلاً أم آجلاً مع وصول أخبار لهم أن مقاتلي الفصائل وصلوا إلى الريف الشمالي في بداية شهر ديسمبر 2024، لكن كان هناك خوف من أن تطول معركة السيطرة على المدينة، وأن تشهد قصفاً انتقامياً من قبل جيش نظام الأسد، كما يقول، وبقي هاجس الخوف مسيطراً على معظم الأهالي حتى بعد سيطرة فصائل المعارضة على حمص. هذا الخوف كان مدفوعاً بفكرة بقاء نظام الأسد في دمشق. ووفق الفيصل "بقاء النظام في دمشق يعني قصف حمص وحماة، لا سيما أن كافة الموالين له غادروا المدينة، والخوف استمر حتى اللحظة الأخيرة التي تأكدنا فيها من سقوط بشار الأسد".
وشهدت مدينة حمص استنفاراً أمنياً غير مسبوق، كما أوضح الفيصل، خلال فترة وصول مقاتلي "ردع العدوان" إلى ريفها الشمالي، وترافق مع حملة اعتقالات بهدف التجنيد. وأضاف: "كانت الأيام الأولى مع وصول المقاتلين حمص كلها مجهولة"، متابعاً: "كنا نخاف الرصاص العشوائي في كل مكان، وحذرنا من خدعة مارسها عناصر الأمن، وهذه الخدعة كانت بالهتاف بسقوط النظام في الشوارع وجرّ الناس بعد نزولهم للمعتقلات". ولفت إلى أن "المعركة كانت مفاجِئة، قصيرة، حملت الكثير من الخوف إلى جانب فسحة أملٍ كللت بسقوط النظام".
من جانبه، تحدث الخمسيني جلال نجدت عبد الله عن المعركة لـ"العربي الجديد"، لافتاً إلى أنه كان يتجنب حينها الحديث عنها مع زوجته أو أولاده بسبب الخوف، لكن بعد سيطرة مقاتلي "ردع العدوان" على مدينة حلب وإسقاطهم تمثال باسل الأسد في الدوار الذي يحمل اسمه، تفاءل حينها، وقال: "أصبح لدي أمل بسقوط بشار الأسد". ومع تقدم فصائل المعارضة باتجاه محافظة حماة، كان عبد الله يتابع الأخبار عبر القنوات التلفزيونية، وقال: "إعلام نظام الأسد حينها كان يوحي وكأننا في سويسرا"، ومع السيطرة على حماة كان الأمل أكبر بسقوط النظام. وحينها تمركز الأمن العسكري في دائرة النفوس بمدينة حمص وثبّت رشاشاتٍ ثقيلة على سطح المبنى، كما أشار، وأعطى الموظفين في الدائرة عطلة لثلاثة أيام، وهو كان من بينهم. وتوسعت المواجهات لتشمل مدينة حمص بعد وصول مقاتلي "ردع العدوان" إلى مدينتي تلبيسة والرستن. وتابع: "في الخامس من ديسمبر اقتربت الفصائل من إحكام السيطرة على حمص كما كنت أقرأ المشهد، وفعلاً تم ذلك، بعد أيام من الرعب والخوف... وكانت الأنظار حينها تتجه إلى دمشق".
ذكريات الأيام الصعبة
وتمتد حمص على أكثر من 40 ألف كيلومتر مربع (تقريباً أربع مرات أكبر من لبنان)، وهي أكبر محافظة في سورية، وتتوسط البلد، لتشكل عقدة مواصلات تربط البلاد من جهاتها الأربع، وتبعد عن دمشق جنوباً نحو 162 كيلومتراً. وتحد حمص من الشمال حماة والرقة، ومن الشرق دير الزور والبادية، ومن الجنوب ريف دمشق، ومن الغرب طرطوس ولبنان. تمر بها عقدة مواصلات تركيا - الأردن وبغداد - دمشق وبغداد - اللاذقية. كانت حمص ثاني محافظة تثور ضد النظام بعد درعا في مارس/ آذار 2011، إذ شهدت ساحتها الرئيسية وأحياؤها القديمة، بما في ذلك بابا عمرو وباب السباع والخالدية والبياضة وغيرها، احتجاجات واسعة، وفقدت حمص معظم سكانها الذين هجّروا منها قسراً، بالإضافة إلى الذين فقدوا حياتهم فيها خلال الثورة السورية.
اتجه موالون لنظام الأسد بعد سيطرة فصائل "ردع العدوان" على مدينة حماة لحمل السلاح
واتجه موالون لنظام الأسد بعد سيطرة فصائل "ردع العدوان" على مدينة حماة لحمل السلاح، كما أكد مهند التدمري، الذي كان يقيم في حي النزهة، وهو من الأحياء المختلطة طائفيا في المدينة، وقال لـ"العربي الجديد" إن الخوف حينها كان من حدوث مجازر طائفية، وتابع أن "كثيراً من أبناء الحي حملوا السلاح، هم مدنيون، فوجئت ببعضهم من جيراني أعرفهم منذ سنين، حملوا السلاح وانضموا لجيش نظام الأسد". وفي الأيام الثلاثة التي سبقت سيطرة فصائل المعارضة على مدينة حمص، عمد الأهالي لشراء المواد الغذائية بكثرة خوفاً من الحصار ومن معركة طويلة، كما أوضح التدمري، وتابع: "كانت أياماً صعبة للغاية، لكنها أصبحت اليوم ذكريات حول خوف، وحول أشخاص في الحي اختفوا بعد سقوط النظام بعدما حملوا السلاح إلى جانب قواته".