حمة الهمامي لـ"العربي الجديد": تونس تحتاج إلى بديل وأسباب الغضب تتزايد
- حزب العمال يدعم حق التظاهر والتعبير بحرية، لكنه يرفض التحالفات الميدانية غير الموحدة، مؤكدًا أن التحركات الشعبية والاجتماعية هي المفتاح لإسقاط الاستبداد.
- يدعو حزب العمال إلى بديل جديد يكرس شعارات الثورة، مقدمًا وثيقة تقطع مع الماضي وتفتح أفقًا جديدًا، مع التأكيد على أهمية التأطير السياسي والتنظيمي لضمان التغيير.
لا نقبل أن يفرض علينا ما نرفع أو لا نرفع من شعارات
تونس بحاجة إلى ثورة حقيقية تقطع مع نظام سعيّد والأنظمة التي سبقته
قدّم حزب العمال مشروعاً يهمّ مرحلة ما بعد سقوط الاستبداد الشعبوي
يؤكد الأمين العام لحزب العمّال في تونس، حمة الهمامي، في مقابلة مع "العربي الجديد"، أن أسباب الغضب تتزايد في البلاد، لافتاً إلى أن تونس بحاجة إلى بديل جديد بعيداً عن منظومة ما قبل انقلاب 25 جويلية (يوليو/ تموز) 2021، التي يقول إنها أدارت ظهرها للثورة والتفّت عليها، وأعادت إنتاج نظام فاسد. يعتبر الهمامي أن الرئيس التونسي قيس سعيّد استغل هذا الأمر بشعاراته الشعبوية للقيام بانقلابه، مشدداً على أن تونس بحاجة إلى ثورة أعمق وأكثر تنظيماً.
* لاحظنا غياب حزب العمال عن مسيرة الخميس 20 أغسطس/ آب 2026 (نشطاء ومعارضون لسعيّد، يطالبون برحيله)، رغم مشاركة جل أحزاب المعارضة، ألا ترون أن غيابكم عن "التحالف الميداني" يفتّت صف المعارضة كما يقول البعض؟
نحن ضد الانقلاب والاستبداد الشعبوي منذ اللحظة الأولى، وبالتالي نحن ندعم حقّ الجميع في التظاهر وفي التعبير عن رأيه بحريّة، كذلك فإننا ندين المحاكمات السياسية الجائرة مهما كان انتماء الضحية، ونطالب بإطلاق سراح معتقلي الرأي من دون قيد أو شرط، وبتوفير شروط المحاكمة العادلة لكلّ من هو متهم بارتكاب جريمة. ولكن أن نشارك أو لا نشارك في مسيرة ما، فذلك مرتبط بتقديرات سياسية، لأن وحدة الساحات أو وحدة المعارضات، شعار ملغوم يريد طمس الخلافات العميقة بين مختلف القوى، وهناك العديد من المشاكل التي أثيرت حتى قبل انطلاق المسيرة بخصوص اللافتات والشعارات. نحن حين نشارك في مسيرة، لا نقبل أن يفرض علينا ما نرفع أو لا نرفع من صور وشعارات ولا نقبل أن تتحول معارضة استبداد قيس سعيّد إلى تزكية لاستبداد (الرئيس الراحل زين العابدين) بن علي أو تأييد لسياسات حكومات عشريّة (10 سنوات بعد 2011) بعد الثورة. نحن نؤمن بأن المسيرات ضد الاستبداد يمكن أن تكون تعددية ومتنوعة في شعاراتها من دون أن يؤدّي ذلك إلى صدامات أو شجارات، وهو ما نشاهده في المسيرات في الدول الأجنبية التي يوجد فيها حد أدنى من الديمقراطية حيث تتكوّن المسيرات من مواكب مختلفة.
* ألا ترون أن جهود المعارضة غير كافية لتحقيق الأهداف التي رسمتها؟
السياسة علم موازين القوى، وكما يقول المثل التونسي "الرطل ما يطيحه (أي يسقطه) كان الكيلو" (في إشارة على الندية)، الحركة في تونس كانت ولا تزال في حالة جزر بعد سنوات المد الثوري، ولكنها بصدد العودة شيئاً فشيئاً، وهذا أمر هام، ولكن لا ينبغي الاعتقاد أن تحركات المعارضة وحدها هي التي ستسقط الاستبداد وتحقق الأهداف ومنها استعادة مساحات الحرية التي افتكّها (حصل عليها) الشعب بدمه وتضحياته. الحركة الاجتماعية والشعبية هي التي تقوم دائماً بالأدوار الحاسمة، خصوصاً حين تلتحم بالحركة السياسية الديمقراطية والتقدمية وتتحد أهدافهما، ويصبح (بعدها) الخروج إلى الشارع بعشرات الآلاف إن لم نقل بمئات الآلاف لا ببعض المئات. والنضال مراكمة وليس عملية ميكانيكية. أسباب الغضب تتكاثر في تونس اليوم، فيها ما هو سياسي، وفيها ما هو اجتماعي وبيئي، و"الطنجرة تغلي" ولكن الغضب لم يتحوّل بعد إلى تيار جارف، متّحد في الأهداف ومنظم الصفوف. وهنا يأتي دور القوى الراغبة حقاً في التغيير، وليس في إعادة إنتاج المنظومات السابقة الفاشلة، والمؤكّد أن عملية الالتحام بين السياسي والاجتماعي ستتم في لحظة من اللحظات ليصبح الشعار العام إسقاط نظام لا يوفر للشعب أدنى مقومات الحياة، لا الحرية ولا الماء ولا الغذاء ولا الدواء ولا الشغل ولا الكرامة.
الهمامي: نرفض العودة إلى ما قبل 14 يناير/كانون الثاني 2011 الذي ثار ضده الشعب
* جزء من الشارع التونسي يرفض عودة من تصدروا المشهد بعد الثورة، هل حان الوقت للقيام بمراجعات وفهم المتغيرات التي حصلت؟
نحن أيضاً في حزب العمال نرفض العودة إلى ما قبل 14 يناير/ كانون الثاني 2011 الذي ثار عليه الشعب، ونرفض العودة إلى منظومة ما قبل الانقلاب التي أدارت ظهرها للثورة والتفت عليها وأعادت إنتاج نظام فاسد، الأمر الذي استغلّه سعيّد بشعاراته الشعبوية للقيام بانقلابه وتصفية المكسب الوحيد للثورة، وهو الحرية السياسية، والعودة بالبلاد إلى مربّع الدكتاتورية. تونس بحاجة إلى بديل جديد يكرس فعلياً شعار ثورة 2010-2011 "شغل حرية كرامة وطنية"، لذلك يولي حزب العمال أهمية للنقاش والجدل حول البدائل المقترحة، وهذا أفضل من تبادل الشتائم والاتهامات الفارغة والتشهير وهتك الأعراض وترويج الأكاذيب. يتطلّب ذلك تقييماً شاملاً للثورة وللفترة التي أعقبتها وتداولت فيها على السلطة عدّة حكومات حصرت الثورة في تغيير شكل السلطة، والانتقال من نظام دكتاتوري إلى نظام ليبرالي بورجوازي، من دون المساس بالأسس الطبقية لهذا النظام، وتحديداً مصالح القوى الاجتماعية التي شكلت قاعدة نظام بن علي. ثمّة أسئلة تطرح اليوم، الناس يسألوننا: ما النظام السياسي الذي تعرضونه؟ وما دور الشعب فيه؟ وما التغييرات التي تقترحون إجراءها على مؤسسات الدولة وأجهزتها لتخليصها من براثن عقود من الدكتاتورية وإعطائها طابعاً جمهورياً بحق؟ ما موقفكم من الحريات الفردية والعامة ومن المساواة بين النساء والرجال؟ ما خياراتكم الاقتصادية للقطع مع التبعية واحتكار حفنة من العائلات لأكثر من نصف ثروة البلاد وتلبية مطالب الشعب الملحة؟ الأزمة تعصف اليوم بكل شيء، بالفلاحة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والخدمات العامة والوضع البيئي، فما بديلكم الاقتصادي الاجتماعي؟ نحن في حزب العمال قدمنا في المدة الأخيرة وثيقة تقطع مع تجارب الماضي وتفتح أفقاً حقيقياً وجدياً للنهوض ببلادنا في أوضاع إقليمية ودولية شديدة الاضطراب وحبلى بالمخاطر، لكن المسألة لا تنحصر في الإرادة، ثمة موازين قوى لا بد من تطويرها لفرض الأفكار الجديدة.
* هل يكفي التعويل على حراك الشارع لتغيير الوضع الحالي؟
الأنظمة الاستبدادية تسقطها الشعوب المنظمة والواعية. حراك الشارع يسرّع ذلك، لكن ما يسقط الأنظمة الاستبدادية هو الانتفاضات الشعبية المنظمة والمسلحة ببديل، التي لها قيادة مستعدة لتسلّم الحكم حال سقوط الانقلاب حتى لا تتكرر مآسي الماضي.
الهمامي: هل نحن من حكمنا البلاد وأخطأنا أو أجرمنا على حسابها حتى نراجع أنفسنا؟
* البعض يطالب حزب العمال بمراجعات حقيقية، هل قمتم بهذه المراجعات؟
ماذا يراد منا أن نراجع؟ هل نحن من حكمنا البلاد وأخطأنا أو أجرمنا على حسابها حتى نراجع أنفسنا؟ هذه مسألة ينبغي حسمها، ووضع الجميع في السلّة نفسها خاطئ ولا يستفيد منه إلا المخطئ الذي يريد إخفاء فشله أو جريمته. علينا أن نعطي كل ذي حق حقه ولا نسقط في التسطيح والتعميم والتصحير. الذين حكموا وكانت بأيديهم سلطة القرار، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأداروا ظهورهم لثورة الشعب هم المطالبون بمراجعة أنفسهم وتحمّل مسؤولية إخفاقهم، ولسنا نحن الذين عارضناهم وقدمنا مقترحات بديلة في الفترات كافة ونبّهنا إلى تدهور الأوضاع، وكانوا هم وقتها يشوهوننا ويتهموننا بالتطرّف وبعدم الواقعية وينعتوننا بـ"الصفر فاصل"، لكن الحياة أكدت اليوم فشلهم الذريع، كما أكّدت صحة توقعاتنا بما فيها الانقلاب الحالي الذي أيّده في البداية أغلب من تراهم اليوم في الشارع.
* قلتم إن تونس تحتاج إلى ثورة جديدة، فهل يمكن حدوث ذلك في غياب برامج سياسية واضحة؟
نعم تونس تحتاج إلى ثورة جديدة أعمق وأكثر تنظيماً، حتى تكون هذه الثورة ظافرة. عليها أن تتجاوز نقائص ثورة 2010-2011. الثورة سيرورة، فيها فترات مد وفترات جزر، فيها نجاحات وفيها هزائم وانتكاسات، والمطلوب هو الاستفادة دائماً من أخطاء الماضي ونقائصه، اليوم عناصر الثورة كافة متوفرة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المجتمع على شفير الهاوية، والغضب من سوء الأوضاع يغزو كل يوم فئات جديدة من المجتمع. ومن المؤكد أن الأوضاع ستنفجر في لحظة من اللحظات، لكن المسألة تتمثل بالتأطير السياسي والتنظيمي حتى يكون الشعب هو المستفيد حقاً من التغيير. في غياب ذلك، يمكن أن تُقمع أي انتفاضة كما قُمعت انتفاضات أخرى في عهد (الحبيب) بورقيبة (يناير 1978، يناير 1984) وفي عهد بن علي (الحوض المنجمي 2008، وغيرها) كما يمكن أن تستغلّها بعض القوى للسيطرة على الوضع. وفي هذا السياق يعتبر حزب العمال أن كل الإمكانات واردة، من انقلاب عسكري مباشر، إلى تفاهمات فوقية بين الأجهزة وبعض القوى السياسية بغطاء إقليمي ــ دولي، لذلك فإن القوى الثورية والتقدمية مطالبة بمضاعفة الجهد لتجنيب بلادنا السيناريوهات السيئة والسير بها نحو تغيير ثوري حقيقي. فإذا كانت ثورة 2010-2011 قد تعطّلت أو جرى الالتفاف عليها وإجهاضها، فذلك لا يعني نهاية الطريق، يكفي تذكر الثورات في البلدان الأخرى. مثلاً، الثورة الفرنسية عرفت مسارات طويلة: ثورة فثورة مضادة فثورة إلى أن تجمعت شروط الانتصار النهائي، وهو ما سيحصل في تونس، نحن في بداية الطريق.
* كيف تصفون المشهد الحالي، ومن المسؤول الحقيقي عما تعيشه تونس؟
مناخ أزمة عامة وشاملة غير مسبوقة، ولا فائدة في تعداد مظاهرها أو تقديم أرقام عنها، فهي معلومة، والأهم من ذلك أن الشعب يحسّ بوطأتها في كامل تفاصيل حياته اليومية، خصوصاً في هذا الظرف: لا ماء ولا كهرباء ولا دواء. ومن المسؤول عن ذلك؟ قيس سعيّد، صاحب السلطات الفرعونية وداعموه، هذا أمر لا نقاش فيه، ويقول أتباعه: "إنها ورثة من المنظومة القديمة". لنفترض ذلك، ولكن ماذا فعل هو خلال السبع سنوات التي قضاها في الحكم، منها خمس سنوات يحكم بمفرده لتجاوز ذلك الإرث؟ هل قدّم بديلاً؟ الجواب بالنفي. هل حسّن أي مظهر من مظاهر حياة التونسيين؟ الجواب بالنفي. بل على العكس من ذلك زاد الأوضاع سوءاً والتفّ على المكسب الوحيد للثورة، وهو الحريات، وانفرد بالحكم وصفّى المؤسسات التمثيلية والهيئات الرقابية، ووضع يده على الإعلام العام والخاص، وملأ السجون مجدداً بمعارضيه ومنتقديه، وزرع الخوف في صفوف الناس كما زرع الفرقة بين التونسيين وعمّق مظاهر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية كافة. عمّق التبعية للخارج (المالية والتجارية) وفاقم تفكّك منظومات الإنتاج إلى جانب انهيار الخدمات العامة، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وسرّع في نسق هجرة الكفاءات والهجرة السرية أو "الحرقة" (غير النظامية) التي تواترت مآسيها، آخرها مأساة بن قردان (الشهر الماضي)، وزادت معدلات الجريمة، خصوصاً جرائم قتل النساء. أما خارجياً، فقد حوّل قيس سعيّد تونس إلى موضوع "حفل شواء إقليمي ودولي"، فوضعها الداخلي الهش يجلب لها المطامع من كل جهة. نظام قيس سعيّد لم يصحح بانقلابه مسار الثورة، ولم يحسن أوضاع التونسيين، بل واصل في الخيارات نفسها بأسلوب دكتاتوري استبدادي وبأقل كفاءة ممن سبقوه، رغم أنهم كانوا غير أكفاء. وخلاصة القول، بلادنا بحاجة إلى ثورة حقيقية تقطع مع نظام قيس سعيّد ومع الأنظمة التي سبقته لأنها، وإن اختلفت في الأساليب، فهي كلها تدافع عن مصالح حفنة العائلات التي تنهب تونس برعاية دول وشركات أجنبية.
* هل ترى أن المعارضة ساهمت في بقاء قيس سعيّد أكثر في السلطة؟
الذين حكموا خلال العشرية التي أعقبت الثورة هم المسؤولون الأوائل عمّا حصل، هم الذين مهّدوا الطريق لصعود قيس سعيّد للرئاسة مستعملاً خطابه الشعبوي ثم الانقلاب عليهم. سُرقت ثورة الشعب وضاعت آماله في تحقيق تغيير جذري في واقعه وكثر الفساد والمحسوبية وتفاقمت البطالة والفقر والغلاء، وجاءت أزمة "كوفيد 19" وما رافقها من سوء إدارة أدت إلى وفاة الآلاف، فتجمعت العناصر كافة التي استثمر فيها الخطاب الشعبوي الزاحف في مختلف أنحاء العالم. كانت الفرصة سانحة للأجهزة الصلبة (أجهزة الدولة) كي تلتف حول قيس سعيّد وترتدّ عن الثورة ومكتسباتها بعنوان "التصحيح" و"الإصلاح" وتعود بالبلاد إلى مربع الدكتاتورية، وكانت بعض القوى الإقليمية حاضرة في العملية. كان من الضروري غلق قوس الثورة التونسية المقلقة والمضجرة للجميع، وبالطبع كانت توجد قوى، سواء في برلمان 2019 أو خارجه تعي ما تفعل، كانت جزءاً من ذلك السيناريو وهللت للانقلاب. ومن المضحكات المبكيات أن ستة أو سبعة من قادة الأحزاب الذين هللوا للانقلاب وساندوه يجدون اليوم أنفسهم خلف القضبان بتهمة "التآمر".
* رغم اختلافكم مع (رئيس حركة النهضة التونسية) راشد الغنوشي و(رئيسة الحزب الدستوري الحر) عبير موسي، لكنكم عارضتم طريقة تعامل السلطة معهما ونفيتم توفّر شروط المحاكمة العادلة في محاكمتهما؟
نعارضهم لأننا نختلف معهم اختلافاً جذرياً في الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع. نحن في واد وهم في واد آخر، لكن ذلك لا يعني أننا نقبل أن يُظلموا أو أن يحاكموا من أجل رأي مهما كان أو أن تلفّق لهم قضايا. إن ارتكبوا مخالفات أو جرائم مهما كانت، لم تتوفّر لهم شروط المحاكمة العادلة. هذه مسألة مبدئية بالنسبة إلينا تندرج في سياق الدولة التي نريد بناءها في تونس، وهي دولة القانون والديمقراطية والعادلة، ومن يقبل الظلم لغيره فلن يلوم نفسه حين تدور عليه الدائرة. الأنظمة الاستبدادية لا صديق لها، وإذا لم تبلغك يدها القامعة اليوم، فستبلغك غداً. المسألة مسألة وقت لا غير، وهذا موقفنا من زمن بورقيبة وبن علي، تعرّض الكثير منّا للاعتقال والتعذيب والسجن وفينا من استشهد تحت التعذيب.
* في ظل ما تمر به تونس، كيف تنظرون إلى مستقبل البلد؟
نحن نريدها أن تسير إلى ثورة جديدة، إلى ثورة تكون أفضل من سابقتها وعياً وتنظيماً، وإن لم يحصل ذلك، فإلى حكم استبدادي جديد قد يكون ناعماً كما قد يكون أشدّ. إذا لم تكن الحركة الاجتماعية والديمقراطية التقدمية جاهزة، فالحلول لن تخرج عن إطار إعادة إنتاج الاستبداد والتبعية والاستغلال. لكن المؤكّد أن نضال الشعب التونسي لن يتوقف عند حد، قد يعرف فترات جزر بعد مد، ولكنه سيتعلم مع الوقت وستفرز من صفوفه قوى قادرة على قيادته نحو الأفضل. تلك قوانين التاريخ، ما نراه اليوم من تحركات هنا وهناك حول قضايا عدة سيتحول شيئاً فشيئاً إلى تيار جارف. نحن مقتنعون بذلك، وبطبيعة الحال شرط النجاح سيكون الوعي والتنظيم، وقد قدّم حزب العمال منذ أسابيع قليلة مشروع برنامج طرحه للنقاش يهمّ الفترة الانتقالية بعد سقوط الاستبداد الشعبوي. ويضم هذا المشروع 30 نقطة أو إجراءً يطرح على الحكومة الثورية المؤقتة التي ستنبع من الحراك الشعبي تنفيذها. ويمكن حوصلة (تحصيل) هذه النقاط: سياسياً في بسط سيادة الشعب على الدولة لتكون جمهورية مدنية ديمقراطية بحق، تضمن الحرية والمساواة وتسمح بمراقبة الحكام ومحاسبتهم، واقتصادياً: في بسط سيادة الشعب على الثروات وإلغاء الاتفاقيات غير المتكافئة وإعادة تنظيم الاقتصاد على أسس جديدة بما يمكّن من تطوير القوى المنتجة في المدينة والريف ويحرّر تونس من التبعية والتخلف العلمي والتكنولوجي. كذلك اجتماعياً: في توفير مقومات الحياة الكريمة لطبقات الشعب وفئاته كافة، من شغل وخدمات صحية وتعليمية مجانية وراقية وسكن ونقل لائقين، وثقافة تقدمية وبيئة سليمة، وأخيراً سياسة خارجية معادية للإمبريالية والصهيونية ومناصرة لقضايا الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني. هذا ما نعمل على نشره والدفاع عنه لإقناع الشعب به.