حكومة نيوزيلندا تواجه دعوى تاريخية على خلفية حرب الإبادة في غزة

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 18:21 (توقيت القدس)
متضامنون مع فلسطين في أوكلاند (العربي الجديد)

تواجه حكومة نيوزيلندا دعوى قضائية تاريخية أمام المحكمة العليا في سجل ويلينغتون، حيث يطالب ناشطون ومحامون بإبطال مراجعات قضائية وتراخيص منحتها وزارة الفضاء لشركة الاستخبارات الجغرافية الأميركية "BlackSky"، بدعوى استخدام تقنياتها من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة في قطاع غزة.

وتقدم بالدعوى، التي ستُرفع غداً الأربعاء، ثلاثة مدعين هم، المهندس الفلسطيني النيوزيلندي ياسر عبد العال، وخبير تكنولوجيا المعلومات ماهر نزال، والطبيب من أصول ماورية وتونغية تيموتي تي موكي. وتستند الدعوى، بحسب بيان الادعاء الذي اطلع "العربي الجديد" على نسخة منه، إلى تضرر المدعين المباشر من الحرب، حيث فقد عبد العال أكثر من 85 فرداً من عائلته الممتدة من جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، فيما تعيش شقيقتاه وعائلاتهما في خيام تفتقر إلى أدنى المقومات الإنسانية في منطقة المواصي بالقطاع. 

وذكر رئيس المنتدى الفلسطيني في نيوزيلندا وأحد المدعين، ماهر نزال، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه يشارك في هذه القضية إيماناً منه بأن "نيوزيلندا تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه ما يحدث، وليس من المقبول أن نتجاهل احتمال استخدام التكنولوجيا التي تنطلق من أراضينا في دعم عمليات عسكرية تؤدي إلى المزيد من المعاناة والقتل للفلسطينيين". وتابع: "رأيت بنفسي معاناة الفلسطينيين، بمن في ذلك أفراد من عائلتي تعرضوا للتهجير خلال نكسة عام 1967. وما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية ليس أمراً يمكننا أن نقف أمامه مكتوفي الأيدي"، مشدداً على أن "هذه القضية لا تتعلق بمعارضة قطاع الفضاء أو التكنولوجيا، بل بمساءلة الحكومة عن قراراتها، وعن واجبها في التأكد من أن ما يتم إطلاقه من نيوزيلندا لا يُستخدم لتوفير معلومات أو قدرات يمكن أن تساعد في استهداف الفلسطينيين".

وأوضح: "نحن لا نطلب من حكومتنا المستحيل. بل نطالبها بأن تتحمل مسؤوليتها، وأن تتصرف بما يتوافق مع التزامات نيوزيلندا بموجب القانون الدولي، وأن تضع حماية حقوق الإنسان فوق المصالح التجارية أو السياسية". وتابع: "فخور بكوني جزءاً من هذا التحرك القانوني، وآمل أن تؤدي هذه القضية إلى مزيد من الشفافية والمساءلة، وأن تبعث برسالة واضحة بأن نيوزيلندا لن تغضّ الطرف عندما يكون هناك احتمال لأن تُستخدم قدراتها أو أراضيها في دعم انتهاكات خطيرة ضد الشعب الفلسطيني". وختم بالقول: "الصمت ليس موقفاً محايداً عندما تكون حياة الناس وحقوقهم على المحك".

اتهامات بـ"التجاهل المتعمد"

وتأتي هذه التحركات القضائية بدعم من "شبكة التضامن مع فلسطين في نيوزيلندا" (PSNA)، التي كانت قد رفعت مخاوفها رسمياً إلى وزيرة الفضاء السابقة، جوديث كولينز، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بشأن استخدام إسرائيل لبيانات هذه الأقمار.

من جهتها، وصفت المتحدثة باسم الشبكة، ريناد تميمي، موقف الوزارة بـ"التجاهل المتعمد"، مؤكدة أن الوزيرة والمسؤولين في وزارة الأعمال والابتكار والتوظيف (MBIE) لم يطرحوا أي تساؤلات عند منح التصاريح في ديسمبر/ كانون الأول 2023 حول ما إذا كانت إسرائيل مستخدماً نهائياً للخدمات. وأضافت تميمي في بيان أن "كل ما كان على الوزيرة فعله، رفع سماعة الهاتف والسؤال عما إذا كان الإسرائيليون جزءاً من الصفقة، لكنهم خشوا الحصول على إجابة لا يريدونها".

وتأتي هذه الشكوك مدعومة بتقارير نشرتها مجلة "Intelligence Online" الفرنسية في يوليو/ تموز 2024، كشفت فيها عن وجود عقد سري بقيمة 150 مليون دولار تُمثل بموجبه إسرائيل "العميل الأجنبي الرئيسي" لشركة BlackSky لتزويدها بصور وتحليلات عالية الدقة والمواترة لقطاع غزة.

خرق للالتزامات الدولية والمصلحة الوطنية

وفي الشق القانوني، أوضح سام فينسنت، أحد المحامين الممثلين للمدعين، في بيان اليوم الثلاثاء، أن القضية المرفوعة ضد الوزيرة السابقة والحكومة تتمحور حول الفشل في مراعاة التزامات نيوزيلندا بموجب "اتفاقية منع الإبادة الجماعية" والقانون الدولي لحقوق الإنسان عند الموافقة على إطلاق تلك الحمولات الفضائية عبر شركة "Rocket Lab" من منصة "ماهيا" النيوزيلندية. وأضاف: "ليس سراً أن إسرائيل تعتمد بشكل منهجي على الاستخبارات الجغرافية المكانية لتحديد أهدافها العسكرية، وهناك احتمالية كبيرة بأنها استخدمت وتستمر في استخدام هذه الأقمار لهذا الغرض".

من جهتها، استندت المحامية روبي هازين إلى التقارير الصادرة عن لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة، ومنظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية، التي خلصت جميعها إلى ارتكاب إسرائيل لإبادة جماعية في غزة. وأضافت في البيان أنه "منذ يناير 2024، وضعت محكمة العدل الدولية جميع الدول أمام إخطار رسمي بواجبها التحرك لمنع الإبادة الجماعية، ونيوزيلندا ملزمة قانونياً بالارتقاء إلى مستوى هذا الواجب".

نمط غربي آخذ في التفكك

وربطت الجهات الداعمة للقضية بين هذا المسار القانوني وحكم صدر أخيراً عن المحكمة الفيدرالية في أستراليا، ألزم وزير الدفاع الأسترالي بالكشف عن معلومات صادرات الأسلحة وقطع غيار طائرات (F35) إلى إسرائيل. وعلّقت ريناد تميمي على هذا الترابط، قائلة: "هناك نمط عام من السرية يلف صادرات الأسلحة والخدمات العسكرية الغربية إلى إسرائيل، لكن هذا النمط آخذ في التفكك الآن، وبات التواطؤ مكشوفاً، وحكومتنا للأسف جزء من هذا الخداع الممنهج".

ويتطلع المدعون من خلال هذه القضية إلى انتزاع حكم قضائي تاريخي يعيد صياغة معايير منح التراخيص الفضائية في نيوزيلندا، ويجبر السلطات على مراجعة قوائم العملاء النهائيين للشركات التكنولوجية وفحصها، للتأكد من عدم استخدام الأراضي النيوزيلندية منطلقاً لتسهيل ارتكاب جرائم حرب دولية.