حكومة سانشيز: فساد وتحالفات هشّة وأزمات مفتوحة بلا مخرج واضح
استمع إلى الملخص
- يتبنى سانشيز استراتيجية "الإدارة اليومية" للحفاظ على استقرار الحكومة عبر سياسات اقتصادية واجتماعية، مع تجنب خطوات جذرية، مما يثير انتقادات من بعض الحلفاء.
- المعارضة بقيادة الحزب الشعبي و"فوكس" تسعى لاستغلال الأزمات لإضعاف الحكومة، بينما يراهن سانشيز على تحسن الاقتصاد لتقليص الخسائر السياسية.
بعد سبع سنوات ونصف السنة في قصر مونكلوا، مقر رئاسة الحكومة الإسبانية، يمرّ بيدرو سانشيز بأكثر مراحله السياسية هشاشة منذ وصوله إلى السلطة. السؤال المطروح اليوم في إسبانيا: هل تقدر الحكومة على الصمود في ظلّ تراكم ضغوط سياسية وقضائية واجتماعية متزامنة؟
منذ عام 2018، يقود سانشيز حكومة اشتراكية اعتمدت، في دورتها الحالية، على تحالف مع قوى يسارية أصغر، إضافة إلى دعم برلماني من أحزاب قومية باسكية وكتالانية. هذا التوازن الهش، الذي أتاح له الاستمرار في الحكم رغم غياب أغلبية صلبة، بات اليوم مهدداً بفعل سلسلة أزمات متداخلة.
في مقدمة هذه الأزمات، تفجّر قضايا تحرّش جنسي داخل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، القوة الرئيسية في اليسار الإسباني. هذه القضايا، التي وُصفت في الإعلام المحلي بأنها موجة "مي تو" داخلية، ألحقت ضرراً كبيراً بصورة الحزب لدى النساء، وهنّ من أهم قواعده الانتخابية. تزامن ذلك مع عودة ملفات فساد إلى الواجهة، شملت تحقيقات قضائية وتوقيفات، إضافة إلى دخول وحدات أمنية إلى وزارات لجمع وثائق، في مشهد نادر أربك الحكومة وأضعف قدرتها على التحكم بالإيقاع السياسي.
داخل قصر مونكلوا، يسود مناخ من القلق والترقّب. جرى تأجيل خطط لإطلاق مبادرات حكومية، وتراجع الحضور الإعلامي الإيجابي، بينما انشغل الفريق المحيط برئيس الحكومة بمحاولة احتواء تداعيات متلاحقة. في ظل هذا كله، يستعد سانشيز لظهور إعلامي حساس، يعتمد فيه خطاب التهدئة وإدارة الأزمة من دون الذهاب إلى خطوات جذرية، مثل تعديل حكومي واسع أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة.
خيار سانشيز في هذه المرحلة يقوم على الاستمرار عبر ما يصفه مقربون منه بـ"الإدارة اليومية": رفع المعاشات التقاعدية، زيادة الحد الأدنى للأجور، قرارات في ملف السكن، مواصلة تنفيذ مشاريع تموّلها أموال الاتحاد الأوروبي. من وجهة نظره، يظل الحكم ممكناً طالما بقي البرلمان قادراً، ولو بصعوبة، على تمرير الحد الأدنى من التشريعات. الأزمة، في هذا التقدير، سياسية وأخلاقية ثقيلة، لكنها لم تتحول بعد إلى انسداد مؤسسي بالشكل الكامل.
لا يحظى هذا الرهان بإجماع داخل المعسكر الحاكم. في تحالف "سومار"، الشريك اليساري الأصغر في الحكومة، ترتفع الأصوات المطالبة بتغيير جذري في أسلوب الحكم، فيما تلوّح بعض التيارات بإمكانية الانسحاب من الحكومة لتجنّب تحمّل كلفة سياسية مشتركة. في المقابل، تمارس الأحزاب القومية الباسكية والكتالانية ضغوطاً متزايدة، من دون إظهار رغبة حقيقية في الذهاب إلى انتخابات مبكرة قد تعقّد ملفات تفاوضية حساسة، مثل الصلاحيات الإقليمية والتمويل.
الدعوة إلى انتخابات مبكرة تقتصر فعلياً على الحزب الشعبي، وهو حزب يمين الوسط المعارض، وعلى حزب "فوكس" اليميني المتطرف. هذان الحزبان يراهنان على أن الاشتراكيين دخلوا مرحلة تراجع طويلة، وأن سلسلة الانتخابات الإقليمية المقبلة ستعمّق هذا الانطباع. استراتيجيتهم تقوم على استنزاف تدريجي، إقليماً بعد آخر، مع تركيز خاص على قضايا الفساد والتحرّش، التي يُنظر إليها بوصفها الأكثر تأثيراً في الرأي العام، مقارنة بالملف الاقتصادي الذي لا يزال يسجّل مؤشرات إيجابية نسبياً.
في مقابل هذا كله، يراهن سانشيز، كالعادة، على عامل الوقت. في محيطه من يعتقد أن الزخم القضائي سيتراجع، وأن الاقتصاد الإسباني سيواصل تسجيل معدلات نمو وتراجع في البطالة، وأن صعود اليمين المتطرف في بعض الأقاليم قد يدفع قوى اليسار إلى إعادة رصّ صفوفها. لا يتمثل الهدف في هذه المرحلة في تحقيق فوز انتخابي قريب، بل في تقليص الخسائر والاستعداد لمعركة سياسية طويلة، قد تُخاض من مقاعد المعارضة إذا ما خسر الاشتراكيون الحكم.
تقف إسبانيا اليوم أمام مشهد سياسي معقّد: حكومة ضعيفة لكنها مستمرة، معارضة واثقة لكنها مترددة في كسر التوازن، وحلفاء يضغطون من دون المجازفة بالذهاب إلى المجهول. في هذا الفراغ، يستمر الشلل. لا قرارات حاسمة في الأفق ولا انهيار وشيك، وإنما إدارة أزمة مفتوحة، عنوانها سؤال واحد لا يزال بلا إجابة واضحة: إلى متى يمكن لهذا الوضع أن يحتمل؟