حقوق الإنسان والسلاح الروسي أولوية أميركا مصرياً

25 فبراير 2021
الصورة
اعترضت واشنطن على شراء القاهرة "سوخوي 35" (Getty)
+ الخط -

لم يكن يتمنى وزير الخارجية المصري سامح شكري أن يكون اتصال نظيره الأميركي الجديد أنتوني بلينكن، الذي جرى أمس الأول الثلاثاء، على هذا النحو من التعقيد، بعد إعلان الخارجية الأميركية في بيان أن الوزير أثار "قلق" بلاده بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، مؤكداً أنها ستكون "محورية في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة ومصر". كما أبدى اعتراضه على شراء القاهرة المحتمل لطائرات مقاتلة من طراز "سوخوي 35" من روسيا.

لكن وعلى الرغم من هذا الجانب الذي استهل به بلينكن اتصالاته بالقاهرة، فإن النظام المصري بات يشعر الآن بأنه دخل في دائرة تحرك إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، حتى وإن اكتفى الأخير، في الوقت الحالي، بأن يوكل مهمة الاتصال الأول لوزير خارجيته، بعد يوم واحد من اتصاله الأول برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبعد أيام معدودة من موافقة وزارة الخارجية على صفقة بيع محتمل لصالح مصر لصواريخ تكتيكية أرض ــ جو من نوع "بلوك 2" ومعدات أخرى، بتكلفة تقديرية تبلغ 197 مليون دولار. كما ألغت واشنطن ربط تعليقها مساعدات بقيمة 272 مليون دولار إلى إثيوبيا بالنزاع حول سد النهضة، وربطها بالنزاع الأهلي الداخلي مع قومية التيغراي.

القاهرة كانت تنتظر الحركة الأولى من إدارة بايدن لاختبار مدى اهتمامها بالأوضاع الداخلية

هذه التحركات، التي حدثت من الخميس إلى الثلاثاء الماضيين، تعكس اتجاه إدارة بايدن إلى التعبير عن "مواكبتها" للقضايا محل الاهتمام الأميركي التقليدي في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، بحسب تعبير مصادر بالخارجية المصرية. وأكدت المصادر أن هذه الاتصالات جاءت على هذا النحو المتتالي لتبديد تصورات عواصم المنطقة بأنها ليست على قائمة أولويات البيت الأبيض في عهد ساكنه الجديد. وأوضحت المصادر، لـ"العربي الجديد"، أن فتح الإدارة الأميركية للملفات السلبية مع مصر، إلى جانب ملفات أخرى لا فكاك من التباحث بشأنها كالقضية الفلسطينية والأوضاع في ليبيا وسورية والتعاون الاقتصادي والاستخباراتي والعسكري بين البلدين، "أمر إيجابي بالنسبة لنظام (الرئيس عبد الفتاح) السيسي"، الذي كان ينتظر الحركة الأولى من إدارة بايدن ليختبر مدى اهتمامها بالأوضاع الداخلية المصرية، ومدى تأثرها بملفات التعاون، وليحدد في إثرها كيفية التصرف في الملفات العالقة بين الجانبين.

وأعربت المصادر، التي تحظى باطلاع واسع على الاتصالات بين الخارجية وأجهزة مشاركة في اتخاذ القرار داخل النظام، عن توقعها "التعجيل ببعض القرارات الإيجابية، المحدودة، في ملف الحريات وأوضاع المعتقلين، لا سيما ذوي الجنسية الأميركية، خلال الأسبوعين المقبلين، كردة فعل مناسبة لاتصال بلينكن، أملاً في الحصول على إشادة تفتح طريقاً أسهل للتنسيق في ملفات أخرى لاحقاً".

واعتبرت المصادر أن اتصال بلينكن جاء بمثابة نتيجة متوقعة للخطوات التي اتخذها النظام على مدار الأسبوعين الماضيين، وذكرتها "العربي الجديد" في تقرير موسع عن العلاقات بين الجانبين في 18 الشهر الحالي. وكانت المصادر ذاتها أكدت أن دائرة السيسي ترغب في اختبار مدى اهتمام إدارة بايدن بمصر، وطبيعة الملفات التي ستؤثر على العلاقات، من الجوانب الحقوقية والسياسية، وكذلك الاستراتيجية والعسكرية. وبموجب رؤية تسيطر على دائرة السيسي حالياً، فإن التعامل الأمثل يكون من خلال "احتفاظ النظام بأوراق يمكن التفاوض عليها مستقبلاً، وبحيث يكون التنازل عن أي منها غير مكلف كثيراً، مع تفضيل أن يقتصر التنازل على ما يستجد من قضايا أو حالات ليست ذات أولوية متقدمة على أجندة النظام".

وقبل اتصال بلينكن بأيام عادت الحملة الأمنية على أقارب الناشط السياسي والحقوقي المصري الأميركي محمد سلطان. وتراجع النظام عن التعهدات التي قطعها للوسطاء الأميركيين والعواصم الغربية، وروّج لها محلياً عبر أدواته الإعلامية، للإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين البارزين، على رأسهم المدرجون على قائمة الإرهاب على ذمة القضية المعروفة باسم "خلية الأمل"، واستمرار اعتقال جميع من تناولتهم بيانات العواصم الغربية والبرلمان الأوروبي، وتوسيع عمليات الاعتقال ضد الطلاب المصريين العائدين من الخارج، والذين كان آخرهم أحمد سمير سنطاوي.

وسبق أن كشفت المصادر أن من بين الأوراق التي يحتفظ بها النظام ويعتبرها "ثمينة" في "المقايضة" مع إدارة بايدن، المحبوسين السياسيين والجنائيين، والممنوعين من السفر، من حاملي الجنسية الأميركية. ويعتبر النظام أن من المناسب التنازل عنها حالة بحالة، أو على مراحل، حسب الأهمية السياسية، في فترات لاحقة عند ممارسة الضغوط. لكن من غير المعلوم حتى الآن ما إذا كان بلينكن قد تحدث مع شكري بشأن حالات بعينها.

قبل اتصال بلينكن بأيام عادت الحملة الأمنية على أقارب الناشط محمد سلطان

أما عن طرح مسألة استيراد المقاتلات الجوية الروسية، فهذه المرة الأولى التي يثار فيها الأمر علناً منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019. وهناك سببان لذلك بحسب المصادر ذاتها، أولهما استعداد مصر لزيارة محتملة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الشهر المقبل، يمكن أن يتناول فيها مستقبل هذه الصفقة، أو يُعلن عنها رسمياً كضربة دعائية لواشنطن، خصوصاً مع احتمال الإعلان في الزيارة عن استئناف الرحلات الروسية العارضة إلى منتجعات البحر الأحمر. والسبب الثاني تنبه واشنطن لقرب تسلم القاهرة للمقاتلات، بحسب الجدول السري الذي تم تسريب معلومات منه لوكالات روسية من قبل، بحيث إنه من المرجح أن تصل تلك المقاتلات بين العام الحالي والمقبل.

وإزاء هذا الملف، الذي سبق أن هددت واشنطن بتعليق المعونة العسكرية للقاهرة أو جزء منها بسببه، "يراهن السيسي على أن تعدد ملفات الخلاف والتنسيق بين البلدين قد يؤديان لتخفيف أثر استيراد المقاتلات ذاته على صانع القرار الأميركي" بحسب المصادر. واعتبرت المصادر أن "التنسيق مع دولة الاحتلال، خاصة في مجال سوق الطاقة بشرق المتوسط المهم للولايات المتحدة لصد النفوذ الروسي، ربما يكون الورقة الأبرز لاتقاء شرور العقوبات حال وصول المقاتلات الروسية، أو تخفيف تأثيرها".

وبحسب وثائق حكومية، اطلعت عليها "العربي الجديد"، تأتي روسيا حالياً في المركز الثالث بين موردي الأسلحة لمصر في السنوات الخمس الأخيرة، بعد فرنسا (التي انتزعت الريادة بنسبة تفوق 40 في المائة) والولايات المتحدة. لكن هذه المكانة مهددة بالصفقة التاريخية بقيمة 10 مليارات يورو الموقعة العام الماضي مع إيطاليا. وكانت مصر قد أنفقت نحو 15 مليار دولار بين 2014 و2017 على التسلح، منها نحو 60 في المائة على الأسلحة الروسية. وفيما كانت واشنطن ممتنعة عن إرسال مساعداتها العسكرية السنوية إلى مصر بين 2013 و2014، زار السيسي روسيا أكثر من مرة، لعقد صفقات عسكرية، شملت منظومة "بريزيدنت - أس" المخصصة لحماية الطائرات والمروحيات المدنية والحربية من الصواريخ، وصواريخ أرض-جو وجو-جو وبحرية أيضاً، ومروحيات "مي - 28 " و"مي - 26" و"كا - 52"، والصواريخ المضادة للطائرات "أنتي - 2500"، ومنظومة "أس 300"، وطائرات "ميغ 29 أم" و"ميغ 35"، ومقاتلات "سوخوي 30"، وزوارق صواريخ وقاذفات "آر بي جي"، ودبابات "تي 90". وفوق كل ذلك أهدت روسيا طراداً من طراز "مولنيا" إلى مصر.

تأتي روسيا حالياً في المركز الثالث بين موردي الأسلحة لمصر في السنوات الخمس الأخيرة

وفي العام 2014، توصلت روسيا ومصر إلى اتفاقات حول التعاون العسكري التقني بنحو 3.5 مليارات دولار. وشملت الاتفاقات عمليات تسليم القاهرة 46 مقاتلة من طراز "ميغ-29" حتى العام 2020، و46 مروحية استطلاع وهجوم من طراز "كا 52" (التمساح)، تسلمت القاهرة 40 منها حتى الآن. وفي مايو/أيار 2017 فازت موسكو بمناقصة لتزويد القاهرة بمروحيات من طراز "كا 52 كي (كاتران)" لوضعها على متن حاملة المروحيات من طراز "ميسترال" التي حصلت عليها مصر من فرنسا في العام 2015.

المساهمون