حفتر يعترض مجدداً مسارات التقارب الليبي: عرقلة مقترح التوافق على إدارة موحدة للبنك المركزي

01 أكتوبر 2020
الصورة
تأثير روسي على حفتر (أريس ميسينيس/فرانس برس)

أكّد مكتب الإعلام للمجلس الأعلى للدولة الليبية، ووسائل إعلام مقرّبة من مجلس نواب طبرق، تأجيل سفر خالد المشري وعقيلة صالح إلى المغرب، لحضور مراسم التوقيع على اتفاق مسار توحيد المؤسسات السيادية، التي كان من المقرر أن تُقام اليوم الخميس، في وقت لا تزال مشاورات ممثلي المجلسين مستمرة في بوزنيقة المغربية.

وتطابقت معلومات مصادر ليبية، مقرّبة من المجلس الأعلى بطرابلس وبرلمان طبرق، في أن تأجيل عقد جلسة رسمية ومعلنة للتوقيع على الاتفاق، جاء بسبب عدم توصل ممثلي الطرفين إلى توافق حول آليات شاغلي بعض المناصب السيادية، على رأسها آليات اختيار محافظ البنك المركزي، الذي يدور جدل واسع بشأنه؛ بسبب حساسية المنصب واتصاله بمسارات الحل الأخرى.

وأفادت المصادر التي تحدثت لـ"العربي الجديد"، بأنّ آراء المشاركين في محادثات بوزنيقة اتفقت على ضرورة البدء في توحيد فرعي البنك، في طرابلس والبيضاء، بشكل مؤقت بتعيين إدارة مشتركة تمهيداً للمرحلة المقبلة التي ستشهد تعيين محافظ جديد، وهو ما دفع الأطراف إلى الاختلاف على شكل الإدارة المؤقتة التي انتهى فيها التوافق على الإبقاء على الصديق الكبير محافظاً للبنك برفقة ثلاثة مساعدين يسميهم مجلس نواب طبرق، وأن يكون محافظ إدارة البنك في البيضاء علي الحبري، نائباً له برفقة ثلاثة مساعدين يسميهم المجلس الأعلى للدولة، قبل أن يتراجع ممثلو مجلس نواب طبرق عن دعمهم للمقترح الذي لقي استحساناً من جانب البنك الدولي الذي يشرف على تشكيل لجنة دولية لمراجعة وتدقيق حسابات فرعي البنك في طرابلس والبيضاء.

وتتصل مؤسسة البنك المركزي بعدة مسارات أخرى تتعلق بإيرادات النفط ومطالب توزيعها العادل، التي جعلها اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر سبباً لوقف إنتاج وتصدير النفط منذ يناير/كانون الثاني الماضي، بالإضافة لاتصاله المباشر بالمشاورات التي يعقدها 29 خبيراً ليبياً في المسار الاقتصادي برعاية البعثة الأممية من بينهم مسؤولون كبار بفرعي البنك.

وتشير معلومات المصادر الليبية إلى أن جانب حفتر يتكئ في عرقلة مقترح التوافق على إدارة موحدة للبنك بشكل مؤقت، على عدم وجود قانون يسند توزيع منصبي المحافظ ونائبه بوجود ثلاثة مساعدين لكل منهما.

وكان عضو لجنة الحوار السياسي الممثلة لمجلس نواب طبرق عبد السلام نصية، قد عبّر عن رفضه لآليات تعيين إدارة موحدة لبنك المركزي بمشاركة المجلس الأعلى للدولة، وذكر، في تدوينة على حسابه في "فيسبوك"، أنّ اختيار المحافظ وإدارته "اختصاص أصيل لمجلس النواب، وفقاً للمادة 15 من الاتفاق السياسي".

وقال نصية إنّ مشاركة مجلس الدولة في تعيين مساعي نائب المحافظ "مخالفة للمادة 15 من الاتفاق السياسي الليبي، فقد نصت المادة على المحافظ فقط؛ أي أن المحافظ يتم التشاور بشأنه بين مجلس النواب والدولة، أما نائب المحافظ وأعضاء مجلس الإدارة فتعيينهم اختصاص أصيل لمجلس النواب وفقاً للقانون رقم 1 لسنة 2005 وتعديلاته"، مؤكداً أنه "لا يحق لأي عضو من أعضاء مجلس النواب التنازل عن حق يكفله القانون والاتفاق السياسي لأعضاء مجلس النواب"، ما يراه الأكاديمي الليبي خليفة الحداد اتجاهاً جديداً للعرقلة من جانب حفتر يساعده في ذلك وجود ممثلين عن مجلس نواب طبرق موالين له بشدة.

وإن رجح الحداد، في حديثه، لـ"العربي الجديد"، قدرة أطراف دولية قوية كواشنطن القريبة من مسارات الحوار الحالية على إرغام حفتر على القبول بالتوافقات الجارية، إلا أنه يرجح استمرار عراقيل حفتر إذا لم تقبل الأطراف الدولية برجوعه إلى المشهد وأخذه بالاعتبار في أي تسوية مقبلة.

وبحسب نتائج مشاورات ممثلي المجلسين في بوزنيقة التي انتهت، في 10 سبتمبر/ أيلول المقبل، فقد تم التوافق على توزيع المناصب السيادية على أساس جغرافي، بحيث تتولى المنطقة الشرقية اختيار شاغلي مناصبي محافظ البنك المركزي ورئيس هيئة الرقابة الإدراية، بينما تتولى المنطقة الغربية اختيار شاغلي مناصب النائب العام وديوان المحاسبة والمفوضية العليا للانتخابات، أما الجنوب الليبي فيتولى اختيار شاغلي منصبي المحكمة العليا وهيئة مكافحة الفساد.

وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، قد أكد، في تصريح لتلفزيون ليبي، الإثنين الماضي، توقيع الاتفاق النهائي بين ممثلي مجلس النواب والدولة في بوزنيقة، اليوم الخميس.

وسبق أن عبّر نائب رئيس المجلس الرئاسي، محمد العماري، عن خشيته من إسناد تعيين محافظ البنك المركزي لمعسكر شرق ليبيا، موضحاً، في تصريح تلفزيوني، الأسبوع الماضي، أنّ ذلك "يعني تعيين المحافظ من رئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح وحفتر، وتوفير الأموال لتغطية العجز الذي يعانونه".

لكن الباحث السياسي الليبي زايد مؤمن، يشير من جانبه إلى أنّ استمرار وجود التأثيرات الخارجية في الملف الليبي، وعدم قدرة الأمم المتحدة على إبعادها حتى بعد عقد مؤتمر برلين، سيواصل عرقلة مسارات الحوار الليبية.

وبتأثير روسي أعلن حفتر ونائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق، الأسبوع الماضي، اتفاقاً بشأن استئناف إنتاج وتصدير النفط، ورغم أنه لم يلق أي ترحيب خارجي أو داخلي، إلا أنّ أوساطاً ليبية اعتبرته انعكاساً لتأثير خارجي على مسارات الحل الليبية ومحاولة لاختراقها.

ويعلق مؤمن بقوله، لـ"العربي الجديد"، إنّ "اختيار حفتر لمنصب محافظ البنك المركزي للتشويش على مسار مشاورات بوزنيقة اختيار حساس للغاية فهو أكثر المناصب السيادية اتصالات بالملفات الساخنة ومن خلاله يمكن التأثير على الجهود الأخرى".

وأضاف: "في كل الأحوال، إذا تمكن حلفاء حفتر من تمرير أي مقترح من شأنه تعيين محافظ موال كلياً لهم فسيتيح لهم هذا تسديد الديون الكبيرة التي ألحقتها عمليات تسليح وحروب حفتر في الدين العام للدولة"، مشيراً إلى أن فرع البنك المركزي في البيضاء هو الذي كان يغطي له احتياجاته المالية بالاقتراض من البنوك التجارية التابعة للدولة.

ويرجح مؤمن وجود ظل روسي وراء هذه العرقلة الجديدة، معتبراً أنّ تعاقد بنك البيضاء مع الجانب الروسي لطباعة ما يقارب 10 مليارات دينار ليبي، ما بين 2016 إلى 2018، "تجاوز خطير قد يكشف ملفات مغلقة وغامضة للعلاقة بين حفتر وموسكو".

ويعتبر الباحث السياسي الليبي أنّ "تورط حفتر في علاقة مع روسيا سيعجل بنهايته وإزاحته من المشهد، لا سيما أنّ واشنطن هي التي تدفع بالمسارات الحالية للوصول إلى طاولة التفاوض، وحلحلة مسألة البنك المركزي ستكون من أولوياتها إذا تذكرنا أنّ الملف الاقتصادي تولته الدبلوماسية الأميركية ستيفاني ويليامز بداية تعيينها نائبة للمبعوث الأممي غسان سلامة، في يوليو/ تموز 2018، وهي من تشرف على مشاورات المسار الاقتصادي التي تضم ممثلين عن المؤسسات الاقتصادية الليبية".

وعلى الرغم من ذلك، يتوقع مؤمن "استمرار التجاذب والتنافس بين موسكو وواشنطن في الملف الليبي، ما يؤجل التوصل إلى حلول لا يبدو أنها ستتجاوز تشكيل سلطة جديدة موحدة"، خاتماً بالقول إنّ "إمكانية وقوع هذه السلطة في دائرة التأثير الخارجي مجدداً أمر مرجح".