حظر الحرس الثوري... جولة صراع محسوب بين بريطانيا وإيران
- تأتي هذه الخطوة وسط توترات دبلوماسية بين بريطانيا وإيران، حيث تتهم بريطانيا إيران بمحاولة نشر الخوف، رغم عدم تقديم أدلة قاطعة تربط الحوادث بإيران.
- استدعت إيران السفير البريطاني للاحتجاج، لكنها لم تتخذ خطوات تصعيدية، مما يشير إلى رغبتها في تجنب زيادة التوترات مع بريطانيا.
أصبح الحرس الثوري الإيراني رسمياً محظوراً في بريطانيا بعد إقرار البرلمان، يوم الجمعة الماضي، أمراً صادراً عن وزارة الداخلية البريطانية يصنّفه جهةً مصدر تهديد للأمن القومي، بموجب قانون أقر حديثاً لمواجهة التهديدات المرتبطة بدول أجنبية داخل بريطانيا. وبهذا القرار يصبح الحرس الثوري الإيراني أول جهة تتبع دولة أجنبية تُدرج في هذه القائمة، وأول هيئة رسمية بهذه الأهمية والنفوذ في إيران يُطبق عليها قانون الأمن الوطني الجديد (قانون تهديدات الدول)، الذي أقر قبل نحو شهر فقط، فيما يأتي ضمن الصراع الدبلوماسي الحاضر منذ سنوات بين بريطانيا وإيران.
ويختلف هذا الإجراء عن تصنيف المنظمات الإرهابية غير المتصلة رسمياً بالدول، في أن هدفه سياسي جنائي وهو "التصدي للأنشطة العدائية المرتبطة بدول أجنبية، بما في ذلك التجسس والتدخل السياسي والترهيب والتخريب والاعتداءات الجسدية"، كما تقول الحكومة البريطانية. وبوضع الحرس الثوري في هذه القائمة، فإن أي شخص يدان بدعمه أو الدعوة إلى تأييده، أو حتى مدحه بأي صورة من الصور لن يُسجن فقط لمدة تصل إلى 14 عاماً وفق قانون المنظمات الإرهابية، بل تملك السلطات أيضاً، وفق الصلاحيات المنصوص عليها في قانون الأمن الوطني، حق محاكمة الشخص نفسه بتهم جنائية أخرى تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد.
اتهامات ومحاكمات بلا أدلة
وقبيل أن يرحل كير ستارمر
عن رئاسة الحكومة البريطانية التي استقال منها الشهر الماضي (سيغادر منصبه اليوم الاثنين ويسلمه إلى أندي بيرنهام الذي تولى زعامة حزب العمال) قال كلمته الأخيرة في الحملة المستعرة على إيران منذ بداية الحرب الإسرائيلية الأميركية عليها في 28 فبراير/شباط الماضي. فقد اتهم إيران بالسعي لتحويل بريطانيا إلى "ملعب" وإلى "نشر الخوف والانقسام والعنف في شوارعها". كما عبّر عن فخره بأن حكومته "اتخذت بالفعل إجراءات صارمة ضد النظام الإيراني ومن يرتبط به". ثم حذر من أن الصلاحيات القانونية الجديدة "ستسهل مقاضاة وسجن أي شخص يقوم بأعمالهم القذرة هنا في بريطانيا".في حملة الحكومة، التي تغذيها جماعات الضغط الإسرائيلية في بريطانيا، يضرب المسؤولون البريطانيون أمثلة لهذه الأعمال بالهجمات التي شُنت على مؤسسات يهودية في شمال غربي لندن خلال الشهور الأخيرة. وربطت الشرطة البريطانية، في أكثر من مناسبة، هذه الحوادث بإيران و"حركة أصحاب اليمين الإسلامية" مجهولة الأصل التي تروج أجهزة الأمن البريطانية أنها أحد أذرع إيران في بريطانيا وأوروبا. غير أنه رغم التركيز الإعلامي والسياسي المكثف على الحوادث المتعلقة بالمؤسسات اليهودية، فإن أياً من أجهزة الشرطة أو الاستخبارات الداخلية لم يقدم للبريطانيين أدلة تثبت علاقة تلك الحوادث بإيران أو أي جهة بها، ولم يُقدم أحد إلى المحاكمة بأدلة معلنة على ارتباطه بالسلطات الإيرانية.
العقوبات بدلاً عن الحظر
مع أن وزارة الداخلية البريطانية أضافت "فيلق المتطوعين" التي تقول إنه يتبع الاستخبارات العسكرية الروسية، إلى قائمة التهديدات الأمنية الجديدة، فإن ذلك لم يصرف الانتباه عن أن هدف بريطانيا الأول هو إيران، على الأقل في المرحلة الحالية. فإذا كان قد ثبت لدى الحكومة البريطانية أن الحرس الثوري، الذي هو قطاع مركزي في المؤسسة العسكرية الإيرانية الرسمية، يعمل ضد مصالح بريطانيا وداخل أراضيها، فإن ذلك يوصف في عرف العلاقات والصراعات بين الدول بأنه عمل حربي، يستدعي على الأقل قطع العلاقات، وهذا ما لم تفعله بريطانيا. ليس الأمر مفاجئاً، ففي كل جولات الصراع السابقة اتبعت بريطانيا وإيران مبدأ "لا ود، ولا استغناء"، أي أن الافتقاد إلى العلاقات الودية والصداقة، لا يعني بالضرورة العداء والاستغناء عن العلاقات.
لدى الحكومة البريطانية آلاف الوثائق التي تؤكد أن المؤسسات الحاكمة في بريطانيا تدرك أهمية إيران الاستراتيجية، وكثيراً ما حذرت الولايات المتحدة، ودول أوروبية أخرى، من عواقب خسارة إيران واستعدائها على المصالح الغربية. وكشف "العربي الجديد" عن بعض هذه الوثائق أخيراً، والتي أثبتت أن لندن رفضت ضغوطاً أميركية لحوحة عليها للمشاركة في حملة لحصار طهران اقتصادياً ومالياً في سنوات الثورة الإسلامية الأولى. في المقابل، تدرك إيران أنها ستظل في حاجة إلى العلاقات، حتى إن عصفت بها أنواء وعواصف سياسية من حين لآخر، مع بريطانيا، كنافذة تساعدها على كسر العزلة الدولية، فضلاً عن إسماع العالم صوت الرواية.
ففي بريطانيا تنشط واحدة من أكبر الحركات المناهضة للحروب في الغرب، وخصوصاً العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، ويدعمها علناً عدد كبير من النواب البارزين الذين يدافعون عن إيران سياسياً وإن اختلفوا معها أيديولوجياً. ومن البرلمان البريطاني، تحدث السفير الإيراني (سيد علي موسوي) إلى الرأي العام البريطاني والغربي قبل نحو عام، ليرد على كل الاتهامات الموجهة إلى بلاده. وفند، في لقاء مطوّل حينها مع لجنة الشؤون الخارجية بُث على الهواء، مزاعم ضلوع إيران في أنشطة تزعزع أمن بريطانيا، بأن أكد للبريطانيين أن حكومتهم لم تثر مع إيران مثل هذه الأمور. وشدد على أن طهران مستعدة دائماً لدراسة أي أدلة تتوفر لدى الجانب البريطاني بشأن أي نشاط غير قانوني مزعوم له صلة بإيران في بريطانيا.
لماذا إذاً اتخذت بريطانيا خطوة كهذه تبدو متطرفة تجاه إيران الآن؟ بفضل نشاط جماعات أصدقاء إسرائيل في الأحزاب السياسية الرئيسية، "المحافظين" و"الأحرار الديمقراطيين" و"العمال" الحاكم، تعرضت حكومتا ريشي سوناك المحافظة وستارمر العمالية السابقتان لضغوط سياسية وبرلمانية لاتخاذ إجراءات شديدة ضد إيران. ففي عام 2023، أصرت حكومة سوناك على رفض دعوات تصنيف الحرس الثوري تنظيماً إرهابياً خشية تردي العلاقات بين بريطانيا وإيران إلى حد طرد السفير البريطاني من طهران وقطع كل خطوط التواصل. وفضلت تلك الحكومة تصعيد العقوبات على إيران بدلاً من اتخاذ تلك الخطوة المستفزة.
في العام نفسه وجّه 125 نائباً من الأحزاب الثلاثة رسالة إلى سوناك يطالبونه بحظر الحرس الثوري الإيراني. ثم انتقلت الضغوط إلى مطالبات خلال جلسات البرلمان بالإسراع بتلك الخطوة. وشارك لاحقاً حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني الشعبوي بزعامة نايجل فاراج، الذي كان قد وصف الاتفاق النووي بين أميركا وإيران عام 2015 بأنه "استرضاء للنظام الإيراني"، في الحملة. وانتقد الحزب نفسه أخيراً تأخر الحكومة البريطانية كثيراً في حظر الحرس الثوري. وعندما تولت كيمي بادينوك، زعامة حزب المحافظين، في 2024، غيرت موقف الحزب واستعجلت التصنيف الذي يشيطن الحرس.
العلاقات بين بريطانيا وإيران
في الوقت نفسه، ليس لبريطانيا أمل، خصوصاً في ظل الحرب الأميركية الحالية على إيران ومشاركة بريطانيا فيها (غير المباشر والمتمثل بدعم عمليات تقول إنها دفاعية)، في أي تحسن في العلاقة مع إيران، يجعلها تحجم عن خطوة كهذه. فالعلاقات بين بريطانيا وإيران حالياً وصلت إلى أدنى مستوياتها، ولم يتبق سوى عدد محدود جداً من قنوات الاتصال بين البلدين.
فواز جرجس: وجدت حكومة ستارمر أنه من المفيد اتخاذ هذا الموقف من إيران الآن لأنه يخدم مصلحة حزب العمال
كما لم تعد بريطانيا "تمارس أي تأثير يُذكر على السياسة الخارجية الإيرانية"، وفق ما يقول فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، في حديث لـ"العربي الجديد". ويضيف أنه ربما لهذا السبب "وجدت حكومة ستارمر الراحلة أنه من المفيد اتخاذ هذا الموقف من إيران الآن لأنه يخدم مصلحة حزب العمال"، وما يصفه جرجس، بـ"بُعد داخلي بالغ الأهمية لهذا القرار"، إذ يرى أنه "في نهاية المطاف، تُعد السياسة الخارجية امتداداً للسياسة الداخلية".
ولأن بريطانيا تعطي أولوية لعلاقاتها "الخاصة والأبدية" مع الولايات المتحدة، فإن لقرار حكومة ستارمر بعداً خارجياً يتمثل، وفق عباس عدالت، أحد قادة "الحملة ضد العقوبات والتدخلات العسكرية"، في اتباع بريطانيا "نهج الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والاتحاد الأوروبي". ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن هذه الدول "صنّفت الحرس الثوري بالفعل تنظيماً محظوراً، بعد أن ترددت لندن في اتخاذ هذه الخطوة لسنوات". وكثيراً ما انتقد ترامب، وبعض أركان إدارته النافذين، ستارمر لاكتفائه بإتاحة القواعد العسكرية والمعلومات الاستخبارية البريطانية للجيش الأميركي في حربه على إيران، من دون أن يستجيب لطلب "المشاركة الكاملة" في الحرب. وسعت حكومة ستارمر إلى الإيحاء للبريطانيين بأنها اتخذت هذا الموقف انطلاقاً من المصالح الوطنية البريطانية، حتى وإن غضب ترامب.
غير أن جرجس يرى أن وصم الحرس الثوري بالإرهاب واتهامه بتهديد أمن بريطانيا هو في الأساس محاولة لإرسال إشارة إلى ترامب وإدارته بأن بريطانيا "تقف في صف إدارة ترامب، رغم أن الحكومة البريطانية لم تنضم بشكل كامل إلى نهج ترامب المتشدد (أي الحرب الكاملة) تجاه إيران". وفي رأيه أيضاً، فإن التصرف البريطاني "يُظهر أن العلاقة بين بريطانيا وإيران تكاد تكون قد انتهت عملياً"، ولم يعد هناك أي "تفاعل وتحاور مباشر" بينهما. وفضلاً عن ذلك، لا يعتقد أن قرار لندن "ستكون له عواقب ذات أهمية، ولن يُحدث أي فرق في المواجهة بين واشنطن وطهران". يجعل ذلك الحملة السياسية، التي أخذت طابعاً أمنياً على الحرس الثوري، إحدى جولات الصراع السياسي المحسوب بعناية بين بريطانيا وإيران.
عباس عدالت: قد ترد إيران بوسائل مختلفة، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو من خلال الطعون والإجراءات القانونية
لم تتجاهل إيران القرار البريطاني، وسعت إلى دحض الحملة على حرسها وسمعتها. لكن ردها جاء، كما العادة في جل خلافاتها مع بريطانيا، محسوباً بعناية. فلم تطرد السفير البريطاني هيوغو شورتر كما كان يخشى وزير الخارجية البريطاني المحافظ السابق جيمس كليفرلي عندما برر رفضه تصنيف الحرس منظمة إرهابية. واكتفت وزارة الخارجية الإيرانية باستدعاء السفير لتسليمه احتجاجاً رسمياً، ثم أدانت القرار لأنه "استند إلى ادعاءات أمنية لا أساس لها"، و "يتعارض مع المبادئ والقواعد الأساسية للقانون الدولي". يرجح ذلك أن طهران لن تصعّد ضد لندن. ولهذا، فإنه رغم أن عدالت يتوقع أن من شأن هذا التصرف البريطاني "أن يزيد من توتر العلاقات" بين البلدين، فإنه لم يستبعد أن "ترد إيران بوسائل مختلفة، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو من خلال الطعون والإجراءات القانونية"، وليس عبر سلوك من شأنه أن يبثت تهم بريطانيا لها.