حرب الأجنحة بين الجمهوريين والعلاقات مع إسرائيل في القلب منها
استمع إلى الملخص
- مع اقتراب الانتخابات النصفية، تزايدت التوترات داخل الحزب، حيث تمردت بعض الأجنحة مثل "حزب ريغان" ضد سياسات ترامب، وظهرت الانقسامات في مؤتمرات ومنظمات بارزة.
- رغم عدم تأثر العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية بشكل جذري، إلا أن الخطاب السياسي والإعلامي يشير إلى تراجع في دعم إسرائيل، مما قد يؤثر على الديناميات السياسية بين البلدين.
من أبرز سمات المشهد السياسي الأميركي في عام يشارف على نهايته، أنه شهد انفجار الخلافات بين أجنحة الحزب الجمهوري، وكانت العلاقات مع إسرائيل إحدى الشرارات التي أشعلت ناره إلى غير رجعة على ما يبدو. ومنذ نحو عقد من الزمن، يمرّ الحزب الجمهوري بحالة تضعضع، إذ انتقل من نموذج الحزب المحافظ التقليدي الذي طبع حقبة الرئيس رونالد ريغان
في ثمانينيات القرن الماضي، إلى حزب أعاد دونالد ترامب تشكيله على أسس مختلفة، تحت شعاري "أميركا أولاً" و"لنجعل أميركا عظيمة مجددًا". هذا التحول لم يكن شكليًا، بل مسّ جوهر الخطاب السياسي، والعلاقة مع الحلفاء، ومفهوم الدور الأميركي في العالم، ما فتح الباب أمام صراعات داخلية لم تعد قابلة للاحتواء بالآليات الحزبية التقليدية.على هذا الأساس أمسك الرئيس ترامب الحزب منذ 2016، لينبثق منه تيار يؤيد شعار الرئيس ترامب "أميركا أولاً "، لكنه يعترض على سياساته الخارجية، وفي مقدمتها العلاقات مع إسرائيل، ومن أبرز رموزه الإعلاميين تاكر كارلسون وستيف بانون، فيما توزعت الرموز التقليدية في الحزب بعد سيطرة ترامب على الحزب، بين رافض لخط الرئيس، مثل نائبه السابق مايك بانس، ومن التبست عليه الأمور، مثل مؤسسة "هاريتاج فاوندايشن" العريقة في خطها المحافظ المتشدد، والتي توزعت في ميولها بين نهج بانس وخط كارلسون-بانون. ورغم هذا التباين الحاد، حرص ترامب على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع معظم هذه التيارات، باستثناء مايك بنس، الذي بدا أنه خرج نهائيًا من دائرة التفاهم مع الرئيس، سياسيًا وشخصيًا، على حد سواء.
في الآونة الأخيرة بدأ التململ يتبلور في هذا المشهد الجمهوري المعقّد الذي يمر في مرحلة مخاض، إذ اصطفت صفوف التيار الكلاسيكي فيه المعروف باسم "حزب ريغان" ضد سياسات ترامب، قبل أن يتحول التململ بعد الفوز الكاسح للحزب الديمقراطي في الانتخابات الفرعية في عدد من الولايات في نوفمبر/ تشرين الثاني الفائت، إلى اعتراض مكشوف ثم إلى تمرد شمل عدداً من النواب الجمهورين (مثل النائبة مارجوري تايلور غرين التي انقلبت 180 درجة ضد الرئيس ترامب بعد أن كانت من أكثر المقربين منه).
ويتردد أن أجواء الجمهوريين في مجلس الشيوخ بدأت تشهد مثل هذا التحول، ولو بالهمس، في ضوء اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم، الأمر الذي دفع باتجاه الفرز بين هذه التشكيلات الحزبية التي صار من الصعب استمرار التعايش بينها وبما قاد إلى دخول هذه الأجنحة في حرب تفكيك فكري وسياسي وإعلامي وأيضاً إسرائيلي تجلى ذلك أخيراً في تطورين:
- أولهما: وصول التمزق أخيراً إلى مؤسسة "هاريتاج فاوندايشن" للدراسات والأبحاث في واشنطن، التي تعتبر معقل الفكر المحافظ ومرجعيته وطروحاته وسياساته التي يعتمدها أو على الأقل يستضيء بها الجمهوريون في الإدارة والكونغرس ومطابخ الرأي، إذ ترك فريق وازن من كبار الباحثين فيها (15 والحبل على الجرار)، المؤسسة اعتراضاً على امتناع قيادتها عن إدانة تاكر كارلسون لإجرائه مقابلة مع ناشط من ذوي التوجهات النازية المعادية للسامية وإسرائيل.
- أما التطور الثاني، فكان في المؤتمر السنوي الذي عقدته منظمة "نقطة تحوّل في أميركا" التي تأسست في 2012 للترويج للطروحات المحافظة في صفوف الطلاب الجامعيين، على يد الناشط الجمهوري المحافظ تشارلي كيرك الذي اغتيل في 10 سبتمبر/ أيلول الماضي. شارك في المؤتمر العديد من وجوه المحافظين الموزعين على الأجنحة أعلاه، والذين اشتبكوا في جولات من التراشق الشخصي الجارح والاتهامات التي تناولت القضايا الخلافية بينهم، وبالتحديد الموقف من إسرائيل.
وخلال المؤتمر هاجم بن شابيرو، أحد أبرز الرموز المؤيدة لإسرائيل، الناشطة والكاتبة كنداس أونز، بزعم أنها عملت على "ترويج مؤامرة مفادها أن جهات حكومية إسرائيلية قد تكون شاركت في مقتل الناشط المحافظ كيرك"، لترد الإعلامية المحافظة ماغين كيلي على التهمة بالقول: "إن تزايد معاداة السامية في أميركا يعود إلى الجهود التي يبذلها شابيرو وأمثاله -من مؤيدي إسرائيل- لمنع أي نقد لتل أبيب"، هذا السجال لم يكن معزولًا عن سياقه الأوسع، إذ ظهرت أصداء مشابهة لهذا الخلاف في مناسبات سياسية وانتخابية أخرى، من بينها الحملة الانتخابية للمرشح الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية تكساس، جيمس تالاريكو.
وتعد مسألة دمج نقد إسرائيل مع معاداة السامية، رائجة، خصوصاً خلال حرب الإبادة والتجويع في غزة التي تحدثت عنها دون مواربة جهات أميركية إعلامية وأكاديمية مثل البروفيسور جيفري ساكس، وجهات وسياسية مثل السيناتور بيرني ساندرز وغيره. ومن المعروف أن ملف العلاقة بين واشنطن وإسرائيل مفتوح بوتيرة متزايدة وغير مسبوقة، عبر منابر مؤثرة (مثل كارلسون وبانون وغيرهما)، إذ يرى الأول أن الربط بين نقد إسرائيل ومعاداة السامية "مهين" لأميركا، فيما يذهب الثاني إلى حد اتهام "الموساد بالتجسس على وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) لمصلحة إسرائيل".
رغم كل ما سبق، يبقى هذا الخطاب في إطار التصريحات فقط، إذ إن خلخلة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، إن حصلت، تبقى مسألة طويلة الأمد، إلا أن الجديد في مثل هذا الكلام والتصريحات أنها بدأت تظهر بلغة غير مسبوقة وعبر وسائط سياسية وإعلامية مختلفة، وفي توقيت يتزامن مع تراجع ملموس في رصيد إسرائيل داخل الولايات المتحدة، حتى إن الرئيس حذر أخيراً اليهود الأميركيين من تراجع قوة اللوبي الإسرائيلي وصورة إسرائيل في العالم. وفي هذا السياق، استوقفت ملاحظته وكأنها كانت تحمل رسالة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أو ربما لتحقيق غرض آخر.