حراك "جيل زد" في المغرب يعيد ترتيب صفوفه: فصل ثانٍ للاحتجاجات

03 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:15 (توقيت القدس)
تظاهرة مطالبة بإصلاحات في الرباط، 3 أكتوبر 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اختتمت حركة "جيل زد" في المغرب مرحلتها الأولى بنجاح، حيث أثارت نقاشات حول التعليم والصحة والفساد، وأعادت الوعي السياسي للشباب، مما جذب تعاطفاً محلياً ودولياً.

- يمثل "جيل زد" تحولاً نوعياً في الحركات الاحتجاجية باستخدام الأدوات الرقمية، بعيداً عن الأطر الحزبية التقليدية، مما دفع المؤسسة الملكية لإطلاق إصلاحات اجتماعية.

- تواجه الحركة تحديات في التحول إلى قوة منظمة، مع ضرورة التوازن بين الاحتجاج الميداني والتفكير الاستراتيجي، مع احتمالية تأسيس إطار سياسي يعبر عن مطالبها.

تدخل حركة "جيل زد" المطالبة بتحسين خدمات الصحة والتعليم ومحاربة الفساد في المغرب، مرحلة جديدة في تاريخها، بعد قرارها إنهاء ما سمته الفصل الأول من حراكها السلمي، وإعلان استعدادها لإطلاق فصل ثان تريده أكثر فعالية وتنظيماً حتى يكون "في مستوى تطلعات الشعب المغربي وتضحيات المناضلين".

وفي خطوة مفاجئة ومثيرة للكثير من الأسئلة، أعلنت حركة "جيل زد"، السبت الماضي، عن اختتام ما وصفته بـ"الفصل الأول" من حراكها السلمي، مشيرة إلى أن المرحلة القادمة ستشهد انطلاقة جديدة أكثر قوة وتنظيماً وفعالية. وقالت الحركة، في بيان، إن "الفصل الأول من الحراك كان نجاحاً تأسيسياً، وأثبت وجود جيل شبابي واع بقضايا وطنه، ونجح في إشعال نقاش وطني حول أولويات المغاربة"، مؤكدة أن المرحلة السابقة "كسرت جدار الصمت، وأعادت إحياء روح الوعي السياسي والنضالي لدى آلاف الشباب".

واعتبرت أن "هذه الوقفة التنظيمية ليست تراجعاً عن المسار، إنما فترة لإعادة ترتيب الصفوف، والتفكير الجماعي، والنقد الذاتي البناء، استعدادات لإطلاق الفصل الثاني من الحراك"، الذي تريده الحركة أكثر فعالية وتنظيماً حتى يكون "في مستوى تطلعات الشعب المغربي وتضحيات المناضلين". وشددت حركة "جيل زد" على أن نضالها "لم ولن يتوقف"، مشيرة إلى أن "الوقفة الحالية هي لحظة تأمل واستعداد للعودة بشكل أقوى وأكثر تأثيراً".

وبعد أن شهد الحراك الشبابي في الشارع المغربي تذبذات بين تأجج وتيرة الفعاليات وانخفاضها منذ انطلاق شرارته الأولى في 28 سبتمبر/أيلول الماضي، بدا المؤشر الاحتجاجي منذ الأسبوع الثالث لانطلاق الحراك مستقراً على انخفاض، ما طرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبله وقدرته على الاستمرار.

وكانت منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي في المغرب، قد دعت إلى التظاهر في 28 و29 سبتمبر/أيلول الماضي، في مدن كبرى، بينها الدار البيضاء والرباط ومراكش ومكناس وأكادير، قد تحولت إلى واحدة من أكبر الحركات الاحتجاجية حجماً منذ "حراك الريف" (2017) و"20 فبراير" (2011)، النسخة المغربية من الربيع العربي.

وفي مسارها الاحتجاجي الممتد لأربعة أسابيع لجأت "جيل زد" "إلى تعديل طريقة عملها، فبعد مظاهرات يومية خلال الأسبوعين الأولين أوقفت الحركة احتجاجاتها لفترة ثم قررت تنظيمها كل سبت فقط، قبل أن تعلن نهاية الأسبوع الماضي، إنهاء الفصل الأول من حراكها السلمي، والاستعداد لانطلاقة جديدة أكثر قوة وتنظيماً وفعالية.

ووفق رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية في المغرب، رشيد لزرق، فإن "جيل زد" يمثل تحولاً نوعياً في مسار الحركات الاحتجاجية بالمغرب، "فهو جيل يمتلك أدوات العصر الرقمي، ويعبر عن وعي سياسي جديد يقوم على تجاوز الوسائط التقليدية في التعبئة والتأطير". ولفت لزرق إلى أن "هذا الجيل لا يشتغل داخل منظومات حزبية أو نقابية، بل يبني شبكاته خارجها، ويعيد تعريف الفعل الاحتجاجي من مجرد ردة فعل إلى ممارسة مدنية واعية، تستند إلى المطالبة بحقوق ملموسة كالكرامة والتعليم والصحة، وتربطها بمنطق الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد". وأوضح في حديث مع "العربي الجديد"، أن هذه المقاربة الشمولية للقضايا تعكس إدراكاً متقدماً عند الشباب بأن التغيير لا يتحقق عبر الجزئيات، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة والمحاسبة.

ورأى أنه في المرحلة المقبلة، "لن يكون مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على رفع الشعارات فقط، بل بقدرتها على التحول إلى قوة اجتماعية منظمة، تتقن إدارة الفعل الاحتجاجي وتدبير الزمن السياسي. التحدي المطروح أمام جيل زد هو الانتقال من لحظة التفجير الرمزي إلى بناء مشروع احتجاجي مستدام، يوازن بين الضغط الميداني والانخراط في التفكير الاستراتيجي". وأضاف: "إذا نجح هذا الجيل في مأسسة نضاله عبر تطوير آليات التنسيق والترافع، فإننا أمام احتمال ولادة فاعل جمعي جديد في الحقل السياسي المغربي، قادر على كسر احتكار الدولة والفاعلين التقليديين لمسار اتخاذ القرار، وفرض أجندة إصلاح تتسق مع تطلعات المجتمع نحو العدالة الاجتماعية والديمقراطية الفعلية".

من جهته، رأى الباحث في العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق بالدار البيضاء، مصطفى عنترة، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن المرحلة الأولى من احتجاجات شباب "جيل زد" قد حققت جزءاً مهما من أهدافها، إذ استطاعت أن "تبعث روحاً جديدة في المشهد السياسي الوطني، بعد أن كاد يصيبه الجمود وتثقل كاهله الانتظارية السياسية". واعتبر أن حراك الشبان "مثّل جرعة أمل في الحياة العامة، وأعاد إلى النقاش العمومي زخمه المفقود، مستقطباً تعاطف قطاع واسع من الرأي العام الوطني والدولي، ومتفاعلاً مع مختلف القوى السياسية التي وجدت نفسها أمام مطالب مشروعة وعادلة تمسّ جوهر القضايا الاجتماعية الكبرى، وعلى رأسها التعليم والصحة ومحاربة الفساد والتصدي للمفسدين".

ولفت إلى أن "الأهم من ذلك، أن هذا الحراك الشبابي لقي تجاوباً ملموساً من المؤسسة الملكية، التي بادرت إلى إطلاق مجموعة من الإجراءات والإصلاحات الجوهرية في القطاعات الاجتماعية الحيوية، وإلى تعزيز آليات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما فتحت الباب أمام مشاركة أوسع للشباب في تدبير الشأن العام والمشاركة السياسية، بما في ذلك تمكينهم من خوض غمار الانتخابات والانخراط في صناعة القرار". وأكد أن الحركة أسهمت في خلق وعي سياسي جديد داخل المجتمع المغربي، وبينت بوضوح أنّ الشباب يشكلون قوة مجتمعية فاعلة لا يمكن تجاهلها إذ تمكنت من تحريك الشارع، وإعادة الثقة في الفعل الاحتجاجي السلمي، كما حظيت باهتمام المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، وانعكست أصداؤها في وسائل الإعلام الأجنبية، التي رأت فيها تعبيراً ناضجاً عن طموحات جيل يسعى للتغيير والإصلاح.

أما بخصوص المرحلة الثانية من هذا الحراك، فقال الباحث المغربي إن "هناك أسئلة عدة تظل مفتوحة منها: هل ستشكل امتداداً للمرحلة الأولى بنفس الزخم والأشكال الاحتجاجية السابقة؟ أم سيختار الشباب الانتقال من الشارع إلى العمل المنظم، من خلال تأسيس إطار سياسي يعبر عنهم ويترجم مطالبهم إلى برامج عملية؟ وهل سيتفاعلون إيجابياً مع ما ورد في بيان المجلس الوزاري الأخير بشأن توسيع المشاركة السياسية، فينخرطون في مسار الإصلاح من داخل المؤسسات عبر المشاركة في الانتخابات المقبلة، سواء بوصفهم مرشحين مستقلين أو ضمن الأحزاب السياسية حسب قناعاتهم؟ أم أنهم سيفضلون الإبقاء على حركتهم قوةً مجتمعية ضاغطة، تمارس تأثيرها من خارج البنى الحزبية التقليدية، دون أن تفقد استقلاليتها وروحها النقدية؟". وتابع: "مهما يكن الخيار، فإن المؤكد أن حراك "جيل زد" قد دخل بقوة إلى المجال العام، وفرض نفسه فاعلاً جديداً في معادلة التغيير والإصلاح في المغرب".

المساهمون