استمع إلى الملخص
- دافع رئيس البرلمان عن التعديل كضرورة وطنية لضمان الاستقرار، مشيرًا إلى دعم شعبي واسع، بينما يرى محللون أن هذا يعمق أزمة التحول الديمقراطي في البلاد.
- يشير المحللون إلى أن التعديل يكرّس الجمود السياسي، مع غياب المعارضة الفاعلة وتقلص مساحة الحرية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل البلاد.
صوّت البرلمان في جيبوتي بالإجماع، اليوم الأحد، على تعديل دستوري يلغي الحد الأقصى لسنّ الترشح للرئاسة، ما يمهّد الطريق أمام الرئيس إسماعيل عمر جيلي للترشح لولاية سادسة في انتخابات إبريل/نيسان 2026. وأثارت نتائج الانتخابات السابقة التي أجريت عام 2021 شكوكاً حول نزاهة العملية الانتخابية؛ إذ فاز بـ97%، وسط توقعات بترشحه للانتخابات المقبلة. وينصّ دستور جيبوتي على أن رئيس الدولة لا يمكنه الترشح بعد بلوغ سنّ الـ75، وهو ما كان سيمنع جيلي، البالغ من العمر 77 عاماً، من خوض الانتخابات المقبلة. لكن التعديل الدستوري الذي ألغى هذا القيد حصل على دعم كل نواب البرلمان وعددهم 65 نائباً، حسب ما أعلن رئيس البرلمان دليتا محمد دليتا لوكالة فرانس برس. ويُعد هذا القرار، الذي حظي بموافقة جميع النواب الحاضرين، نقطة تحول في المشهد السياسي لبلد صغير بحجم جيبوتي، لكنه يحتل موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية عند مدخل البحر الأحمر. الدولة التي لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، تستضيف قواعد عسكرية للولايات المتحدة وفرنسا والصين واليابان، وتتحكم في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، وهو مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة بين آسيا والغرب.
تعديل بالإجماع في جيبوتي
ودافع رئيس البرلمان، دليتا محمد دليتا، عن قرار التعديل الدستوري، معتبراً أنه "ضرورة وطنية لضمان الاستقرار في منطقة مضطربة"، في إشارة إلى التوتر السياسي والأمني الذي تشهده دول الجوار كالصومال وإثيوبيا وإريتريا. وأضاف أن "أكثر من 80% من المواطنين يؤيدون الخطوة". ولا يزال أمام الرئيس خياران: إقرار التعديل مباشرة أو عرضه على استفتاء شعبي. وفي حال المصادقة عليه رسمياً في جلسة مرتقبة في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، سيكون الطريق مفتوحاً أمام جيلي لخوض الانتخابات المقبلة من دون قيود دستورية تتعلق بالعمر. لكن محللين يرون أن تبرير الحكومة للحفاظ على النسق العام والاستقرار الداخلي، يعتبر امتداداً لنمط سياسي معروف في المنطقة، إذ يُستخدم شعار "الاستقرار" لتبرير إطالة أمد الحكم، كما أن استمرار جيلى يُعمّق أزمة التحول الديمقراطي في بلد لم يعرف تداولاً سلمياً للسلطة منذ استقلاله عام 1977، بينما ترى الأحزاب المؤيدة لهذه الخطوة بأنها قد تضمن استقراراً نسبياً يسهم في طمأنة هذه القوى.
نور الدين علي آدم: التعديل يكرّس حالة الجمود السياسية
في السياق، يقول الصحافي من جيبوتي شاكر عيلية في حديث لـ"العربي الجديد"، إن قرار البرلمان سبقته خطوات جادة من الرئاسة الجيبوتية، إذ كانت هناك نقاشات بين الأحزاب السياسية، وكانت تلك الاجتماعات مستمرة في الفترة الأخيرة مع الحكومة لإقرار هذا التعديل، وردود الفعل المحلية في البلاد متباينة، فبعض الأحزاب تنسق مع الرئاسة الجيبوتية فيما أصوات البعض الآخر ضعيفة جداً، وصداها الافتراضي وفي المنصات الرقمية أكثر من الشارع والواقع الجيبوتي. وحول تأثير هذا القرار في العملية الانتخابية وانعكاساتها على قوى المعارضة، يرى عيلية أنه لا توجد قوى معارضة منظمة وموحدة في جيبوتي، كما لا تتمتع تلك الأحزاب بقاعدة شعبية كبيرة في الشارع. ولهذا فإن تأثير المعارضة للرد على هذا القرار ما زال ضعيفاً. كما أن التصويت الجماعي للقرار من جميع النواب (65 نائباً) يعبر عن مدى ضعف الجماعات المناوئة وتأثيرها المحدود في المشهد السياسي في جيبوتي.
ويرى المحلل الجيبوتي نور الدين علي آدم في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هذا التعديل يكرّس حالة الجمود التي تشهدها الحياة العامة في جيبوتي منذ عقود، إذ غابت المعارضة الفاعلة وتحوّل البرلمان إلى أداة لإضفاء الشرعية على قرارات السلطة التنفيذية. المشهد العام يوحي بأن القرار كان مُعدّاً سلفاً، وأن الإجماع البرلماني ليس انعكاساً لإرادة وطنية بقدر ما هو استجابة لخيارات الرئيس نفسه. أما على المستوى الشعبي، فتبدو ردّات الفعل منقسمة بين فئة صغيرة من النخب والناشطين التي عبّرت عن رفضها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأغلبية صامتة تراقب المشهد من بعيد. المعارضة التقليدية أضعفتها سنوات من التضييق والملاحقة، والمجتمع المدني شبه مشلول، ما يجعل أي احتجاج علني محفوفاً بالمخاطر.
شاكر عيلية: لا توجد قوى معارضة منظمة وموحدة في جيبوتي
تجميد التحول الديمقراطي
ويشير آدم إلى أن توظيف مفردة الاستقرار في خطابات الحكومة الجيبوتية ما هو إلا لتجميد أي تحول ديمقراطي. كلما طالت فترة الحكم، تراجعت فرص الإصلاح، وتحوّلت مؤسسات الدولة إلى هياكل شكلية تعمل لخدمة بقاء النظام. ومن المرجح أن تكون انتخابات 2026 مجرد تكرار لمشهد مألوف: فوز شبه كاسح للرئيس، ومشاركة محدودة من المعارضة، وإشادة رسمية بالاستقرار والديمقراطية المنضبطة. وبحسب آدم، فإن العملية السياسية الجيبوتية برمتها باتت محكومة بالجمود السياسي، ما لم تتم إرادة حقيقية لتجديد الحياة العامة وفتح المجال أمام المشاركة السياسية الحرة. ومع استمرار الهيمنة السياسية وتقلص مساحة الحرية، يظل السؤال الصعب: ماذا بعد الانتخابات المقبلة حتى بعد فوز جيلي فيها، وإلى إين ستتجه جيبوتي بعد الرئيس؟ وهو ما قد يقود البلاد إلى خطر وتصادم حقيقي، إذا لم تكن هناك إدارة تؤمن بالانتقال السلس للحكم. وحول مستقبل العملية السياسية في جيبوتي يقول آدم إنه من المرجح أن تستمر البلاد على نفس المسار القائم على إدارة محكمة من قبل السلطة التنفيذية مع مشاركة محدودة للمعارضة. هذا الوضع قد يضمن الاستقرار على المدى القصير، لكنه يحمل في طياته خطر تراكم الإحباط داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب التي تبحث عن فرص سياسية واقتصادية أكبر.