جنازة مهيبة لعميد الحركة الحقوقية في الجزائر علي يحيى

جنازة مهيبة لعميد الحركة الحقوقية في الجزائر علي يحيى.. مائة عام من النضال من أجل العدالة

26 ابريل 2021
الصورة
من جنازة الفقيد اليوم (العربي الجديد)
+ الخط -

ووري الثرى، اليوم الإثنين، جثمان كبير الحقوقيين في الجزائر، الراحل علي يحيى عبد النور، الذي كان قد توفي أمس الأحد عن عمر ناهز المائة عام، ويعد عميدا للحركة الحقوقية، وكان مناضلا في الحركة الوطنية إبان الاستعمار الفرنسي، ومعارضا سياسيا للسلطة ونظام الحزب الواحد منذ الاستقلال عام 1962.  

وأقيمت مساء اليوم جنازة مهيبة للراحل في مقبرة بن عكنون وسط العاصمة الجزائرية، وسط حضور شعبي وسياسي مهيب كبير من كل الأطياف والتيارات، وهو ما يعكس ثقل الرجل وصيته السياسي وسمعته النضالية في الدفاع عن قضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان. وأقيمت صلاة الجنازة على الراحل في ملعب جواري بسبب كثرة  أعداد المشاركين في الجنازة. وعند وصول نعش الراحل، دوت زغاريد النساء، تقديرا لنضاله، وقبل مراسيم التشييع، تدخل أحد أقاربه لمطالبة المشيعين بعدم رفع شعارات سياسية احتراما لمقام الجنازة والمقبرة، تجنبا لتكرار ما حصل من قبل الناشطين في الحراك الشعبي في جنازة المناضل الراحل لخضر بورقعة. 

وخلفت وفاة المناضل والمحامي علي يحيى عبد النور حالة من الحزن في أوساط المحامين ولدى مجموع مكونات الحراك الشعبي والأحزاب السياسية كافة ومختلف الفئات الشعبية التي تعرف نضالات الرجل، والتي بدأها منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، إذ ناضل ضمن منظمة نجم شمال أفريقيا وحزب الشعب الجزائري قبل ثورة التحرير، قبل أن يلتحق بصفوف الثورة مناضلا في اتحاد المعلمين، ما دفع السلطات الفرنسية إلى اعتقاله حتى عام 1961. 

سرعان ما رفض عبد النور إقامة نظام الحزب الواحد في البلاد وهيمنة الجيش على مقاليد السلطة، فانضم إلى صف المعارضة السياسية

بعد استقلال البلاد اختير وزيرا في الحكومة، لكنه سرعان ما رفض إقامة نظام الحزب الواحد في البلاد وهيمنة الجيش على مقاليد السلطة، ليبدأ عبد النور معركة نضالية جديدة، إذ انضم إلى صف المعارضة السياسية، وتمت ملاحقته من قبل السلطة. وفي أواخر الثمانينيات، كان من بين أبرز مؤسسي الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، والتي ترأسها لفترة، وعرف عنه مرافعته كمحامٍ عن النشطاء السياسيين المعارضين، سواء نشطاء الحركة الثقافية البربرية والربيع الأمازيغي، أو اليسار، أو الإسلاميين.

لعب علي يحيى عبد النور دورا بارزا في الدفاع عن قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد حظر نشاطها السياسي، وعارض وقف المسار الانتخابي وانقلاب 12 يناير 1992، وساهم في كشف العديد من الممارسات والتجاوزات التي كانت تشهدها الجزائر، إضافة إلى قضية التعذيب والإخفاءات القسرية (المفقودين)، وانخرط في الأثناء في مساعٍٍ سياسية قادت إلى تجميع قوى المعارضة السياسية في مؤتمر روما في ديسمبر/كانون الأول 1994 ويناير/كانون الثاني 1995 لوضع حل سياسي للأزمة الجزائرية، برفقة عدد من الشخصيات السياسية والتاريخية البارزة، على غرار حسين آيت أحمد والرئيس الراحل أحمد بن بلة، ما فتح على الرجل باب التهجمات السياسية والإعلامية المدبرة من قبل السلطة، واستمرت هذه المضايقات حتى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وأبرزها محاولة طرده من البيت الذي يقيم فيه منذ الاستقلال، ورفض السلطة تسوية وضعية شقته السكنية.      

تقدير سياسي كبير 

وعبرت عدة قيادات أحزاب سياسية حضرت الجنازة عن تقديرها لنضالات الرجل. وقال القيادي في حزب العمال جلول جودي، لـ"العربي الجديد"، إن علي يحيى عبد النور هو أكثر من أستاذ محامٍ؛ هو مناضل أفنى حياته دفاعا عن الحقوق والحريات ودفاعا عن حقوق الإنسان واستقلالية العدالة، بالنسبة لنا علي يحيى رمز من رموز النضال الحقيقي، ونضاله بدأ منذ فترة الاستعمار مع الحركة الوطنية في الجزائر، وفاته هي فقدان لمناضل كبير في سبيل الحقوق والحريات، وكل ما أنجزه سيبقى خالدا".

وقال الناشط السياسي البارز ورئيس حزب الاتحاد الديمقراطي -غير معتمد- كريم طابو، متحدثا لـ"العربي الجديد"، إن "علي يحيى عبد النور مناضل وقامة من قامات النضال من أجل حقوق الإنسان، إنه من بين الناس القلائل الذين احترموا بالمعنى الحقيقي مصطلحات حقوق الإنسان، ووقف مع كل المظلومين على الرغم من اختلاف توجهاتهم من يساريين وإسلاميين، بدون تمييز"، مضيفا أن الرجل يمثل "مدرسة سياسية ثبتت على مواقفها على الرغم من تعرضه للتخوين والشيطنة، والمظالم الكبيرة التي تعرض لها من أطراف عدة، وخاصة من طرف النظام، عندما شارك في ندوة روما عام 1995، وتم التعدي على حرمته حينها، ووقف في آخر أيام حياته وبقي مدرسة سياسية وظلّ يعطي قيما وأفكارا، ويناضل من أجل العدالة.. إنه رمز من رموز النضال السياسي في الجزائر، على الأجيال أن تحفظ له مساره وتستكمله".

وشهد القيادي في الجبهة الإسلامية للإنقاذ -محظورة- كمال قمازي، على أن الراحل كان أبرز المدافعين عنه وعن قيادات الجبهة بعد اعتقالهم وحل الحزب في مارس 1992، مضيفا، في حديث لـ"العربي الجديد": "هذا الرجل العظيم رجل كبير واصل نضاله منذ الحركة الوطنية زمن الاستعمار من أجل حرية الإنسان الجزائري، وكان يؤمن بذلك مهما كان لونه السياسي ومهما كان معتقده، لقد كان علي يحيى عبد النور رجلا جامعا ومحوريا، ندعو الشباب لأن يأخذ منه العبرة والدروس دائما لكي نجتمع كجزائريين على كلمة واحدة مهما كانت اختلافاتنا". 

وعبّر الناشط البارز في الحراك الشعبي سمير بلعربي عن تقديره لنضالات الرجل، وقال لـ"العربي الجديد" إن "هذا الرجل أعطى كل حياته للنضال من أجل الجزائر القوية والعدالة المستقبلية، كان أكبر نضالاته من أجل أن تكون العدالة الغالبة والمتحكمة في البلاد، ناضل في كل الأطر السياسية والمدنية لأجل ذلك مع كل التيارات، أعتقد أن الجزائر تخسر اليوم رجلا كبيرا وقامة للنضال".  

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أرسل إلى عائلة الفقيد رسالة تعزية عبّر فيها عن تقديره لنضالات الرجل.

دلالات

المساهمون