استمع إلى الملخص
- تاريخ النزاع يعود إلى عام 1814، حيث تم تهجير السكان الأصليين لبناء قاعدة عسكرية، مما أثار دعاوى قانونية وحملات دولية للمطالبة بحق العودة أو التعويض.
- اتفاق 2025 يعترف بسيادة موريشيوس، مع استمرار استخدام دييغو غارسيا كقاعدة عسكرية، وحظي بدعم دولي رغم انتقادات ترامب وبعض الأصوات المعارضة.
تتحوّل جزر تشاغوس في المحيط الهندي إلى ساحة جديدة لاشتباك السرديات بين إرث الاستعمار الأوروبي ومقتضيات الأمن القومي الغربي، بعد اتفاق يمنح جمهورية موريشيوس السيادة على الأرخبيل، مع احتفاظ بريطانيا والولايات المتحدة بقاعدتهما العسكرية في جزيرة دييغو غارسيا بموجب عقد إيجار طويل الأجل. الاتفاق، الذي حظي بدعم دولي واسع، فجّر في الوقت نفسه انتقادات حادّة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وردودًا بريطانية رسمية تتمسّك بشرعيته القانونية والاستراتيجية.
تتموضع جزر تشاغوس في قلب المحيط الهندي، بين الساحل الشرقي لأفريقيا والهند، وتضم عشرات الجزر المرجانية الصغيرة، أبرزها جزيرة دييغو غارسيا التي تحتضن قاعدة عسكرية مشتركة بريطانية أميركية تُعدّ من أهم نقاط الانتشار الغربي قرب الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وجنوب آسيا.
بحسب ما ورد على موقع حكومة الإقليم البريطاني في المحيط الهندي، أصبحت الجزر تحت السيادة البريطانية منذ عام 1814، حين تنازلت فرنسا عن موريشيوس وما يتبعها من أرخبيل تشاغوس إلى بريطانيا بموجب معاهدة باريس بعد الحروب النابليونية، واستمر التعامل معها بوصفها ملحقًا لموريشيوس حتى ستينيات القرن العشرين.
في عام 1965 أنشأت لندن ما عُرف لاحقًا باسم الإقليم البريطاني في المحيط الهندي عبر فصل تشاغوس عن موريشيوس قبل استقلال الأخيرة وتحويل الأرخبيل إلى إقليم خاضع مباشرة للتاج البريطاني، في خطوة شكّلت لاحقًا محور الاتهامات بانتهاك قواعد إنهاء الاستعمار.
تهجير قسري لبناء قاعدة دييغو غارسيا
لم يكن التحوّل إلى إقليم مستقل إدارياً مجرد إجراء قانوني؛ بل ارتبط مباشرة بالتخطيط لاستخدام الجزر لأغراض عسكرية. وفق تقرير موسّع أصدرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" عام 2023، تعرّض سكان جزر تشاغوس الأصليون الشاغوسيون، لعملية تهجير قسري على مراحل بين 1965 و1973، لإخلاء الجزر تمهيداً لبناء القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا. وأشار التقرير إلى أن بريطانيا والولايات المتحدة عملتا معاً على ترحيل كامل السكان من الجزر المأهولة، وتركهم في موريشيوس أو سيشيل في ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية.
حوّل هذا التهجير الأرخبيل إلى مساحة عسكرية مغلقة تقريباً مع غياب أي وجود مدني دائم، ما ألقى بظلال ثقيلة على سجل بريطانيا الحقوقي وأفسح المجال أمام عقود من الدعاوى القانونية والحملات الدولية المطالبة بحق العودة أو التعويض للسكان الأصليين.
موقف موريشيوس والشرعية الدولية
تمسّكت جمهورية موريشيوس منذ استقلالها بأرخبيل تشاغوس باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وأن فصله عام 1965 شكّل انتهاكاً لحقها في إنهاء الاستعمار على نحو كامل. من جهتها، لعبت محكمة العدل الدولية دوراً محورياً في ترجيح كفة مطالب موريشيوس؛ ففي رأي استشاري أصدرته في 25 فبراير/شباط 2019، رأت المحكمة أن عملية فصل تشاغوس عن موريشيوس لم تكمل مسار إنهاء الاستعمار بصورة قانونية، وأن على المملكة المتحدة أن تُنهي إدارتها للأرخبيل "في أقرب وقت ممكن".
أما الجمعية العامة للأمم المتحدة فتبنّت بعد ذلك القرار رقم 73/295 في مايو/ أيار 2019، الذي اعتبر الأرخبيل جزءاً لا يتجزأ من إقليم موريشيوس ودعا بريطانيا إلى سحب إدارتها خلال مهلة ستة أشهر، وطالب مؤسسات الأمم المتحدة بعدم الاعتراف بما يسمى "الإقليم البريطاني في المحيط الهندي". ورغم رفض لندن آنذاك اعتبار رأي المحكمة وقرار الجمعية العامة ملزمين، تزايدت الضغوط الدولية، بما في ذلك مواقف من الاتحاد الأفريقي ودول حركة عدم الانحياز، إلى أن أعلنت الحكومة البريطانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بدء مفاوضات رسمية مع موريشيوس لتسوية "كل القضايا العالقة" حول الأرخبيل استناداً إلى القانون الدولي.
اتفاق 2025: سيادة موريشيوس وإيجار دييغو غارسيا
المفاوضات التي انطلقت في 2022 تُوّجت باتفاق تاريخي. فبحسب ما نشرته وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية على موقع الحكومة البريطانية في 22 مايو/أيار 2025، وقّعت المملكة المتحدة وجمهورية موريشيوس اتفاقية بعنوان: "اتفاق بشأن أرخبيل تشاغوس بما في ذلك دييغو غارسيا". ينصّ الاتفاق على اعتراف بريطانيا بسيادة موريشيوس الكاملة على الأرخبيل، مقابل منح لندن حق استخدام دييغو غارسيا منشأة عسكرية بموجب عقد إيجار أولي مدته 99 عاماً، مع إمكانية التمديد لاحقاً.
وأوضحت مذكرة صادرة عن مكتبة مجلس اللوردات في البرلمان البريطاني أن الاتفاق لا يقتصر على مسألة السيادة، بل يشمل أيضاً ترتيبات للتعاون في مجالات الأمن البحري وحماية البيئة البحرية وإنشاء صندوق استئماني لمصلحة الشاغوسيين. كما أكدت المذكرة أن الاتفاق يسوّي النزاع الطويل حول السيادة على الإقليم البريطاني في المحيط الهندي ويضمن استمرار عمل القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا على المدى الطويل.
من الناحية المالية، ورد في تقرير لوكالة رويترز بتاريخ 22 مايو/أيار 2025 أن المملكة المتحدة ستدفع لموريشيوس نحو 101 مليون جنيه إسترليني سنوياً مقابل عقد إيجار مدته 99 عاماً لجزيرة دييغو غارسيا، وهو ما يعادل إجمالًا قرابة 3.4 مليارات جنيه إسترليني طوال مدة الاتفاق، وذلك لضمان استمرار القاعدة العسكرية المشتركة في الجزيرة ضمن الترتيبات الأمنية الجديدة.
ومن زاوية ردات الفعل الدولية، أشار تحليل لوكالة رويترز نُشر في 20 يناير/كانون الثاني 2026 إلى أنّ الاتفاق بشأن جزر تشاغوس حظي بدعم من الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والهند، باعتباره تسوية تُنهي نزاعاً استعمارياً طويلاً من دون المساس بالبنية الأمنية الغربية في المحيط الهندي، ولا سيما مع استمرار عمل قاعدة دييغو غارسيا بموجب عقد الإيجار طويل الأجل. كما نقلت الوكالة ومصادر رسمية بريطانية أن الولايات المتحدة رحّبت عند توقيع الاتفاق في مايو/أيار 2025 بالترتيب الجديد، قبل أن يتحوّل الملف لاحقاً إلى مادة سجالية داخل الولايات المتحدة.
بين انتقادات ترامب والدفاع الحكومي
أثار الاتفاق موجة انتقادات في 20 يناير/كانون الثاني 2026 بعدما وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه "غباء عظيم" و"تجسيد للضعف"، محذراً من أنه يمنح الصين وروسيا فرصة لتعزيز نفوذهما في المحيط الهندي، رغم بقاء دييغو غارسيا تحت الإيجار العسكري المشترك. وانضمّت أصوات من المعارضة اليمينية البريطانية، بينها كيمي بادنوك وقيادات من حزب الإصلاح، معتبرين أن الحكومة "تفرّط في أصول استراتيجية" وتحمّل دافعي الضرائب تكاليف كبيرة.
في المقابل، دافعت الحكومة البريطانية برئاسة كير ستارمر عن الاتفاق بوصفه استجابة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وتدبيراً يحافظ على استمرارية القاعدة ضمن إطار قانوني أكثر استقراراً ويحمي الشراكة الدفاعية مع واشنطن. غير أن هذا المسار الرسمي لم يُرضِ الشاغوسيين، إذ نقلت رويترز شعوراً واسعاً بينهم بالتهميش وغياب الحسم بشأن العودة أو التعويض، ما يبقي الملف معلقاً بين إرث الاستعمار وضرورات الأمن الدولي.