"جرف الصخر" اختبار أوّل صعب لخطة حصر السلاح في العراق
تتجه أزمة حصر السلاح بيد الدولة في العراق إلى واحدة من أكثر مراحلها حساسية، مع انتقال الخلاف بين حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي والفصائل المسلّحة من مستوى التصريحات السياسية والبيانات المتبادلة إلى اختبار ميداني مباشر لحدود قدرة الدولة على فرض قرارها، فيما تمثل جرف الصخر أبرز النماذج التي يمكن من خلالها قراءة مدى نجاح الدولة في هذا الاختبار.
وشهدت جرف الصخر الواقعة جنوبيّ بغداد، ضمن محافظة بابل، خلال الساعات الأخيرة تفاعلات ميدانية كبيرة، خاصة بعد سماح مليشيا "كتائب حزب الله"، التي تسيطر على المنطقة، بدخول وفد أمني حكومي تحت إشرافها، إلى جانب استقدام قنوات فضائية وناشطين مقربين منها، للرد على المعلومات والتقارير بشأن المنطقة وما تحويه من معسكرات ومقرات.
ويُعتبر هذا أول دخول لجهة غير مرتبطة بالمليشيات منذ 12 عاماً، لكن المعلومات التي حصل عليها "العربي الجديد"، تؤكد أن اللجنة دخلت إلى الطرق والشوارع الرئيسة، وحُدِّدت حركتها بعدة مناطق فقط، خلال نهار أمس الثلاثاء.
جولة تحت أعين الفصائل
وبحسب المصادر، وأحدهم ضابط في وزارة الدفاع، فقد دخلت اللجنة المؤلفة من وزارة الدفاع والداخلية، والأمن الوطني، عبر سيارات حكومية، يوم الثلاثاء، إلا أن جولتها لم تمتد إلى كامل المنطقة، واقتصرت على الأجزاء الخارجية مثل الطرق العامة وبعض المناطق الزراعية، على نهر الفرات الذي يمر وسط المدينة، بينما لم تتمكن اللجنة من الوصول إلى العمق الذي توجد فيه مواقع ومقار تابعة لكتائب حزب الله.
وأكدت المصادر، التي فضّلت عدم ذكر اسمها، أن "اللجنة الأمنية العليا لم يُسمح لها بالدخول إلى منطقة المنشآت عندما حاولت الاقتراب منها، وطلب منهم الالتزام بمسار السيارات التابعة لمليشيا كتائب حزب الله التي كانت تتقدم الرتل".
وكشفت المصادر ذاتها، أن دخول وسائل إعلام محلية محسوبة على الفصائل، إلى جانب مشاركة محللين وشخصيات مقربة منها، في تغطية الزيارة، جاء في محاولة لإظهار المنطقة أمام الرأي العام على أنها مفتوحة أمام الدولة ووسائل الإعلام، ويمكن الوصول إليها بصورة طبيعية، بينما الواقع مختلف، ويتمثل في عدم قدرة اللجنة الحكومية على الوصول إلى كامل المنطقة.
وأكدت أن الرسالة التي وصلت إلى الحكومة من الزيارة لم تكن مرتبطة فقط بالانتشار الأمني، وإنما بوجود مناطق داخل جرف الصخر لا تزال خارج نطاق الحركة الطبيعية للأجهزة الرسمية، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي إلى إعادة تقييم آلية التعامل مع المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
مصادر: الزيدي يتجه إلى اتخاذ إجراءات أمنية جديدة تهدف إلى إحكام تطويق المنطقة ومراقبة حركة الدخول والخروج منها
وتابعت المصادر أن الزيدي يتجه إلى اتخاذ إجراءات أمنية جديدة تهدف إلى إحكام تطويق المنطقة ومراقبة حركة الدخول والخروج منها، من خلال نشر قوة خاصة من جهاز مكافحة الإرهاب في محيط جرف الصخر، على أن تتركز مهمتها في مراقبة المداخل وحركة الأشخاص والآليات، ومنع استخدام المنطقة مساحةً مغلقةً لا تخضع للرقابة الحكومية.
وكشفت أن الإجراءات المرتقبة لا تعني، في مرحلتها الأولى، تنفيذ عملية اقتحام أو دخول عسكري شامل إلى عمق المنطقة، وإنما تهدف إلى فرض طوق أمني ومراقبة حركة الدخول والخروج تمهيداً لخطوات لاحقة تتخذها الحكومة وفق تقييم الأجهزة الأمنية.
اختبار "بالغ الخطورة"
من جانبه، يرى الخبير الأمني العراقي علي الجبوري خلال تصريحات لـ"العربي الجديد" أن "دخول الزيدي إلى جرف الصخر يمثل اختباراً سياسياً وأمنياً بالغ الخطورة؛ فالتراجع أمام الفصائل قد يضعف مصداقية الموعد الذي حددته حكومته في 30 سبتمبر/ أيلول (لإنهاء ملف الفصائل المسلحة)، بينما قد يؤدي فرض السيطرة بالقوة إلى مواجهة مباشرة مع فصيل يمتلك بنية عسكرية وخبرة طويلة في العمل المسلح، فضلاً عن امتلاكه غطاءً سياسياً وشبكة علاقات داخل منظومة الدولة".
الجبوري: دخول الزيدي إلى جرف الصخر يمثل اختباراً سياسياً وأمنياً بالغ الخطورة
وبيّن الجبوري أنه "بالنسبة إلى كتائب حزب الله، فإن التخلي عن جرف الصخر أو السماح بتفتيش شامل ومستقل لمواقعها قد يعني خسارة واحدة من أهم مناطق نفوذها الإستراتيجي، ليس فقط باعتبارها منطقة انتشار، بل باعتبارها مساحة عسكرية مغلقة ارتبط اسمها لسنوات بمخازن الأسلحة ومنشآت التصنيع والتدريب، ولذلك فإن أي محاولة حكومية للوصول إلى عمق المنطقة قد تُقرأ من قبل الكتائب باعتبارها خطوة باتجاه تفكيك بنيتها العسكرية، وليس مجرد إجراء أمني اعتيادي".
تهديدات للزيدي وتصعيد مع الفصائل
ووجهت كتائب حزب الله العراقية، أبرز الجماعات المسلحة الموالية لإيران، أمس الثلاثاء، تهديدات إلى رئيس الوزراء العراقي، مجددة رفضها التخلي عن سلاحها وتسليمه للدولة قبل انسحاب القوات الأميركية والتركية من العراق، وحل قوات البشمركة في إقليم كردستان شمالي البلاد.
وجاءت التهديدات بحق الزيدي بعد ساعات من اعتقال الأمن العراقي قيادياً بارزاً في مليشيا النجباء يُدعى عباس اليعقوبي، ويشغل منصب مسؤول الاستطلاع في المليشيا، وذلك يوم الاثنين الماضي. وتضع هذه التطورات جرف الصخر في قلب المواجهة السياسية والأمنية المقبلة، إذ إن اختبار الحكومة لا يتعلق فقط بقدرتها على فرض حصر السلاح بيد الدولة، وإنما بقدرتها على الوصول إلى مناطق ظلت لسنوات خارج نطاق الحركة الطبيعية للمؤسسات الرسمية.
وبذلك، قد تكون جرف الصخر أول اختبار حقيقي لموعد 30 سبتمبر؛ فإما أن تتحول المهلة الحكومية إلى إجراءات أمنية ملموسة تستعيد من خلالها الدولة السيطرة على المناطق المغلقة، وإما أن تكشف التطورات عن حدود قدرتها على تنفيذ قرارها في مواجهة الفصائل المسلحة.