"جدار الحماية" السياسي في ألمانيا يتصدع: تعايش الضرورة مع "البديل"

10 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
تظاهرة لـ"البديل" في أوغسبورغ، 23 أغسطس 2025 (مايكل أنغوين/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد المشهد السياسي في ألمانيا جدلاً حول "جدار الحماية" ضد حزب البديل من أجل ألمانيا، مع تزايد شعبيته وتراجع دعم الأحزاب التقليدية بسبب إخفاقاتها.
- تتصاعد الخلافات داخل الاتحاد المسيحي الديمقراطي حول التعامل مع حزب البديل، حيث يطالب البعض بفصل واضح بينما يدعو آخرون للحوار، وسط تصريحات مثيرة للجدل حول سياسات الهجرة.
- يتوقع المحللون تحولاً سياسياً في ألمانيا يشبه النموذج الإيطالي، مما يتطلب من الأحزاب التقليدية تحسين أدائها واستعادة ثقة الناخبين لتجنب الفوضى السياسية.

يسود جدل داخل الأحزاب التقليدية في ألمانيا حول جدوى استمرار "جدار الحماية" السياسي مع حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي، بعدما تصدر أرقام استطلاعات الرأي، في مقابل تقلص حضور الآخرين، الذين ابتعد ناخبوهم عن طروحاتهم، نتيجة تراكم إخفاقاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ما المغزى حالياً من التقارب مع البديل من أجل ألمانيا وتداعياته تزامناً مع التحضيرات للحملات الانتخابية البرلمانية التي ستشهدها عدة ولايات خلال الأشهر المقبلة؟

ويشير "جدار الحماية السياسي" في ألمانيا إلى تفاهم غير مكتوب بين الأحزاب التقليدية في البلاد، وهي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد المسيحي الاجتماعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر والحزب الديمقراطي الحرّ، يقضي برفض أي تعاون أو تحالف انتخابي مع حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي أو غيره من القوى المتطرفة، سواء على المستوى الاتحادي أو المحلي، وذلك لمنع اليمين المتطرف من اكتساب شرعية سياسية أو النفاذ إلى مواقع القرار. وهو ما تمّت ترجمته منذ أول ظهور انتخابي لـ"البديل" في الانتخابات التشريعية الألمانية في عام 2013، حين حقق 4.7% من الأصوات.

المعضلة مع البديل من أجل ألمانيا

وتجلّت معضلة "جدار الحماية" مع البديل من أجل ألمانيا في النقاشات والمؤتمرات الحزبية واللجان التنفيذية، وإلى العلن أخيراً في الإعلام والحوارات السياسية التلفزيونية، وسط الخشية من انعدام القدرة على الحكم. ولا أحد يرغب في الاعتراف بـ"البديل" رغم أنه اقترب من صدارة الأحزاب، على الأقل وفقاً لما تظهره أرقام استطلاعات الرأي.

نوربرت ديركسن: أحزاب الائتلاف الحاكم فقدت الدعم الشعبي باكراً

في السياق، شرح بيتر تاوبر الأمين العام السابق لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، وهو حزب المستشار فريدريش ميرز، حججه في ردّ على سؤال خلال مقابلة مع القناة الألمانية الثانية "زد دي أف"، أخيراً، وما يعنيه بتخفيف حدّة الرفض تجاه "البديل". وأوضح أنه يريد نوعاً أكثر انفتاحاً ونهجاً مختلفاً من النقاش الديمقراطي مع حزب مناهض للمهاجرين واليمين، محذّراً: إذا لم نفعل ذلك فسيتم سحق الاتحاد المسيحي. وأضاف قائلاً: إذا كان هذا الجدار الناري لا يؤدي إلا إلى اندفاع حزب البديل من فوز انتخابي إلى آخر، فعليّ أن أسأل نفسي ما الذي يتعيّن فعله لمنع هذه الانتصارات ومن أن تُترجم فوزاً انتخابياً. من وجهة نظر تاوبر يجب تغيير شيء ما في طريقة التعامل مع "البديل"، لأنه في الوضع الحالي لا شيء سيمنع الناس من التصويت لهم. مع العلم أن تاوبر ومعه السياسي السابق كارل تيودور تسوغوتنبرغ، يريدان من "البديل" النأي بنفسه عن أعضائه المتطرفين أمثال بيورن هوكه، وهذا ما يرفضه "البديل" حتى الآن.

موقف معارض لميرز

ومع تعدد الاعتبارات، برزت داخل الاتحاد المسيحي الديمقراطي مقاومة وُصفت بالخطرة بعد تصريحات ميرز المثيرة للجدل حول "مظهر المدن"، وبأن حكومته تريد أن تصحّح إخفاقات سياسة الهجرة وتنفيذ عمليات ترحيل على نطاق واسع، ما اعتُبر أنه قد دخل في محاباة مع "البديل". وتشكلت مجموعة داخلية اتخذت موقفاً معارضاً لخط الحزب وضد المسار الذي رسمه ميرز، وطالب الموقّعون، وعددهم 30 شخصية، في بيانهم التأسيسي بفصل أوضح عن "البديل"، وبعدم خلق أي تعاون سياسي على الإطلاق بين حزبهم والأخير، وعلى الاتحاد المسيحي الديمقراطي ألا يقدّم أي اقتراحات لا يمكن أن تحصل على الأغلبية إلا بأصوات الحزب اليميني الشعبوي. إلى ذلك، شدّد بيان المجموعة المذكورة على أنها ملتزمة بضمان أن تُقدَّم طلبات إلى المحكمة الدستورية الفيدرالية للنظر في عدم دستورية حزب "البديل" وحظره إذا لزم الأمر. وهذا ما يرفضه ميرز مؤكداً من برلين أن هناك عقبات قانونية كبيرة جداً في هذا المضمار، وبدلاً من ذلك يريد أن يتحدّى سياسات اليمين الشعبوي بالحملات الانتخابية البرلمانية في الولايات.

بدوره، قال الباحث السياسي نوربرت ديركسن لـ"العربي الجديد"، إن أحزاب الائتلاف الحاكم فقدت الدعم الشعبي باكراً ولم تعد خطابات ميرز تبعث على الثقة، ناهيك عما يُنذر بفقدان السيطرة على حزبه. علاوة على ذلك، فإن أحزاب المعارضة مثل الخضر والليبرالي الحر تعاني أيضاً من تراجع زخمها السياسي، ولم يعودا قادرين مثلاً على كسب أصوات الناخبين في ولايتي مكلنبورغ فوربومرن وساكسونيا أنهالت اللتين تتحضّران لانتخابات برلمانية في عام 2026. كما أن الاشتراكي الديمقراطي تكبّد خسائر فادحة في ساكسونيا أنهالت، إذ لم يعد كوادره ولا سياسيّوه يتمتعون بقبول واسع، ومن المتوقع أن تشهد ألمانيا في عام 2026 تشكيل حكومة في الولاية بقيادة "البديل"، وبعدها لا يمكن للحكومة الاتحادية رفض التعاون معها.

توقعات بأن تشهد ألمانيا ولادة نموذج إيطاليا ووصول اليمين الشعبوي إلى الحكم في المرحلة المقبلة

من وجهة نظر ديركسن ينبغي على الأحزاب التقليدية خوض نقاشات مدروسة حول كيفية التعامل مع "البديل"، ومن دون استراتيجية واضحة، وبالأخص من الاتحاد المسيحي أكبر أحزاب الائتلاف الحاكم، من المرجّح أن يلحق به ضرر أكبر من النفع، خصوصاً إذا ما اضطرّ مسؤولوه لشرح أو تبرير كل قضية يصوّت معها "البديل" في مجلس الولايات وبرلماناته أو في البوندستاغ (البرلمان الاتحادي الألماني). والخطر يكمن في فقدان الاتحاد المسيحي نفسه في هذا النقاش ومن ثمّ التهميش، كما حدث مع أحزاب أخرى محافظة في أوروبا، وهو مطالب أكثر من غيره بالكفاح للحفاظ على هامش مناورة في التعامل مع "البديل". وكل ذلك وسط خشية من أن تكون سياسة الانفتاح على "البديل" محفوفة بالمخاطر وقد تأتي بنتائج عكسية وتحدث انقساماً في الحزب العريق.

ووفق هذه المعطيات، قال إبراهيم الحايك، وهو ناشط في منظمة ASB التي تنشط في مجال العمل الاجتماعي والحد من مخاطر الكوارث والاستجابة الانسانية، لـ"العربي الجديد" إن هناك تعاوناً مجتمعياً في الولايات الشرقية بين "البديل" والمسيحي الديمقراطي، كما أنه في مدن مثل فرانكفورت وبوتسدام وبلديات أخرى يتزايد عدد رؤساء البلديات غير الحزبيين، لأن المواطنين سئموا من "الأحزاب التقليدية" ويرفضون في الوقت نفسه وبأغلبية ساحقة "البديل" اليميني الشعبوي، وهذا ما قد يزيد المشهد السياسي تشرذماً وتآكلاً. وتبقى الرسالة الأساسية هي أن من يقدّم حلولاً ناجعة ودعماً للمواطنين سيكسب الرهان، رغم أن التواجد في المعارضة عادة ما يكون مصدراً لاستقطاب شعبي للأحزاب.

أمام هذه القراءات، رجّح متابعون أن تشهد ألمانيا ولادة نموذج إيطاليا ووصول اليمين الشعبوي إلى الحكم في المرحلة المقبلة، ثم يتحوّل تدريجياً ليكون براغماتياً كما فعلت جورجيا ميلوني، إذا ما تم تجاهل ما تفرزه أرقام الاستطلاعات. وعليه يتعيّن على أحزاب مثل الاتحاد المسيحي والاشتراكي تعلم الدرس وتقديم أداء أفضل، لعدم الاضطرار مرة أخرى للبحث عن أغلبية للحكم، وبعدها سيكون الجميع أمام صراع محتوم وفوضى سياسية داخلية على وقع الأوضاع المتأزمة، من كبح الديون وتداعيات حرب أوكرانيا ورصد المليارات للتسلّح والتكاليف المرتبطة بالبنية التحتية الحيوية، وإعادة العمل بالتجنيد الإجباري وما إذا كانت ستجدي نفعاً، إلى أزمة الهجرة والأمن الداخلي، أي السعي لاستعادة ثقة الناس وأخذ مخاوفهم واحتياجاتهم على محمل الجد، ومعها زيادة الاستثمارات وخفض الضرائب.

المساهمون