جثث الإسرائيليين في غزة... تعقيدات الميدان وأعلى درجات الاستغلال

30 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 09:26 (توقيت القدس)
"القسام" بعد انتشال جثة محتجز إسرائيلي بخانيونس، 28 أكتوبر 2025 (عبدالله العطار/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استغلال ملف الجثث: يستخدم الاحتلال الإسرائيلي قضية جثث أسراه في غزة كذريعة لانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، من خلال القصف وتقليص المساعدات وعرقلة فتح معبر رفح، بينما تواجه الفصائل المسلحة صعوبات في الوصول إلى الجثث بسبب التدمير الواسع.

- التعقيدات الميدانية والسياسية: تعود صعوبات البحث عن الجثث إلى التدمير ورفض إدخال المعدات، مما يعزز حالة "اللاسلم واللاحرب" ويعيق الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب.

- الأهداف الإسرائيلية والاستراتيجية الثلاثية: تهدف إسرائيل إلى استمرار العدوان وتقويض المقاومة، وخلق كارثة إنسانية لدفع الفلسطينيين إلى "هجرة طوعية"، مع استخدام قضية الجثث لتعطيل أي تقدم في خطة ترامب.

الاحتلال يرفض إدخال المعدات والفرق المتخصصة في استخراج الجثث

كتائب القسام قررت تأجيل تسليم جثة أسير بسبب خروقات الاحتلال

تل أبيب تحاول الترويج لسردية "تلاعب المقاومة بملف الجثث"

يستغل الاحتلال الإسرائيلي ملف جثث أسراه المتبقية في غزة لانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، سواء بالقصف المباشر أو بتقليص دخول المساعدات وعرقلة فتح معبر رفح البرّي مع مصر المغلق رغم الاتفاق على فتحه بعد أيام من إعلان اتفاق وقف النار ودخوله حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الحالي. من جهتها، تواجه الفصائل المسلحة صعوبات حقيقية في الوصول إلى جثث الإسرائيليين في غزة المتبقية لديها، وتعمل وفق المعطيات المعلنة والمشاهدات الميدانية بجد من أجل الوصول إلى المزيد من الجثث.

وأول من أمس الثلاثاء، أعلنت حركة حماس العثور على جثتين جديدتين، إحداهما في خانيونس جنوبي القطاع والأخرى في مخيم النصيرات وسطه. وقرّرت "كتائب القسام"، الذراع العسكرية لحركة حماس، عدم تسليم الجثمانين اللذين تمكنت من استخراجهما الثلاثاء، بسبب خرق الاحتلال للاتفاق، بتنفيذه قصفاً جوياً عنيفاً على غزة، رغم الجهود المكثفة التي جرت لاستخراج الجثتين في ظلّ دخول عدد محدود من المعدات والآليات المصرية لغزة للمساعدة في عمليات انتشال الجثث.

إسرائيل ترفض إدخال المعدات والفرق الفنية القادرة على المساعدة في استخراج الجثث

وطوال ساعات ليل الثلاثاء وصباح أمس الأربعاء، شنّ جيش الاحتلال عشرات الغارات على مدينة غزة أدّت إلى استشهاد 100 فلسطيني على الأقل وإصابة العشرات بزعم الرد على تأخير تسليم جثث الإسرائيليين في غزة ومقتل جندي برصاص قنّاص في مدينة رفح التي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة. ومع عثور الفصائل الفلسطينية على جثتين جديدتين من الأسرى الإسرائيليين، يتبقى 11 جثة إسرائيلية في القطاع من المقرر أن تقوم "حماس" بتسليمها بعد العثور عليها، وسط تقديرات إسرائيلية بعدم وجود معلومات تفصيلية عن نحو 5 جثث، وهو ما قد يعني عدم تسليمها مرحلياً.

عوامل ميدانية معقدة

وسبق أن تحدث رئيس حركة حماس في غزة ومسؤول وفدها المفاوض خليل الحية عن إشكاليات كبيرة في البحث عن جثث الإسرائيليين في غزة المتبقية، مشيراً إلى أن الحركة جادة في إيجاد هذه الجثث، وعدم إعطاء إسرائيل ذريعة للعودة للحرب. وعزا الحية السبب الرئيسي في تعطيل تسليم الجثث المتبقية إلى التغييرات التي حصلت في أرض غزة نتيجة عمليات التدمير والنسف الهائلة، إلى جانب أن بعض الجثث دفنت واستشهدت المجموعات الآسرة من المقاومين المكلفين بحراسة الأسرى. ومنذ بداية الاتفاق في 10 أكتوبر الحالي، سلّمت الفصائل الفلسطينية 20 أسيراً من الجنود الأحياء لديها بالإضافة إلى نحو 15 جثة بعضها قتل خلال الحرب نتيجة للقصف الإسرائيلي وبعضها قتل يوم 7 أكتوبر 2023 مع بداية حرب الإبادة.

وقال مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، أحمد الطناني، إن الصعوبات المرتبطة بالبحث عن جثث الإسرائيليين في غزة تعود إلى عوامل ميدانية معقدة خلقها الاحتلال نفسه، مشيراً إلى أن هذا الملف بات يُستخدم ذريعة سياسية لتثبيت حالة "اللاسلم واللاحرب" ومنع الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأوضح الطناني لـ"العربي الجديد"، أن الجثث ليست جميعها في يد "حماس"، بل تتوزع بين فصائل مختلفة، وبعض المسؤولين عن أماكن احتجازها استُشهدوا خلال الحرب، ما عقّد إمكانية تحديد المواقع بدقة.

وأضاف الطناني، أن عدداً من هؤلاء الجنود قُتل خلال القصف الإسرائيلي العشوائي، إذ استُهدفت مبانٍ وأماكن محصنة كانت تضمّ أسرى أحياء، الأمر الذي أدى إلى دفنهم تحت الركام أو اختفائهم كلياً، مبيناً أن إسرائيل ترفض إدخال المعدات والفرق الفنية القادرة على المساعدة في استخراج الجثث، على الرغم من أن الفصائل في غزة قدمت كل الضمانات الممكنة، بل وبثّت محاولات انتشال الجثامين مباشرة عبر وسائل الإعلام لإثبات حسن نيتها.

ورأى الطناني أن الاحتلال يحاول الترويج لسردية "تلاعب المقاومة بملف الجثث" من أجل تبرير استمرار عدوانه، والحفاظ على حالة استنزاف دائمة في غزة، حيث إن هذه السياسة تمنح الجيش الإسرائيلي حرية الحركة، وتُبقي القطاع في دائرة التوتر الأمني، وتحدّ من قدرة الوسطاء، خصوصاً مصر، على إنجاز ملفات الحكم والإدارة في القطاع"، موضحاً أن تل أبيب تسعى لإفشال أي مسار يمكن أن يُترجم إلى واقع سياسي جديد أو يُعيد ترتيب المشهد الداخلي الفلسطيني.

فراس ياغي: هدف إسرائيل تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب

وأوضح الطناني أن ما جرى من تصعيد محدود يعكس استراتيجية إسرائيلية ثلاثية الأبعاد: أولها استمرار العدوان الإنساني عبر منع المساعدات وإغلاق معبر رفح، لتأكيد أن السيطرة الأمنية تبقى بيد الاحتلال وحده؛ وثانيها تنفيذ ضربات جوية واغتيالات تستهدف كوادر المقاومة لتقويض أي بنية تنظيمية فاعلة؛ وثالثها السعي إلى توسيع رقعة السيطرة الميدانية عبر دفع الخط الفاصل نحو الغرب، وهو ما يعني السيطرة على أكثر من 52% من مساحة القطاع. وأضاف: "بهذه الخطوات يسعى الاحتلال إلى إعادة إنتاج الكارثة الإنسانية، وتهجير من تبقّى من السكان في المناطق الحدودية، بما يرسّخ هدفه الإستراتيجي بإقناع الفلسطينيين أن قطاع غزة لم يعد صالحاً للحياة". وأشار إلى أن هذا الهدف يُترجم عملياً بمحاولات ممنهجة لدفع الغزيين إلى "هجرة طوعية"، في حين أنها في الواقع "هجرة قسرية مغلفة بسياسات العقاب الجماعي".

جثث الإسرائيليين في غزة... أداة تعطيل

بدوره، قال المختص في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي، إن إسرائيل تتعامل مع ملف جثامين الجنود الأسرى في غزة على أنها ورقة سياسية مركّبة، هدفها تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، التي تتضمن انسحاباً تدريجياً من القطاع وبدء مسار تفاوضي جديد. وأضاف ياغي لـ"العربي الجديد"، أن نتنياهو يستخدم قضية الجثامين لتبرير استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في عمق قطاع غزة بحجة "البحث عن المفقودين"، مشيراً إلى أن المؤسسة الأمنية والعسكرية في إسرائيل تدرك تماماً أن بعض الجثث قد فُقد أثرها نتيجة القصف الكثيف والتدمير الواسع الذي غيّر معالم القطاع بالكامل، وهو ما يجعل استعادتها أمراً بالغ الصعوبة.

وأوضح ياغي أن رئيس المعارضة يئير لبيد كان واضحاً حين دعا إلى عدم جعل ملف الجثامين عقبة أمام تثبيت وقف إطلاق النار، لكن الحكومة الحالية تتجاهل ذلك، مفضلةً استثمار الموقف داخلياً، لافتاً إلى أن تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن نحو خمس جثث مفقودة لا يُعرف مصيرها حتى الآن، وأن عمليات البحث تتطلب معدات ثقيلة وفرق إنقاذ متخصصة. وأشار ياغي إلى أن الموقف الأميركي لا يزال متراخياً، إذ تمنح إدارة دونالد ترامب وحلفاؤها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هامشاً واسعاً من الحركة في الميدان، سواء من خلال غضّ الطرف عن الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار أو في استمرار القيود على معبر رفح وإدخال المساعدات. وعن الخيارات المُتاحة في حال استمرار التعثر، اعتبر أن الموقف الأميركي هو العامل الحاسم، وإذا قرّرت واشنطن ممارسة ضغط جدي يمكن تنفيذ الخطة بغض النظر عن تسليم الجثامين، لكن المؤشرات الحالية تدل على أن الإدارة الأميركية لا تريد إضعاف نتنياهو في هذه المرحلة.

تقارير عربية
التحديثات الحية