تيار الصقور الأميركي يفرض خياره في فنزويلا

03 يناير 2026   |  آخر تحديث: 19:39 (توقيت القدس)
كاراكاس بعد الهجمات الأميركية، 3 يناير 2026 (ليوناردو فرنانديز فيلوريا/رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- منذ بداية ولاية ترامب الثانية في يناير 2025، تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا بشكل كبير.
- زادت واشنطن العقوبات على فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو، متهمة إياه بتهم تتعلق بالمخدرات.
- رفعت الولايات المتحدة مكافأة القبض على مادورو إلى 50 مليون دولار، مما يعكس تصعيدًا في الضغوط السياسية والاقتصادية على فنزويلا.

لم يكن اليوم الفنزويلي الطويل، اليوم السبت، خارج سياق التوقعات، أقله بشنّ الأميركيين ضرباتٍ على البرّ الفنزويلي، إذ جهّزت الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب

، الأرضية لعملها العسكري، منذ تبوؤ الرئيس الجمهوري منصبه في ولايته الثانية في 20 يناير/كانون الثاني 2025. ومهّدت الوتيرة التصاعدية للعقوبات على فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو في الأشهر الماضية، الطريق للحظة صدام/انقضاض حتمية، وذلك عبر رفع واشنطن مبلغ "الجائزة" على رأس مادورو، من 25 إلى 50 مليون دولار، بتهمة الاتجار بالمخدرات و"رئاسته" كارتيل "لوس دي سوليس"، المكون من عصابات تورّد المخدرات إلى الولايات المتحدة، وفق الأميركيين. وتمّ تصنيف هذه العصابة مع عصابات أخرى بصفتها "منظمات إرهابية"، وينطبق عليها مفاعيل جواز استخدام القوة العسكرية نفسها، التي تواجه فيها واشنطن منظمات مثل حركة الشباب في الصومال، والقاعدة في اليمن، وداعش في العراق وسورية، على سبيل المثال.

اعتقال مادورو وزوجته في فنزويلا

وأثبت اقتحام مجموعة "دلتا فورس"، وهي من نخبة القوات الأميركية الخاصة، كاراكاس، واعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، أمس الجمعة، انتصار تيار الصقور في الإدارة الأميركية، الرافض للحلول السياسية مع مادورو. وأبرز صقور هذا التيار، هو وزير الخارجية ماركو روبيو (من أصول كوبية)، الذي كان من الداعين لإطاحة مادورو، حتى إنه في الشهر الأخير رفع من مستوى تصريحاته التصعيدية، ومنها قوله في الثالث من ديسمبر/كانون الأول الماضي، إن "فنزويلا باتت موطئ قدم لإيران والحرس الثوري الإيراني وحتى حزب الله"، مشيراً إلى أن النظام الفنزويلي أصبح "مصدر زعزعة للاستقرار في المنطقة بأسرها". كذلك، أكد في 19 ديسمبر الماضي، أن الوضع الراهن في ما يخص فنزويلا لا يحتمل ويجب تغييره. وقال روبيو: "من الواضح أن الوضع الراهن بشأن النظام الفنزويلي لا يُحتمل في ما يخص الولايات المتحدة"، مضيفاً أن واشنطن "غير قلقة من حدوث تصعيد مع موسكو في ما يتعلق بفنزويلا لأن روسيا لديها الكثير من المشكلات في أوكرانيا".

منح ترامب مادورو في نوفمبر أسبوعاً واحداً لمغادرة فنزويلا


 

وبعد عملية اليوم السبت، نقلت وكالة رويترز عن عضو في مجلس الشيوخ الأميركي، لم تسمّه، كشفه أن "روبيو أخبرني بأن مادورو سيحاكم بتهم جنائية في أميركا". وتوّجت عملية اعتقال مادورو وزوجته عاماً طويلاً ومكثفاً من الضغط الأميركي، الذي بدأ في 20 يناير 2025، أي في اليوم نفسه الذي بدأت فيه ولاية ترامب الرئاسية رسمياً، عبر توقيع الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً يمهد الطريق لمنظمات إجرامية وعصابات المخدرات لتصنيفها "منظمات إرهابية أجنبية"، من بينها عصابة "ترين دي أراغوا" الفنزويلية، وذلك على الرغم من نفي مجتمع الاستخبارات الأميركي ادعاء ترامب بأن إدارة مادورو تعمل مع ترين دي أراغوا وتساهم في تهريب المخدرات والهجرة غير النظامية إلى الولايات المتحدة. وفي 20 فبراير/شباط الماضي، أعلنت إدارة ترامب رسمياً أن ثماني منظمات إجرامية في أميركا اللاتينية هي "منظمات إرهابية أجنبية".

وبدا واضحاً أن آثار الولاية الأولى لترامب (2017 ـ 2021) برزت في خلفية تصعيده مع فنزويلا، وذلك لكونه في الأساس رافضاً لشرعية الرئيس الفنزويلي، واعترف برئيس البرلمان السابق المعارض، خوان غوايدو رئيساً شرعياً لفنزويلا، في عام 2019، ثم استقبله في البيت الأبيض في عام 2020. في المقابل، وصف مادورو، إدارة ترامب في الولاية الأولى، بأنها "عصابة من المتطرفين". واعتبر مادورو في عام 2019 أن الإدارة الأميركية: "ترغب في العودة إلى القرن العشرين الذي كانت فيه حكومات المنطقة تخصع لها". وأضاف أن أميركا اللاتينية ودول الكاريبي "لا يمكن أن تكون الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة. وبدا أن ترامب مستعجل لإنهاء ملف فنزويلا، عبر إعلان نشر القوات الأميركية ثلاث مدمرات محمّلة بصواريخ موجّهة وجنود وطائرات في المياه الدولية قبالة السواحل الفنزويلية. وفي الثاني من سبتمبر/أيلول الماضي، باشر الأميركيون توجيه أولى ضرباتهم على زوارق محمّلة بالمخدرات، وفق زعمهم، تبحر باتجاه الولايات المتحدة. ولتفادي الإشكالات الدستورية مع الكونغرس، وحتى داخل الحزب الجمهوري، أعلن ترامب في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن عصابات المخدرات هم "مسلحون غير قانونيين"، وأنّ "الولايات المتحدة في صراع مسلح معهم".

وفي الثامن من أكتوبر الماضي، صوّت الجمهوريون في مجلس الشيوخ ضد تشريع كان سيطلب من ترامب الحصول على تفويض من الكونغرس قبل شنّ ضربات عسكرية إضافية. وفي 15 أكتوبر الماضي، كشف أنه سمح لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) بتنفيذ عمليات سرية داخل فنزويلا، و"يدرس تنفيذ عمليات برية" داخل الأراضي الفنزويلية. في 16 أكتوبر، برز مؤشر على تطور الوضع الميداني تجاه فنزويلا، مع إعلان الأدميرال ألفين هولسي، قائد القيادة الأميركية الجنوبية، استقالته، رغم أنه لم يمرّ عام على تعيينه في منصبه، في عهد الرئيس السابق جو بايدن، في منصب كان من المفترض أن يستمر فيه ثلاث سنوات. وفي 20 أكتوبر الماضي، دعا النائب الديمقراطي، آدم سميث، إلى جلسة استماع للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، حول ضربات القوارب. واعتبر في بيان، تعليقاً على استقالة هولسي، أنه "لا أتذكر خلال أكثر من 20 عاماً في اللجنة، أن رأيت قائداً مقاتلاً يغادر موقعه مبكراً وفي ظل هذا الاضطراب... لم أر من قبل نقصاً مذهلاً في الشفافية من قبل الإدارة والوزارة (وزارة الحرب) لإبلاغ الكونغرس بشكل فعال باستخدام القوة العسكرية القاتلة".

مع ذلك، وجّه وزير الحرب، بيت هيغسيث، أمراً في 24 أكتوبر الماضي، لحاملة الطائرات "يو أس أس جيرالد فورد"، بالتوجه إلى المنطقة، في خطوة تصعيدية، لكون الحاملة هي الأحدث والأكبر في البحرية الأميركية، وتعمل بالطاقة النووية، وتُعد رمزاً للتفوق البحري الأميركي وتُكلّف مليارات الدولارات، وتضم أكثر من 75 طائرة. ومع استمرار الهجمات على القوارب في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ ومقتل العشرات، دعا رئيس لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك، في 31 أكتوبر الماضي، إلى إجراء تحقيق في الضربات، في أول إدانة من نوعها من قبل منظمة تابعة للأمم المتحدة. ونقلت رافينا شامداساني، المتحدثة باسم مكتب تورك، رسالته في إحاطة: "يجب على الولايات المتحدة وقف مثل هذه الهجمات واتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع القتل خارج نطاق القانون للأشخاص على متن هذه القوارب".

ترامب رفض عدة طلبات من مادورو خلال مكالمة هاتفية قصيرة في 21 نوفمبر الماضي

 

ترامب يرفض طلبات مادورو

وفي السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، رفض الجمهوريون في مجلس الشيوخ تشريعاً كان سيحد من قدرة ترامب على إصدار أمر بهجوم على الأراضي الفنزويلية من دون إذن من الكونغرس. وفي 11 نوفمبر الماضي، أطلقت الحكومة الفنزويلية ما وصفته بـ"التعبئة الضخمة" لقواتها ومتطوعين لمدة يومين، وذلك بمواجهة مواصلة التحشيد الأميركي، ووصول عدد الجنود المنتشرين على حاملات الطائرات في البحر الكاريبي إلى 12 ألف جندي، في عملية أطلق عليها هيغسيث اسم "عملية الرمح الجنوبي". وفي 16 نوفمبر الماضي، تطرق ترامب إلى احتمال إجرائه محادثات مع مادورو، وهو ما حصل لاحقاً، فقد نقلت وكالة رويترز عن أربعة مصادر مطلعة، أن ترامب رفض عدة طلبات من مادورو خلال مكالمة هاتفية قصيرة في 21 نوفمبر الماضي، وحدد له مهلة لمغادرة فنزويلا مع أفراد أسرته إلى الوجهة التي يختارها. ووفقاً للوكالة، فقد أخبر مادورو نظيره الأميركي بأنه مستعد لمغادرة فنزويلا شريطة أن يحصل هو وأفراد أسرته على عفو كامل، يشمل رفع جميع العقوبات الأميركية وإنهاء قضية يواجهها أمام المحكمة الجنائية الدولية. وأضافت المصادر أن مادورو طلب أيضاً رفع العقوبات عن أكثر من 100 مسؤول في الحكومة الفنزويلية، كثيرون منهم تتهمهم الولايات المتحدة بانتهاك حقوق الإنسان أو الاتجار بالمخدرات أو الفساد.

كما طلب الرئيس الفنزويلي أن تقود نائبته ديلسي رودريغيز حكومة مؤقتة قبل إجراء انتخابات جديدة، وفقاً للمصادر. ورفض ترامب معظم هذه الطلبات خلال المكالمة التي استمرت أقل من 15 دقيقة، لكنه أخبر مادورو بأنّ لديه أسبوعاً لمغادرة فنزويلا إلى الوجهة التي يختارها مع أفراد أسرته. وفي العاشر من ديسمبر/كانون الأول الماضي، سيطرت الولايات المتحدة على ناقلة نفط فنزويلية، بزعم أن الناقلة كانت متورطة في "شبكة شحن نفط غير قانونية تدعم منظمات إرهابية أجنبية"، بحسب وزيرة العدل بام بوندي. وفي 16 ديسمبر الماضي، أمر ترامب بحصار جميع "ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات"، داعياً شركات الطيران إلى تفادي التحليق في الأجواء الفنزويلية. وفي 29 ديسمبر الماضي، أعلن ترامب أن جيشه استهدف منشأة على الأرض تُستخدم لتحميل المخدرات في قوارب، في أول هجوم بري من نوعه، رافضاً الكشف عن مكان الاستهداف وزمانه.