تونس: تفاؤل سرعان ما أحبطه الرئيس

تونس: تفاؤل سرعان ما أحبطه الرئيس

18 يونيو 2021
الصورة
وجد سعيد نفسه مرة أخرى يصطدم بالجميع تقريباً (ياسين قايدي/الأناضول)
+ الخط -

تتوالى الأحداث في تونس بشكل سريع، لكنها تفتقر إلى التجانس، وتعمّق الحيرة والضبابية لدى الفاعلين المحليين وكذلك المراقبين في الداخل والخارج. كان آخر هذه الأحداث إعلان الرئيس قيس سعيّد عن قبوله مرة أخرى بالحوار، وهو ما أشاع حالة من التفاؤل جعلت الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، يصرح بأنّ الخروج من الأزمة "بات قريباً"، مضيفاً بعد لقائه سعيّد يوم الجمعة الماضي، أنّ "التنازل من شيم الكبار". بعد أربعة أيام، اجتمع سعيّد بحضور رئيس الحكومة هشام المشيشي، في جلسة هي الأولى من نوعها، مع عدد من رؤساء الحكومات السابقين، بمن فيهم علي العريض الأمين العام السابق لحركة النهضة. اجتماع مطوّل خلّف وراءه العديد من الأسئلة، وأبرزها: هل بدأ الحوار أم لا يزال مؤجلاً؟
صحيح أن المشيشي دُعي هذه المرة بصفته رئيساً للحكومة وليس وزيراً للداخلية بالنيابة، لكنه بدا مستمعاً أكثر منه مشاركاً. ثمّ ما أهمية حضور مسؤولين سابقين أصبحوا عملياً خارج الخدمة، في وقت غاب فيه الفاعلون السياسيون والاجتماعيون؛ أي الأحزاب والمنظمات الرئيسية، وفي مقدمتها "اتحاد الشغل"؟ هذا الاتحاد الذي استغرب ما جاء على لسان قيس سعيّد الثلاثاء الماضي، عندما وصف الحوار الذي قاده الرباعي ("الاتحاد العام التونسي للشغل" و"الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية" و"الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين" و"الرابطة التونسية لحقوق الإنسان") في سنة 2014 بالفاشل، وهو ما دفع بالمسؤول عن الإعلام في الاتحاد غسان القصيبي، إلى التعقيب بدفع من القيادة النقابية، إذ قال في منشور عبر صفحته بموقع فيسبوك أول من أمس الأربعاء إن "التشكيك في الحوار الوطني موقف خاطئ من الرئيس". وأضاف القصيبي بلهجة ناقدة: "لولا الحوار الوطني لدخلت البلاد في حرب أهلية ولما تحقق الانتقال الديمقراطي، والتشكيك في ذلك تشكيك في كامل المنظومة، لأن الحوار الوطني الذي تم، يعتبر مفخرة أدخلت تونس إلى التاريخ"، في إشارة إلى جائزة نوبل للسلام التي مُنحت للرباعي. ويعكس هذا التعقيب عمق الحيرة التي تنتاب حالياً القيادة النقابية في تعاملها مع رئيس الجمهورية. 

الحيرة تنتاب اتحاد الشغل لناحية تعامله مع رئيس الجمهورية

تتعلق المسألة الأخرى التي أربكت أطرافاً عديدة بهوية الطرف الذي يحدد أجندة الحوار، هل هو رئيس الدولة بمفرده؟ أم عليه استشارة بقية الأطراف المعنية بهذه المسألة؟ لأن ما حصل حتى الآن، أن الرئيس حدّد طبيعة الحوار الذي يقصده، واعتبره الثلاثاء الماضي، غير تقليدي، ووضع أجندته التي تتمثل في تغيير النظام السياسي من خلال مراجعة الدستور وصياغة قانون انتخابي جديد، على الرغم من علمه بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحارقة التي تهدد بتقويض الدولة. لهذا تدخلت حركة "النهضة" لتعلن عبر مستشارها السياسي رياض الشعيبي، أن رئيس الدولة ليس طرفاً في الحوار، وإنما هو مشرف فقط عليه من دون أن يكون له تحديد جدول أعماله ولا كيفية إدارته، وأنه فوق الأحزاب والكتل. وأضاف الشعيبي في حديث لوسائل إعلام محلية الأربعاء الماضي، أنّ ما قاله رئيس الجمهورية في ما يتعلق بما سيفضي إليه الحوار من تغيير النظام السياسي والنظام الانتخابي والدستور هو "وجهة نظر ليس هناك اتفاق حولها لدى مختلف الفاعلين السياسيين"، وأن الحركة "متمسكة بوثيقة الحوار الوطني التي نشرها اتحاد الشغل، والتي تركز على التباحث حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والقضايا السياسية المتعلقة بها، لا أكثر".

لم تقف الاعتراضات على ما ذكره الرئيس عند حركة النهضة وحلفائها، بل شملت أيضاً حزب التيار الديمقراطي الذي يفترض أن يكون من بين المؤيدين للرئيس والمتضامنين معه في الأزمة السياسية الراهنة. إذ دعا النائب عن الحزب لسعد الحجلاوي، أول من أمس الأربعاء، رئيس الدولة إلى "الانسجام في تصريحاته"، معتبراً أن دعوة سعيد إلى تغيير النظام السياسي "لا يمكن أن تحصل إلا عبر تغيير الدستور وإرساء المحكمة الدستورية"، مشدداً على أن "رئيس الجمهورية يعي جيداً استحالة ذلك". وشدد على ضرورة أن يكون الحوار الوطني "جامعاً لكل الأطراف السياسية، لا أن يكون مجرد فكرة طرحها رئيس الجمهورية، والتي ستخلق الزعيم الأوحد". كما اعتبر الأمين العام للحزب، غازي الشواشي، أن تغيير النظام السياسي "لا يشكل أولوية الآن"، وأن حزبه يختلف مع سعيّد حول طبيعة النظام السياسي البديل.

من جهتها، تمسكت حركة الشعب على لسان أحد كوادرها، النائب هيكل المكي، بضرورة استقالة المشيشي كمقدمة ضرورية لإطلاق الحوار، مشيراً إلى أن الحركة قد تضطر إلى عدم المشاركة إذا لم يتحقق هذا الشرط.

وضع سعيّد أجندته للحوار والتي تتمثل في تغيير النظام السياسي من خلال مراجعة الدستور وصياغة قانون انتخابي جديد

أما المسألة الأخيرة التي أحدثت هزّة في الأوساط السياسية، فهي المتعلقة بـ"مساعي اغتيال سعيّد"، ولكنها بقيت معلقة لغياب معطيات إضافية تحدد هوية من أقدم على الاتصال بأطراف خارجية، وسافر خصيصاً للتباحث حول إزاحة رئيس الجمهورية بكل الطرق والوسائل، بما في ذلك اغتياله. وكان سعيّد صرّح بهذه المعلومات في لقائه الأخير برؤساء الحكومات من دون أن يدعم الخبر بمعطيات تكون دقيقة، ومن دون أن يقدم على اتخاذ قرارات ترتقي إلى مستوى جريمة الشروع في قتل رئيس الدولة. لهذا طالبت العديد من الأطراف النيابة بفتح تحقيق قضائي عاجل لتحديد المسؤوليات، نظراً لخطورة ما أعلن عنه رئيس الجمهورية.

هكذا أبدى سعيد استعداده للشروع في الحوار، لكنه منذ الخطوة الأولى كان واضحاً في كونه يريد أن يوجه هذا الحوار، وأن يضع له شروطاً وآليات تنسجم كلياً مع فلسفة الحكم التي يؤمن بها، والتي تستند إلى منظومة سياسية تنطلق من تحت إلى فوق، أو ما كان يسميه اليساريون الراديكاليون بالنظام المجالسي (بما يتعارض مع النظام السياسي القائم على التمثيلية الحزبية ضمن النظام البرلماني). سعيد يريد إقامة هذا النظام على الرغم من تعارضه مع النظام القائم الذي حدده دستور 2014، ويعمل على الدفع ببقية اللاعبين الرئيسيين نحو المشاركة بشكل ما في هذا التحوير الجذري من دون المرور حتماً بالبرلمان في نظام شبه برلماني. لهذا، وجد نفسه مرة أخرى يصطدم بالجميع تقريباً، بما في ذلك شركاؤه. بناء عليه، ستبقى الأزمة السياسية في تونس قائمة ما لم يتراجع الرئيس عن فكرته، أو يبحث لها عن مسوغ سياسي ودستوري ويطرحها على الجميع للمناقشة والنظر، أو يمرّ نحو الدعوة إلى تنظيم استفتاء وطني حول تغيير النظام السياسي، وهي مسألة يوجد انقسام حاد بين الأطراف السياسية حولها.

المساهمون