تونس: القضاء مستقل لكن القضاة غاضبون

20 نوفمبر 2020
الصورة
خلال وقفة احتجاجية للقضاة في تونس (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

عندما يدخل القضاة إضراباً لمدة خمسة أيام، فذلك يعني أنهم في حالة غضب شديد، وأنّ صبرهم قد نفد. والتونسيون يتساءلون عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى عدم تحسّن أوضاع السلطة القضائية، حسب اعتقاد أصحابها، بعد مرور عشر سنوات على الثورة.
بدأت محنة القضاء في تونس مع الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. تخرّج الرجل من الجامعات الفرنسية، وأصبح محامياً، كما أنه مطّلع جيّد على ما كتبه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في مؤلفه "روح القوانين" وغيره من فلاسفة عصر الأنوار، وهو ما جعله مدافعاً شرساً عن المنظومة القانونية الفرنسية التي استمد منها معظم الإصلاحات التشريعية التي أقدم عليها بعد الاستقلال. لكن مع ذلك، لم يعمل على ضمان استقلالية القضاء الذي بقي طيلة عهده خاضعاً لإرادة السلطة التنفيذية، ومنفذاً لرغبات رجل السياسة ممثلاً في مؤسس الدولة الوطنية. ولعل معركة بورقيبة مع منافسه صالح بن يوسف (أحد قادة الحركة الوطنية بزمن الاستعمار) قد عززت لديه الرغبة في التحكم في القضاء حتى يتمكّن من الانفراد بالسلطة، ويضعف خصومه الذين تعددت اتجاهاتهم ومشاربهم؛ بدءاً من اليسار والقوميين وصولاً إلى الإسلاميين.


مسيرة إصلاح السلطة القضائية لم تكتمل

أمّا الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، فمن طبعه وتكوينه العسكري، لم يكن من أنصار المدافعين عن استقلالية السلطة القضائية التي احتاج لها كثيراً في معركته ضدّ حركة "النهضة"، كما لجأ إليها في ملفات أخرى عديدة. لهذا، عمل على اختراق صفوف القضاة، ونجح في ضرب جمعيتهم، وأيد الانقلاب على هيئتها الشرعية المنتخبة.

كان إخضاع القضاة يتم عبر العديد من الوسائل، من بينها إنشاء المحاكم الاستثنائية مثل محكمة أمن الدولة، وعبر المجلس الأعلى للقضاء الذي كان يترأسه وجوباً رئيس الدولة، ويتدخل وزير العدل بعمله. وعن طريق هذا المجلس، يتم التحكم في مصير القضاة مهنياً وإدارياً.

تغيّر المشهد كثيراً بعد الثورة. بدأ هذا التغيير بدستور 2014، الذي اعتبر القضاء "سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات، والقاضي مستقل ولا سلطان عليه في قضائه لغير القانون". كما تمّ أيضاً سحب السلاح الذي كان يستعمله رئيس الدولة ضدّ القضاة، وذلك بتحرير المجلس الأعلى للقضاء من أي هيمنة سياسية وإدارية، إذ أصبح المجلس مستقلاً بالكامل، يُنتخب أعضاؤه بحرية من قبل عموم القضاة. وبذلك يكون القاضي مسؤولاً أمام ضميره فقط.

رغم الإجراء الثوري، لم يغلق ملف القضاء. ويعود ذلك إلى سببين على الأقل. يتعلّق الأول بالأوضاع المادية والمالية والصحية للقضاة إلى جانب ظروف العمل. وانطلقت الشرارة في هذا الإطار أخيراً، من وفاة ثلاث قاضيات بعد إصابتهن بفيروس كورونا. وبناءً على ذلك، أصدرت "جمعية القضاة التونسيين" بياناً طالبت فيه بـ"تطوير المنظومة العلاجية للقضاة ومداواتهم بالمستشفى العسكري"، وندّدت بما وصفته بظروف العمل "الكارثية" في المحاكم، إضافة إلى الظروف المادية "المتردية" للقضاة، وتعطيل ملف الإصلاحات الشاملة بخصوص سنّ النظام الأساسي الجديد وقانون التفقدية والوضع القانوني لتأجير القضاة وقدراتهم على مجابهة كلف الحياة ومصاريف التداوي والعلاج.

أما السبب الثاني، فيتعلق بالاتهامات الموجهة للقضاة من قبل المواطنين وعموم الطبقة السياسية والإعلاميين. هناك تشكيك واسع في نزاهة بعض القضاة، ويجري تعميم ذلك ليشمل عموم الأسرة القضائية، حتى أصبح هذا الأمر حالة متفشية في وسائل الإعلام، وحتى داخل البرلمان. ففي جلسة علنية عقدت أخيراً، وصف أحد النواب القضاء بكونه "صندوقاً أسود". كما تم اتهام أحد القضاة الكبار بالفساد والرشوة. وهو ما أثار غضباً واستنكاراً واسعاً في صفوف القضاة، وعمّق الأزمة بينهم وبين مجلس النواب. فالفرق شاسع بين مكانة القضاة، وبين الصورة الرائجة عنهم لدى الرأي العام.


خلافات واضحة ومؤكدة لا تزال تشق الأسرة القضائية

الأكيد أنّ مسيرة إصلاح السلطة القضائية لم تكتمل، وأنّ المراجعات العميقة التي تمت المطالبة بها منذ فترة طويلة بقي جزء هام منها معلّق بانتظار توفّر الظروف الملائمة، ومن بينها الإرادة السياسية، وهو ما جعل الحكومات المتعاقبة "تعجز" عن القيام بذلك، وتكتفي بغضّ الطرف أو القيام بتسويات جزئية من أجل ترضية القضاة والتخفيف من شعورهم بالإحباط.

لا شكّ في أنّ خلافات واضحة ومؤكدة لا تزال تشق الأسرة القضائية، وهو ما يجعل قدرة القضاة على تحقيق مطالبهم تبقى محدودة، رغم تمتعهم باستقلالية كاملة عن السلطة التنفيذية. كما أنّ سعي الأحزاب الكبرى نحو استمالة قضاة إلى جانبها، قد ضاعف من حالة الغموض، وأكد استمرار التداخل بين المجالين القضائي والسياسي. وبما أنّ تعاقب الحكومات بنسق سريع أصبح أمراً ملازماً للمشهد السياسي، فقد زاد ذلك من حالة الغموض التي تحيط بهذه المؤسسة الاستراتيجية.

لا ديمقراطية فعلية بدون استقلالية القضاء، وإعمال القانون وضمان العدالة. تونس في هذا المجال لا تزال تقف في وسط الطريق.

المساهمون