توجيه بزشكيان لإطلاق المفاوضات النووية: ما الدلالات وفرص النجاح؟
استمع إلى الملخص
- يعتقد الخبير سلمان كديور أن القيادة تمنح الحكومة هامشاً للتحرك ضمن خطوط حمراء، مثل حظر التفاوض بشأن البرنامج الصاروخي، مع وجود ضغوط إسرائيلية قد تؤدي إلى فشل المفاوضات.
- يؤكد الناشط حميد رضا جلائي بور أن القرار مؤسسي وبدعم من المجلس الأعلى للأمن القومي، مع ظروف ملائمة للتوصل إلى اتفاق رغم الضغوط العسكرية الأميركية.
في خطوة هي الأولى من نوعها، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اليوم الثلاثاء، إصداره تعليمات لوزير الخارجية عباس عراقجي لإطلاق مفاوضات مشروطة مع واشنطن، الأمر الذي أثار تساؤلات حول خلفيات ذلك وأهدافه، خاصة عما إذا كانت الخطوة تأتي في سياق التجاذبات بين الإصلاحيين والمحافظين وموقفهما المختلف من عملية التفاوض، حيث إنه لم يسبق خلال المفاوضات منذ قرابة عقدين أن يصدر رئيس إيراني أمراً بالتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، لكون ذلك من صلاحيات القيادة الإيرانية والمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الذي يتكون من سلطات سيادية أخرى إضافة إلى الحكومة.
وقال بزشكيان في تغريدة على منصة "إكس": "نظراً لمطالب دول صديقة في المنطقة للرد على طلب الرئيس الأميركي للتفاوض أمرت وزير الخارجية بأنه حال وجود فضاء مناسب خال من التهديد وبعيد عن مطالب غير منطقية يمهّد لمفاوضات عادلة ومنصفة على أساس العزة والحكمة والمصلحة في إطار المصالح الوطنية". وعلق نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه على تغريدة بزشكيان بالقول: "ليست هناك أي حرب جيدة كما أن أي سلام لا يعني استسلاماً".
هامش للمناورة
وقدّر الخبير الإيراني سلمان كديور في مقابلة مع "العربي الجديد" أنّ القيادة الإيرانية لا ترى المفاوضات مجدية، لكنها في الوقت نفسه لم تقيّد يد الحكومة، بل منحت الرئيس الإيراني هامش التحرك ضمن الخطوط الحمراء المحددة، ولا سيما حظر التفاوض بشأن البرنامج الصاروخي والسياسات الإقليمية، وذلك بهدف إقناع الرأي العام. وأوضح كديور أنّ نهجاً مماثلاً اعتُمد خلال الجولات السابقة من المفاوضات، إذ لم يتهم الرأي العام، بعد الهجوم الأمير كي، الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتقصير أو بعدم السعي إلى التفاوض.
ورأى أنّ الحكومة مُنحت هذه المرة مساحة أوسع من المرونة والليونة في الملف النووي، معتبراً أنّ هذه المفاوضات، في مرحلتها الأولى، تمثّل إتمام حجّة للطرفين. وبيّن الخبير الإيراني أنّ الطرف الأميركي يدخل المفاوضات بدايةً بقصد إقناع الرأي العام في الولايات المتحدة والعالم بأنّه خاض المسار التفاوضي، وأنّ إيران هي التي رفضت. وأضاف أنّ الأمر نفسه ينطبق على الطرف الإيراني، لكن مع فارق أساسي، وهو أنّه في حال فشل المفاوضات ووقوع هجوم عسكري ستُعزى الأسباب إلى الشروط غير المنطقية والمطالب المبالغ فيها من الجانب الآخر.
غير أن كديور يرى أن ارتفاع كلفة الحرب الشاملة يزيد من الدافعية لدى الطرفين لتسوية الخلافات عبر التفاوض، رغم أنّ الفجوة بين المطالب ما زالت واسعة، فضلاً عن ضغط اللوبي الإسرائيلي الذي "يشكّل عاملاً إضافياً قد يدفع بالمفاوضات نحو الفشل". وختم الخبير الإيراني سلمان كديور بالقول إنّ تهديد إيران بتحويل أي مواجهة إلى حرب إقليمية والرد الواسع وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم أمام مفترق طرق شديد المخاطر.
ضغط إصلاحي للتفاوض
في المقابل، أكد الأمين العام لحزب الخُضر المحافظ حسين كنعاني مقدّم أنّه لا ينبغي منح واشنطن فرصة تفاوضية جديدة بناء على تجربة حرب يونيو/حزيران، عندما كانت إيران منخرطة في مسار تفاوضي، في حين أقدمت الولايات المتحدة على هجوم مباغت. وأضاف أنّ التيار الإصلاحي يعتمد في سياساته على نهج "الضغط من الأسفل والسيطرة من الأعلى"، متهماً إياه بالسعي إلى "إيصال النظام إلى طريق مسدود تحت ذريعة التفاوض"، وقال إن التيار يريد أن "يدعي لاحقاً أنّ القيادة هي التي منعت حلّ الأزمة".
وأوضح أنّ هذا الخطاب يُعاد ترويجه حالياً من خلال الإيحاء بأن "العقبة الأساسية أمام المفاوضات هي قائد الثورة الإسلامية". وأشار كنعاني مقدّم إلى أنّ القيادة أكدت مراراً أنّ التجربة أثبتت عدم جدوى هذه المفاوضات، موضحاً أنّ طبيعة مطالب الطرف المقابل معروفة سلفاً، وأنه لا يرضى بأقل من الاستسلام. وفي الوقت نفسه، بيّن أنّ الرئيس يستطيع ضمن السياسات الخارجية التي يحددها القائد أن يصدر توجيهاً بدخول جهة ما أو وزارة الخارجية في مسار تفاوضي، لكن هذا القرار، بحسب قوله، يجب أن يصدر عبر المجلس الأعلى للأمن القومي.
وفي هذا السياق، قالت صحيفة "كيهان" الإيرانية المحافظة، اليوم الثلاثاء، إن التفاوض مع الولايات المتحدة "خداع"، مؤكدة أن الخيار الوحيد هو التهديد. وتابعت أن رد إيران على هذا المستوى من التهديدات ونقض العهود لا يكمن في الجلوس إلى طاولة المفاوضات، "بل في تعزيز عناصر القوة والحفاظ على حالة الجاهزية الكاملة". وخلصت الصحيفة الإيرانية إلى أن الرد على التهديد اليوم لا يكون إلا بـ"التهديد القوي"، معتبرة أن منطق الاستكبار لا يعرف سوى لغة القوة بوصفها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الردع.
توجيه بزشكيان قرار مؤسسي
بدوره، اعتبر الناشط الإصلاحي الإيراني حميد رضا جلائي بور، في مقابلة مع "العربي الجديد"، أن الساحة السياسية في إيران تشهد مثل أي بلد آخر بطبيعتها اختلافات في وجهات النظر بين القوى السياسية حول القضايا الكبرى، مثل مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة. وأوضح أن القرار الأخير لحكومة الرئيس مسعود بزشكيان بإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة "لا يُعد قراراً شخصياً أو قائماً على أذواق فردية، بل هو نتاج قرار صادر عن مؤسسات حاكمة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للأمن القومي، ويتمتع بغطاء مؤسسي وسيادي واضح".
وأضاف أنه "خلافاً للشائعات الضعيفة التي تروّج لفكرة تعدد مراكز القرار في إيران، فإن القرارات المفصلية، مثل التفاوض مع الولايات المتحدة، تُعد من الشؤون السيادية"، مشيراً إلى أن حكومة بزشكيان أظهرت منذ بداية عملها "انسجاماً واضحاً في إدارة الملفات السيادية، وهو ما يتجلى في هذا القرار أيضاً". وأشار جلائي بور إلى أنه في حال دخل ممثل إدارة ترامب مسار التفاوض من موقع الاحترام والتكافؤ مع وزير الخارجية الإيراني، فإن إيران ماضية بثبات في القرار الذي اتخذتاه.
وشدد على أن إيران ليست دولة تقبل بالاستسلام، لكنها لا تعارض مبدأ التفاوض والتسوية مع الولايات المتحدة، وهي تفي بالتزاماتها في أي اتفاق تتوصل إليه. وعبر الخبير الإصلاحي عن قناعته بأن "الظروف الحالية باتت أكثر ملاءمة للتوصل إلى اتفاق"، عازياً رأيه هذا إلى أن غالبية الدول الإسلامية والعربية، مثل تركيا ومصر والسعودية وقطر، تُعد داعمة ومستفيدة من مسار التفاوض والتسوية.
وحذّر جلائي بور في حديثه مع "العربي الجديد" من احتمال أن تشهد الأيام المقبلة محاولات عرقلة من جانب إسرائيل، معتبراً أن الهدف الأساسي لتل أبيب هو جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مع بلاده وإشاعة الفوضى في المدن الإيرانية، وأكد أن "هذا التقدير خاطئ، لأن إيران، في حال فُرضت عليها حرب جديدة، ستتعامل معها بوحدة وتماسك أكبر، كما حدث في حرب يونيو الماضي".
أسباب غير فئوية
غير أن الخبير الإيراني المنتقد حميد آصفي له رأي مختلف، إذ يرى أن توجيه الرئيس مسعود بزشكيان ببدء المفاوضات لا يرتبط بالأساس بالتيار الإصلاحي في المرحلة الحالية والتجاذبات بين الإصلاحيين والمحافظين، قائلاً إن "عدداً كبيراً من الإصلاحيين"، بعد أحداث القتل في الشوارع خلال الاحتجاجات الأخيرة "باتوا يعتقدون بضرورة الفصل بين موقفهم وموقف السلطة".
وأضاف آصفي في حديثه مع "العربي الجديد" أن المفاوضات يجب أن تُفهم في إطار الضغوط والتصعيد العسكري الأميركي في المنطقة، لافتاً إلى أن التهديدات أصبحت شديدة الجدية واقتربت من حافة المواجهة العسكرية، وأن احتمال الصدام هذه المرة أعلى من السابق. وأوضح أن إصدار هذا التوجيه من قبل الرئيس لا يعني أن القرار نابع من الحكومة الإيرانية، بل إن الإذن مُنح له لإعلانه، مؤكداً أن الحكومة، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالسياسات العليا وخاصة السياسة الخارجية، لا تملك القرار النهائي، وأن الرئيس يُستخدم في هذه الحالة كواجهة لتحمّل تبعات القرار.
وأشار إلى أن الرؤساء الإيرانيين عندما يواجهون واقع إدارة الدولة وتعقيداته يدركون سريعاً أن إدارة البلاد من دون معالجة انسدادات السياسة الخارجية ومن دون خفض التوترات أمر غير ممكن. وفي هذا السياق أيضاً، يرى آصفي أن بزشكيان نفسه رفع شعار التفاوض في حملته الانتخابية، مضيفاً أن ملفات السياسة الخارجية بما فيها التوتر مع الولايات المتحدة، والقضايا المتعلقة بإسرائيل، والوجود الأميركي في المنطقة، والملفات الإقليمية والنووية، "تقع حصراً بيد النواة الصلبة للسلطة والقيادة".