توتر شرق السودان: إرث المظالم والتهميش والنزاعات القبلية

09 أكتوبر 2020
الصورة
لم تهدأ التوترات في بورتسودان منذ العام الماضي (الأناضول)
+ الخط -

تزايدت في الأيام الماضية التوترات شرقي السودان لتصل إلى حدّ إغلاق الميناء الرئيسي في البلاد، والطريق الرابط بينه وبين العاصمة الخرطوم، فيما بلغ التململ مداه عبر المطالبة بحق تقرير المصير وتأسيس دولة مستقلة. ومنذ سقوط نظام الرئيس عمر البشير في إبريل/نيسان 2019، بدأت سلسلة من الأزمات في الشرق السوداني، بدءاً من النزاع القبلي بين البني عامر والنوبة في مدينة بورتسودان الذي امتد وشمل مدينتي كسلا وحلفا ومناطق أخرى. وقُتل جراء الأحداث عشرات الأشخاص وأُصيب مئات آخرون، وأُحرقت عشرات المنازل والمحلات التجارية. وأدى ذلك إلى تنامي القلق الكبير في الإقليم المكون من 3 ولايات: البحر الأحمر ومركزها بورتسودان، وكسلا ومركزها مدينة كسلا، والقضارف ومركزها مدينة القضارف. ويتألف الإقليم من عدد من القبائل، أكبرها مجموعة البجا التي تضم 5 أفرع رئيسية.

ولا تنحصر الأزمة في بعدها الاجتماعي في النزاع بين النوبة والبني عامر فقط، بل يُعد الاحتقان الطابع الرئيسي للعلاقة بين القبائل، التي تعتبر بعضها البعض بأنها "ليست أصيلة بل وافدة من بلدان مجاورة"، وتتبادل الاتهامات بمحاولة السيطرة على السلطة والموارد، بما في ذلك الأراضي السكنية والزراعية لتوطيد نفوذها. وفي بعض الأحيان تسوء العلاقة حتى داخل المكونات الفرعية للقبائل، ويتداخل في ذلك البعد الديني لدى بعض الزعامات.


لا توزع موارد الإقليم بشكل عادل على سكانه

ساهم عاملا الفقر والجهل في تغذية تلك الصراعات والنزاعات. وبحسب آخر إحصائية رسمية صدرت في عهد النظام السابق، فإن 60 في المائة من سكان الشرق واقعون تحت خط الفقر بسبب البطالة وقلة التعليم وضيق الفرص والجفاف في بعض المناطق، وضعف مشاريع التنمية في الإقليم، مع توزيع ظالم لموارد الإقليم، تحديداً من الموانئ والذهب.

ويشتكي الإقليم وتنظيماته السياسية من ضعف المشاركة في السلطة القومية. وقد دفع كل ذلك إلى قيام تنظيمات وأحزاب جهوية مثل "مؤتمر البجا"، الذي حمل السلاح في تسعينيات القرن الماضي، وقاد المعارك ضد الحكومة المركزية ضمن تحالف "التجمع الوطني الديمقراطي المعارض". لكن الحزب توصل إلى اتفاق سلام في عام 2006 انضم بموجبه لنظام البشير، غير أن كثيرين يرون أن الاتفاق لم يحقق مطالب أهل الشرق في التنمية والعدالة وإزالة التهميش.

عقب التوتر الأخير، دفع "تحالف الحرية والتغيير" بالمرشح صالح عمار من قبيلة البني عامر، ليكون والياً على كسلا. وهو ترشيح اعترضت عليه مكونات قبلية عدة، تحديداً زعيم قبيلة الهدندوة أكبر قبائل الإقليم. وخرجت تظاهرات رافضة لهذا الترشيح أكثر من مرة، ونُظّمت اعتصامات في مدينة كسلا. لكن الحكومة عيّنت عمار في منصبه. وتصاعدت الاحتجاجات، التي أجبرت رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى دعوة الوالي الجديد، للتمهّل في تسلّم مهامه من أجل إجراء المزيد من المشاورات. وما زال الوضع على ما هو عليه رغم جلوس الحكومة مع المعترضين، لكن الوالي الجديد رفض المطالبات المستمرة بالاستقالة، اعتقاداً منه بأن خطوة كهذه لن تحل الأزمة، بل قد تفاقمها.

بالإضافة إلى عاملي الفقر والجهل، يمكن إضافة عامل ثالث إلى النزاعات القبلية وتعيين وال لكسلا، مرتبط بمفاوضات أجرتها الحكومة الانتقالية مع "الجبهة الثورية" في مدينة جوبا بدولة جنوب السودان. وخلال تلك المفاوضات خُصص مسار منفصل لشرق السودان، طرفه "مؤتمر البجا" المعارض، الذي توصل إلى اتفاق لم يلقَ ترحيباً من ذات المكونات القبلية والسياسية في الداخل. وبعد يوم واحد من اتفاق السلام بين الحكومة وفصائل أخرى يوم السبت الماضي، بحضور إقليمي ودولي، قرر المحتجون التصعيد بإغلاق الميناء الرئيسي في بورتسودان، وإغلاق الطريق القومي وتحديد مطالب واضحة بإلغاء اتفاق السلام الخاص بشرق السودان وإبعاد عمار من ولاية كسلا ووقف عملية تصديق الأراضي الزراعية والسكنية، ووقف التصديق لشركات التنقيب عن الذهب، قبل معرفة نسبة الإقليم من تلك الموارد. وطالب المحتجون عبر "المجلس الأعلى لنظارات قبائل البجا والعموديات المستقلة" بالنظر إلى التوصية التي أصدرها المجلس، بالتفاوض مع الحكومة الإتحادية حول منح اقليم شرق السودان حق تقرير مصيره.

بدورها نشطت الحكومة على مستوى مجلس السيادة ومجلس الوزراء في الساعات الماضية، لمعالجة الموضوع، فعقد مجلس الأمن والدفاع جلسة أمهل فيها رئيس الوزراء 24 ساعة لمعالجة تعيين الوالي. وقرر المجلس تشكيل لجنة تحضيرية لتنظيم مؤتمر شامل حول قضايا شرق السودان، برئاسة عضو مجلس السيادة، الفريق إبراهيم جابر، مع بروز توقعات باستقالة والي كسلا، غير أن "تحالف الحرية" عقد هو الآخر اجتماعاً رفض فيه استقالة الوالي أو إقالته، لأن ذلك يعني تعبيد الطريق إلى احتجاجات مماثلة من مؤيدي الوالي ومكونه الاجتماعي.

ومع بقاء الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات، يقول رئيس حزب "مؤتمر البجا" (كيان الحرية والتغيير)، عبد الله موسى، لـ"العربي الجديد"، إن ما يحدث في شرق السودان هو نتاج تراكم مظالم تاريخية بدأت مع استقلال البلاد عام 1956، على الرغم من الدور الوطني الكبير للإقليم في كل الأحداث الكبيرة، وآخرها ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 المجيدة التي أطاحت بنظام البشير، الذي قاتله الشرق 13 عاماً. ويرى بأن الحكومة الحالية، وبدلاً من التفاوض مع كل المكونات السياسية والاجتماعية، اكتفت بالتفاوض مع "الجبهة الثورية" التي لا تمثل أهل الشرق.

وأضاف موسى، أن الاتفاقية الأخيرة ليس فيها أي مكاسب للإقليم، ويجب إلغاؤها وعقد مؤتمر جامع، تكون توصياته ملزمة للجميع، ويحدد المؤتمر مستقبل العلاقة بين الإقليم والمركز، على أن تشمل توصياته وضع خطة واضحة لإخراج سكان الإقليم من دائرة الفقر والتهميش ورد الحقوق لأهلها. ويوضح أن المطالبة بحق تقرير المصير، الصادرة من بعض التيارات هي مجرد محاولة لتحديد سقف التفاوض، خصوصاً أن عدداً من الأقاليم السودانية قد حصل عبر اتفاق السلام، على وضع إداري خاص سواء بحكم ذاتي، أو عبر ضمّ ولاياتها في إقليم واحد.


الاتفاقية الأخيرة يوم السبت الماضي ليس فيها أي مكاسب للإقليم، ويجب إلغاؤها وعقد مؤتمر جامع

من جهته، يرى الأستاذ الجامعي أبو بكر بخيت، أن قضية الشرق تحتاج إلى معالجات جذرية، تبدأ بتنمية الريف ووقف الاحتضان السياسي للزعامات القبلية وتوضيح حقوق الأرض، والنظر في قضايا التجنيس والتدخل الاستخباراتي في الإقليم من دول الجوار مثل مصر وإريتريا، فضلاً عن رصد تدفق الأموال الأجنبية لبعض الجهات.

ويشير في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أن الاهتمام بالخدمات جزء أصيل من حل الأزمة، لافتاً إلى أن مدينة بورتسودان، كبرى مدن الإقليم، تشهد هذه الأيام مشكلة في التيار الكهربائي، تمتد لساعات طويلة خلال اليوم، على الرغم من أن المحطة التي تغذي المدينة تحتاج فقط إلى 5 آلاف دولار لمعالجة الأمر. ويشدّد على أن المؤتمر الجامع لأهل الشرق هو المخرج الرئيسي للأزمة الحالية، مستبعداً تماماً الإصرار على حق تقرير المصير أو عودة الحرب للإقليم، وأن الأمر يحتاج إلى تنازلات متبادلة.

أما المتخصص في شؤون شرق السودان، حسام حيدر، فيؤكد على أهمية محاسبة كل المتورطين في الإشكالات القبلية التي وقعت في الشرق منذ العام الماضي، بالإضافة إلى عقد المؤتمر التشاوري بمرجعية اتفاق مسار الشرق (الموقع في فبراير/شباط الماضي) واتفاق الشرق (الموقع 2006)، على أن تراعي المشاركة التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي.

ويشدّد حيدر في حديث لـ"العربي الجديد"، على أهمية إصدار قرارات جديدة من وزارة ديوان الحكم الاتحادي، توضح مهام واختصاصات قيادات الإدارة الأهلية والقبلية، إضافة لتكوين صندوق جديد لإعمار شرق السودان، يضع الدراسات الاجتماعية والتنموية في الإقليم، مع تكوين آلية لحل النزاع بين القبائل. ويلفت إلى ضرورة محاصرة خطاب الكراهية والعنصرية الذي استشرى، خصوصاً في وسائط التواصل الاجتماعي، ويحتاج إلى رصد ومتابعة ومحاسبة والتعامل معه وفق القانون.

المساهمون