توتر بين جبهة تيغراي والحكومة الإثيوبية يهدد اتفاق السلام

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
عاصمة تيغراي ميكيلي، 24 مارس 2025 (شيمينا بورازاس/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تجدد التوترات بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي يهدد بانهيار اتفاق بريتوريا للسلام، مع تبادل الاتهامات بخرق الاتفاق وتصاعد الصراع في إقليم عفر، مما يعقد الوضع الإنساني والاقتصادي.

- ظهور مجموعات منشقة عن جبهة تحرير تيغراي وتشكيل كيان مسلح جديد في إقليم عفر يشير إلى تغير موازين القوى، مما يمنح الجبهة أفضلية استراتيجية ويعكس تعقيد المشهد السياسي والأمني.

- تواجه الحكومة الإثيوبية تحديات كبيرة في تنفيذ اتفاق بريتوريا، مع دعوة المجتمع الدولي للتدخل لمنع انزلاق الأزمة إلى صراع أوسع في ظل اختلاف مصالح الأطراف الخارجية.

بعد ثلاثة أعوام من توقيع اتفاق بريتوريا في جنوب أفريقيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، يبدو هذا الاتفاق معرضاً للانهيار إذا لم تتدخّل الأطراف الضامنة بسرعة، في ظل عودة المناوشات بين طرفَي الصراع، مع بروز معطيات جديدة على الأرض. ويأتي ذلك وسط مخاوف من فشل المسار السياسي هذه المرة، والانزلاق مجدداً نحو مواجهة لا تتحمّلها إثيوبيا التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وإنسانية عميقة، وهي تحاول الخروج من تداعيات حرب أودت بحياة مئات الآلاف، وأنتجت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في أفريقيا.

رسالة من تيغراي للأمم المتحدة

وفي جديد تطورات الوضع، طالبت جبهة تحرير شعب تيغراي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بالتدخل العاجل، بعد ما وصفته بـ"ضربة بطائرة مسيّرة نفذتها الحكومة الفيدرالية الإثيوبية"، في خطوة قالت الجبهة إنها تمثل "خرقاً واضحاً" لاتفاق بريتوريا للسلام، الذي أنهى الحرب الدامية في شمال البلاد أواخر عام 2022. وفي رسالة رسمية في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، موجّهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس

ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، اتهم زعيم الجبهة ديبريتسيون غبريميكائيل الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، بارتكاب "انتهاكات خطيرة" لبنود وقف الأعمال العدائية، داعياً المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية لإجبار الحكومة على الالتزام بالاتفاق والعودة إلى الحوار.


أنور إبراهيم: ظهرت في الأسابيع الأخيرة مجموعات منشقة عن جبهة تحرير تيغراي

وجاء في الرسالة أن وفداً رسمياً بقيادة رئيس الإدارة الإقليمية المؤقتة لتيغراي، الفريق أول تايسي ووردي، تعرّض خلال زيارة إلى جنوب الإقليم لهجوم شنّته "جماعة مسلحة تعمل انطلاقاً من إقليم عفر بدعم حكومي"، ما أدى إلى سقوط ضحايا وتعطيل الزيارة. ولم تصدر الحكومة الفيدرالية رداً رسمياً على اتهامات الجبهة. في المقابل، كان مكتب الاتصال الحكومي في إقليم عفار، شرقي البلاد، قد أعلن في السادس من نوفمبر الحالي، أن قوات تابعة لجبهة تحرير تيغراي شنت هجوماً عبر الحدود، وسيطرت بالقوة على ست قرى في المنطقة، مستخدمة قذائف الهاون ومدفعية مضادة للطائرات، في خرق لاتفاق بريتوريا. وأضاف البيان أن قادة عشائر حاولوا التوسط لوقف إطلاق النار، غير أن القوات المهاجمة رفضت الانسحاب، ما أدى إلى اشتباكات محدودة. وحذرت حكومة الإقليم من أن استمرار الهجمات "سيواجه بإجراءات دفاعية لحماية السكان"، داعية الضامنين الدوليين لاتفاق بريتوريا إلى التدخّل الفوري.

وعن هذه التطورات، قال محرّر موقع "المرصد الإثيوبي" (مستقل) أنور إبراهيم، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن العلاقة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي تشهد تصعيداً جديداً، رغم مرور ثلاثة أعوام على توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب في شمال البلاد. وأشار إلى أن التوترات بين الطرفين لم تختفِ تماماً، بل ظلّت تتجدد بين حين وآخر، مدفوعةً باتهامات متبادلة بخرق الاتفاق وعدم الالتزام ببنوده، إذ تتهم الحكومة الفيدرالية جبهة تحرير تيغراي بإجراء اتصالات مع أطراف خارجية، ولا سيّما إريتريا، في حين تؤكد الجبهة أن الحكومة الإثيوبية هي التي تؤجج عودة التوتر، بعد أن أخفقت في سحب قواتها من بعض مناطق تيغراي الجنوبية والغربية، وهو أحد البنود الأساسية في اتفاق بريتوريا، وأضاف: كما صدرت تصريحات عدّة من مسؤولين إثيوبيين، بينهم رئيس أركان الجيش الجنرال برهان جولا، حمّلوا فيها الجبهة مسؤولية التصعيد الجديد، لكن الجبهة ترى أن الحكومة الفيدرالية لم تُظهر الجدية المطلوبة في تنفيذ الاتفاق، وأن خروقات متعددة حدثت خلال العامين الماضيين، بما في ذلك ازدياد نشاط مليشيات فانو، وهي مجموعات مسلحة في إقليم أمهرة، وغيرها من الجماعات المسلحة المدعومة، وفق رواية الجبهة، من أطراف داخلية وخارجية.

وبحسب إبراهيم، ظهرت في الأسابيع الأخيرة مجموعات منشقة عن جبهة تحرير تيغراي وقوات دفاع تيغراي، أعلنت تشكيل كيان مسلح جديد في إقليم عفر تحت اسم "قوات سلام تيغراي". ولفت إلى أن مصادر سياسية تحدثت عن دعم تتلقاه هذه المجموعات من شخصيات قريبة من رئيس الوزراء أبي أحمد، من بينها المستشار بالي كتاجني، إضافة إلى حديث عن دعم محتمل من جهات خارجية. وأضاف أن هذه التحركات قد تفتح الباب أمام عودة المواجهات، في ظل غياب الثقة بين الطرفَين، وعدم اكتمال تنفيذ اتفاق بريتوريا، وهو ما يضع عملية السلام في إثيوبيا أمام اختبار جديد، ويهدد بإعادة إشعال الصراع في منطقة لطالما مثّلت نقطة ارتكاز للاستقرار في القرن الأفريقي.

من جهته، قال الباحث السوداني في قضايا دول القرن الأفريقي محمد تورشين، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ التطورات الأخيرة بالغة الخطورة وقد تترك تأثيراً كبيراً على مجريات الأحداث، خصوصاً في ما يتعلق بجبهة تحرير تيغراي، وأضاف: في بداية الحرب، لم تكن للجبهة أي جهات داعمة، وكانت محاصَرة عسكرياً وسياسياً من النظام الإريتري الذي شارك في العمليات القتالية إلى جانب الحكومة الإثيوبية، ما جعل وضعها العسكري في غاية الصعوبة. لكن المشهد اليوم تغيّر بوضوح؛ إذ تشير المعطيات إلى أن موازين القوى بدأت تتبدل، وأن الجبهة باتت تحصل على دعم وقنوات تواصل جديدة، ما قد يمنحها أفضلية استراتيجية في المرحلة المقبلة، ويُعيد رسم معادلة الصراع في المنطقة بصورة مختلفة تماماً عمّا كانت عليه في الأيام الأولى للحرب، ولفت إلى أن تدخّل إريتريا قد يكون هذه المرة حاسماً، سواء عبر التحركات العسكرية المباشرة أو من خلال دعم فصائل محدّدة داخل المنطقة، متوقعاً أن يكون لمصر دور محتمل في هذا السياق، خصوصاً بالنظر إلى حساسيات قضية سد النهضة وتأثيرها على التوازن الإقليمي، وهذا التطور يعكس تعقيد المشهد السياسي والأمني في المنطقة، ويؤكد الحاجة لمتابعة دقيقة للتطورات القادمة.


محمد تورشين: الفصيل الرافض لاتفاقية بريتوريا هو الأقوى على الأرض

عدم تطبيق اتفاقية بريتوريا

وحول أسباب عودة التصعيد من جديد، رأى تورشين أن جوهر المشكلة يكمن في أن بنود اتفاقية بريتوريا لم تُنفَّذ فعلياً في إثيوبيا، ومن ثم فشل التطبيق أصبح عامل تآكل سياسي وميداني، وتابع: بدا أن الهدف الحقيقي من الاتفاق، بحسب بعض التقديرات، لم يقتصر على تحقيق سلام مستدام بقدر ما هدف إلى تشتيت قوى جبهة تحرير تيغراي وإضعافها على الساحة السياسية، لأن أبي أحمد شارك في تلك المفاوضات التي بدأت من كينيا وانتهت بتوقيع اتفاقية بريتوريا سعياً لتهدئة الوضع، لكن النتيجة العملية كانت بعيدة عن التنفيذ الجاد لما جرى الاتفاق عليه، ما أدى إلى انشقاقات داخل صفوف تيغراي، وقال إنّ المعطيات تشير إلى أن الفصيل الرافض لاتفاقية بريتوريا هو الأقوى على الأرض، وله شبكة علاقات داخلية وخارجية تعزّز موقفه، وهذا التحوّل داخل الجبهة يجعل موقف أبي أحمد

أمام تحدياً حقيقياً؛ فالمعادلات الميدانية والسياسية تغيّرت، وقد نشهد تحالفات تكتيكية بين الجبهة ومليشيات محلية مثل "فانو" أو عناصر أمهرية في سياق مواجهة المصالح المشتركة، من دون أن يعني ذلك تحالفاً استراتيجياً طويل الأمد. والنتيجة المحتملة، بحسب تورشين، هي مزيد من الفوضى أو الضغط على مؤسسات الدولة الإقليمية، ما يستدعي رقابة دولية وإجراءات وسيطية فعّالة لمنع انزلاق الأزمة إلى صراع أوسع.

ولفت تورشين إلى أنّ أبي أحمد يواجه تحدياً حقيقياً في التعامل مع الوضع الحالي داخل تيغراي والمناطق المحيطة بها، وهو لم يتحرك بعد بجديّة لإبرام تفاهمات واضحة وموضوعية مع الأطراف المختلفة، بما في ذلك الفصائل الأمهرية ومليشيات فانو، إضافة إلى جبهة تحرير تيغراي نفسها. وتوقع أن يؤدي هذا الجمود إلى تعقيد الصراع أكثر من ذي قبل، خصوصاً في ظل اختلاف مصالح الأطراف الخارجية، مثل الولايات المتحدة، التي قد لا تدعم بالكامل مصالح الحكومة الإثيوبية أو تحركاتها في المنطقة.

لايف ستايل
التحديثات الحية
المساهمون