توترات الحسكة مجمّدة... واعتراضات على دور "قسد" المستقبلي
- تنوعت أسباب الاحتجاجات بين الاقتصادية بسبب تردي الأوضاع المعيشية والسياسية العشائرية اعتراضاً على دمج "قسد" مع مؤسسات الدولة دون إشراك كافٍ لبقية المكونات.
- رغم إزالة الخيمة، تبقى التحديات قائمة في تنفيذ اتفاق الدمج وتوزيع السلطة، مما يتطلب استجابة حكومية سريعة وحواراً لاحتواء الخلافات.
انتهت، مساء أول من أمس السبت، واحدة من محطات التوتر السياسي والعشائري في محافظة الحسكة السورية، بعد إعلان مجلس شورى "خيمة العودة والكرامة" إزالة آخر خيمة اعتصام في منطقة الميلبية جنوبي المحافظة، عقب اجتماع مع وفد رئاسي، في خطوة خففت احتمالات التصعيد الميداني بعدما كانت قد صدرت دعوات إلى تحويلها إلى "خيمة حرب" إذا لم تُنفذ مطالب المحتجين. وجاء قرار إزالة الخيمة بعد اجتماع ضم الوفد الرئاسي الذي ترأسه الشيخ سيف الجربا، وعباس الحسين، وصكر السمير، مع مجلس الشورى الذي قاد الاحتجاجات خلال الأسابيع الماضية، وانتهى بإصدار بيان أعلن فيه تجمّع أبناء الحسكة الأحرار، إزالة خيمة الميلبية "تكريماً للرئيس أحمد الشرع"، مع التأكيد أن الخطوة مشروطة ببسط سيطرة الدولة على كامل محافظة الحسكة، وتشكيل وفد من مجلس الشورى، بطلب من الرئاسة، للوقوف على واقع المحافظة خلال مدة لا تتجاوز 48 ساعة. وأوضح البيان أن المجلس قرر منح الدولة فرصة لمعالجة المطالب "حتى لا نقدم على عمل لا يمكن السيطرة عليه"، في إشارة إلى التراجع عن التصعيد الذي كان مطروحاً في الأيام الأخيرة.
تصاعد احتجاجات الحسكة
وشهدت محافظة الحسكة خلال الأسابيع الماضية سلسلة احتجاجات متزامنة، اتخذت مسارين مختلفين: الأول ذو طابع اقتصادي، جاء احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار الوقود والخدمات. أما المسار الثاني، فذو طابع سياسي وعشائري، رفضاً للكيفية التي يجري بها تنفيذ اتفاق 29 يناير/ كانون الثاني الماضي بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، الذي ينظم عملية دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" والقوات العسكرية ضمن مؤسسات الدولة السورية. ورأى معترضون من عشائر عربية أن الاتفاق منح "قسد" دوراً أساسياً في رسم مستقبل المحافظة من دون إشراك بقية المكونات بصورة كافية، معتبرين أن ذلك يكرّس حالة الإقصاء السياسي والإداري. ولا يقتصر هذا التحفظ على بعض التجمعات العشائرية، بل يتقاطع مع مواقف عدد من الأحزاب الكردية المنضوية في المجلس الوطني الكردي، إضافة إلى شخصيات كردية مستقلة تطالب أيضاً بتوسيع قاعدة المشاركة في إدارة المنطقة.
فواز المفلح: المحتجون لا يسعون إلى مواجهة عسكرية في الوقت الحالي
وقال المتحدث الرسمي باسم "خيمة العودة والكرامة"، فواز المفلح، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إن قرار إزالة الخيمة جاء بعد التواصل مع الحكومة، مؤكداً أن المحتجين "لا يسعون إلى مواجهة عسكرية في الوقت الحالي"، وأن السلاح الموجود في الخيمة "كان لحماية المعتصمين وليس لشن حرب". وأضاف أن المطالب الأساسية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها "بسط سيطرة الدولة السورية على كامل محافظة الحسكة، وإعادة المهجرين واللاجئين إلى مناطقهم بأمن وكرامة، وإنهاء وجود التشكيلات المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني، وتسليم السلاح الثقيل للدولة". وأكد المفلح أن المحتجين "ليسوا ضد المكون الكردي"، قائلاً إن العلاقات التاريخية بين العرب والأكراد في المنطقة "علاقات حسن جوار"، وإنهم لا ينوون استهداف القرى أو الأحياء الكردية، مضيفاً أن أي تحرك لن يكون إلا في المناطق التي يعتبرونها مناطقهم، وبعد استنفاد الحلول السلمية.
كذلك طالب المفلح بإعادة النظر في إدارة المحافظة، معتبراً أن الوفد الرئاسي ومحافظ الحسكة "أخفقا في تحقيق اندماج حقيقي واستقرار فعلي"، داعياً إلى تعيين محافظ ووفد رئاسي من خارج المحافظة لضمان الحياد في التعامل مع مختلف المكونات، إلى جانب مراجعة توزيع المناصب الإدارية وفق معايير الكفاءة بعيداً عن المحاصصة. وختم بالقول: "الآن لا توجد أي مطالب خدمية أو معيشية، وسنتخلى عن هذه المطالب لما بعد سيطرة الدولة السورية على كامل جغرافية الحسكة وإرساء الاستقرار في كل أرجائها".
من جانبه، رأى الباحث السياسي مهند الكاطع في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن مطالب أهالي الحسكة "ليست مستحيلة ولا تعجيزية"، معتبراً أن أسباب الاحتقان واضحة، وأن المطلوب استجابة حكومية سريعة بدلاً من مطالبة السكان بالصبر. وقال إن الأولوية يجب أن تكون لبسط سلطة الدولة على كامل المحافظة، وإعادة المهجرين، وإدماج أبناء الحسكة في مؤسسات الدولة وفق معايير الكفاءة، بدلاً من حصر التعيينات بالقوائم المقدمة من "قسد"، إضافة إلى مراجعة التعيينات الأخيرة في المحافظة وإعادة تقييم أداء المسؤولين المحليين.
في المقابل، رأى رئيس حزب الوسط السوري، القيادي في المجلس الوطني الكردي، شلال كدو، أن الاحتجاجات تنقسم إلى مسارين مختلفين. وقال كدو في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إن المطالب الاقتصادية والمعيشية "محقة إلى حد كبير"، ومن الطبيعي أن يطالب المواطنون بتحسين ظروفهم المعيشية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات. أما الاحتجاجات الرافضة لاتفاق دمج "قسد"، فاعتبر أنها تتعلق بقرار سيادي اتخذته الدولة السورية، مشيراً إلى أن الاتفاق تم برعاية وإشراف إقليمي ودولي، وأن هناك إرادة لدى الطرفين لاستكمال تنفيذه. وأضاف أن تنفيذ الاتفاق "يسير بصورة جيدة حتى الآن"، معتبراً أن الاعتصامات أو الاحتجاجات "لن تغير مساره"، وأن عملية الدمج ستستمر حتى استكمالها.
مهند الكاطع: يجب إدماج أبناء الحسكة في مؤسسات الدولة وفق معايير الكفاءة بدلاً من حصر التعيينات بالقوائم المقدمة من "قسد"
بدوره، قال عبد الوهاب خليل، ممثل "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد)، الجناح السياسي لـ"قسد" في دمشق، لـ"العربي الجديد"، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية في الحسكة ينعكس مباشرة على الاستقرار العام، موضحاً أن الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة وتراجع الخدمات تدفع السكان إلى الاحتجاج للمطالبة بحقوقهم. وأضاف أن معالجة هذه المطالب يجب أن تكون عبر الحوار والاستجابة للاحتياجات الأساسية وتحسين الخدمات، بما يعزز الثقة بين المواطنين والجهات المسؤولة. وحذّر خليل من أن أي تصعيد أمني سيؤثر سلباً في الاستقرار والاقتصاد المحلي، ويزيد من القلق بين السكان، مؤكداً أن احتواء الخلافات بالوسائل السلمية يبقى الخيار الأمثل. وفي ما يتعلق بمسار دمج "قسد"، قال إن مثل هذه العمليات تواجه عادة صعوبات في بداياتها بسبب تعقيدات الواقع الميداني وتباين الرؤى، إلا أن استمرار الحوار وتوفر الإرادة السياسية واحترام حقوق جميع المكونات كفيلة بتجاوز العقبات والوصول إلى تفاهمات مستقرة.
ما هي بنود اتفاق 29 يناير؟
ويعدّ اتفاق 29 يناير محطة مفصلية في العلاقة بين دمشق و"قسد"، إذ نص على وقف شامل لإطلاق النار، وتسليم محافظتي الرقة ودير الزور للحكومة السورية إدارياً وعسكرياً، ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب تسلّم الحكومة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز. وتضمن الاتفاق دمج عناصر "قسد" بصورة فردية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية بعد التدقيق الأمني، وإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين من البلاد، ودمج إدارة ملف مخيمات وسجون تنظيم داعش ضمن مؤسسات الدولة، إضافة إلى الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد بموجب المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، والعمل على تهيئة ظروف العودة الآمنة للنازحين إلى عفرين والشيخ مقصود.
ورغم أن إزالة آخر خيمة اعتصام خففت منسوب التوتر، وأبعدت شبح المواجهة المسلحة في المدى القريب، فإنها لم تنهِ أسباب الاحتقان. المطالب المتعلقة بآلية تنفيذ اتفاق الدمج، وتوزيع السلطة المحلية، وتمثيل المكونات، وإعادة المهجرين، وبسط سلطة الدولة على كامل المحافظة، لا تزال قائمة، ما يجعل الحسكة أمام مرحلة اختبار تتوقف نتائجها على قدرة دمشق على تنفيذ تعهداتها وطمأنة مختلف القوى المحلية، في وقت لا يزال فيه مسار دمج "قسد" يشكل أحد أكثر الملفات حساسية في شمال شرق سورية.