توالي الزيارات الأميركية للجزائر: تحرك لمواجهة التمدد الروسي؟

02 أكتوبر 2020
الصورة
واشنطن مهتمة بالتحول الحاصل في العقيدة العسكرية للجيش (فاليري شاريفولين/Getty)
+ الخط -

يطرح توالي زيارات المسؤولين في المؤسسة العسكرية الأميركية إلى الجزائر، العديد من الأسئلة في الأوساط السياسية والأكاديمية، عن الظروف المرتبطة بهذه الزيارات، وما إذا كانت الولايات المتحدة تريد استطلاع حقيقة النوايا الجزائرية تجاه أزمات المنطقة ذات البعدَين الأمني والعسكري، على خلفية التغيير الذي سيتيحه الدستور المقبل في عقيدة الجيش، أو تصميم دور ترغب واشنطن في أن تقوم به الجزائر في المنطقة.
وخلال أقل من أسبوع، استقبلت الجزائر قائدين بارزين في البنتاغون، وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر الذي بدأ أمس الخميس زيارة إلى الجزائر قادماً من تونس في إطار جولة مغاربية تشمل الرباط، وسبقه قبل أيام قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) ستيفن تاونسند. وتأخذ زيارة إسبر أهميتها في كونها الزيارة الأولى من نوعها لوزير دفاع أميركي إلى البلاد منذ 15 سنة، أي منذ زيارة دونالد رامسفيلد في فبراير/شباط 2006. وتأتي هذه الزيارة في ظلّ تحولات في أعلى السلطة الجزائرية، السياسية والعسكرية، إذ يتولى رئيس جديد، هو عبد المجيد تبون، قيادة البلاد منذ انتخابات ديسمبر/كانون الأول الماضي، مع وجود قائد أركان جديد للجيش هو السعيد شنقريحة، إضافة إلى تغيير شامل في قادة الأجهزة الأمنية في البلاد، وتأثير ذلك كلّه على آلية معالجة الجزائر ومواقفها إزاء الأزمات السياسية والتهديدات الأمنية في منطقة شمال أفريقيا ودول الساحل.

زيارة إسبر هي الأولى من نوعها لوزير دفاع أميركي إلى البلاد منذ 15 سنة

وكانت صحيفة "لوموند" الفرنسية قد كشفت في مقال نشرته قبل أيام، أن الولايات المتحدة التي تراجع حضورها السياسي في القارة الأفريقية خلال الفترة الماضية، في مقابل تمدد الوجود الروسي في النيجر وليبيا بشكل خاص، والحضور الصيني والتركي في المنطقة الأفريقية، تسعى للبحث عن نقاط ارتكاز جديدة في غرب القارة الأفريقية وشمالها، تتوفر فيها شروط محددة، ورشحت الصحيفة السودان والجزائر لذلك. وفي هذا السياق، يمكن قراءة تصريحات تاونسند في زيارته الأسبوع الماضي إلى الجزائر، إذ قال: "لدينا الكثير لنتعلمه ونشاركه مع بعضنا البعض، وتعزيز هذه العلاقة مهم جداً بالنسبة لنا، والجزائر شريك ملتزم في محاربة الإرهاب، وإضعاف المنظمات المتطرفة العنيفة والنشاط الخبيث، وتعزيز الاستقرار الإقليمي ضرورة متبادلة".

يتماهى تحليل يقدمه أستاذ العلوم السياسية والكاتب المتخصص في شؤون منطقة الساحل، مولود ولد الصديق، مع ما ذهبت إليه الصحيفة الفرنسية، إذ يعتبر في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "زيارة وزير الدفاع الأميركي، وقبله قائد أفريكوم، لهما أكثر من دلالة". وبرأيه، فإن المعلن من الزيارتين، والممثل في تعزيز التعاون الأمني في محاربة التنظيمات الإرهابية، إضافة إلى الملفين الروسي والصيني، "يُعدّ أمراً غير مسبوق وتوجّهاً صريحاً لنوايا محاصرة المدّ الصيني والروسي، والتركي أيضاً في المنطقة المغاربية". واعتبر ولد الصديق أن "المنطقة أضحت تمثل بؤرة نزاع وتوتر، وفي ظلّ وجود تسابق تمثله قوى صاعدة ودولية، لا سيما تدخل روسيا في ليبيا لصالح أحد الأطراف، واتخاذها من الجفرة قاعدة عسكرية، ما يعني الوجود الدائم لها في المياه الدافئة، وبالتالي تهديداً مباشراً لحلفاء واشنطن في المنطقة". ورأى الكاتب أن "واشنطن، في ما هو غير معلن، تسعى إلى صناعة توجه عام مغاربي للقبول بالتفاهمات الإقليمية الدولية، وتنشيط الدول المغاربية في سبيل حلحلة النزاع الليبي والأزمة في مالي، وباعتبار الجزائر دولة محورية بإمكانها المساهمة في اقتراح سياسات بعينها على شركائها في الجوار، وترى واشنطن أن الجزائر مفتاح جيد ومتزن في المنطقة، لفرض وجودها الدائم وربما إعادة السعي نحو إنشاء قاعدة عسكرية أميركية في إحدى دول الجوار لمنع التمدد الروسي".
لكن الرغبة الأميركية تصطدم بتصلب جزائري تاريخي ضد أي استخدام أو توظيف للمقدرات العسكرية والسياسية لصالح طرف أجنبي، إضافة إلى التحفز الداخلي ضد ذلك، والذي عبّرت عنه الأمينة العامة لحزب العمال اليساري لويزة حنون قبل أيام. وحذرت حنون من أن يكون "خروج الجيش في مهمات تحت قيادة الأمم المتحدة أو منظمات أخرى، يعني وضعه في خدمة قوى دولية، وإقحام الجزائر في صراعات إقليمية ودولية نتيجة لضغوط قوى غربية تسعى لتوريط الجزائر".

كما أن تصريحات قائد الجيش الجزائري السعيد شنقريحة خلال لقائه قائد "أفريكوم"، أبرزت الرفض الجزائري الواضح والمسبق لأي رغبة أميركية بالاعتماد على الجزائر في منطقة الساحل، خارج حدود التعاون المعمول بها بوضوح. وقال شنقريحة إن "الجزائر مستعدة لتعزيز الشراكة مع أميركا في المجال العسكري من خلال الآليات القائمة على الشفافية والصراحة والمصالح المشتركة". كما لمّح قائد الجيش الجزائري إلى أن واشنطن لم تقدّم أي مساعدة للجزائر في مجال مكافحة الإرهاب، وأن الجيش الجزائري قاوم وهزم الإرهاب وحده من دون مساعدة أحد، وبالتالي ليس لها في المقابل أن تنتظر أي خدمة من الجزائر. وقال إن "الجزائر تغلبت على الإرهاب لوحدها دون الحاجة إلى أي دعم أجنبي، بفضل عزيمة وإصرار القوات المسلحة والتعاون الوثيق بين مختلف الأسلاك الأمنية والقناعات العالية للمواطنين، وبفضل تضحيات الجيش، وتمّ بعد كفاح مرير ومن دون هوادة، دحر الإرهاب الذي كان علينا مواجهته منذ سنوات التسعينيات. إنجاز كان ثمنه تضحيات جسيمة بشرية ومادية، والتهديد الإرهابي في الجزائر يتقلص بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة".

الرغبة الأميركية تصطدم بتصلب جزائري تاريخي ضد أي توظيف للمقدرات العسكرية والسياسية لصالح طرف أجنبي

وبغض النظر عن كون هذه الزيارات، تعطي بحسب الكثير من المراقبين، إشارة سياسية إلى تحمس واشنطن للعمل والتعاون مع القيادة الجديدة في الجزائر، إلا أنها لا تخفي في المقابل أيضاً حرصاً أميركياً بالغاً على استطلاع النوايا الجزائرية في علاقة بالتحول الحاصل في العقيدة العسكرية للجيش الجزائري، بعد مراجعة دور الجيش خارج الحدود والسماح، دستورياً للمرة الأولى في تاريخ البلاد، لرئيس الجمهورية بعد موافقة البرلمان، بإمكانية إرسال الجيش الجزائري إلى الخارج لتنفيذ عمليات إحلال السلام، سواء تحت رعاية الأمم المتحدة والمنظمات الاقليمية أو في إطار اتفاقات ثنائية مع دول المنطقة خاصة، كمالي والنيجر ودول الجوار التي تطلب ذلك.

الباحث المتابع للملف الأمني في منطقة شمال أفريقيا، الأستاذ في جامعة ورقلة جنوبي الجزائر، كاهي مبروك، رأى في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن زيارة إسبر ستعطي بالدرجة الأولى دفعاً سياسياً للقيادة الجديدة في الجزائر، لكن "توالي زيارات المسؤولين في البنتاغون يبرز أيضاً أن الولايات المتحدة تريد معرفة توجه الجزائر قبل أن يراد منها أي دور". وأعرب مبروك عن اعتقاده أن أميركا "لديها أسئلة وتبحث عن إجابات رسمية، منها: هل ستقيم الجزائر قواعد عسكرية في مالي والنيجر، وهل سيحصل تنسيق مع أميركا في محاربة الإرهاب، كما تريد معرفة لماذا أصبح توجه التسليح الجزائري نحو الأسلحة الهجومية بعدما كانت دفاعية"، متابعاً: "كما أن الجزائر تريد اقتحام السوق الأفريقية، وهذا أمر يحتاج إلى قوة عسكرية تؤمنه، ومن هنا تأتي الحسابات الأميركية لرصد توازن القوى في المنطقة في بعدَيه العسكري والاقتصادي".


 

المساهمون