تقليص خطة إعادة إعمار غزة... خلافات التمويل والأمن والإدارة
- تواجه الخطة تحديات من القيود الإسرائيلية التي تعيق تقدم المشروع، بالإضافة إلى أزمة تمويلية مع عدم وضوح مصادر التمويل، حيث لم يتحقق سوى جزء ضئيل من التعهدات المالية.
- تتجاوز الخلافات ملف إعادة البناء لتشمل مستقبل الحكم في غزة، مع تعقيدات حول الإدارة والأمن، وتقدر احتياجات التعافي بنحو 71.4 مليار دولار.
لم تعد خطة إعادة إعمار قطاع غزة، التي رُوِّج لها قبل أشهر بوصفها مشروعاً شاملاً لإعادة بناء القطاع بعد الحرب، كما كانت. فبدلاً من إطلاق عملية واسعة لإعادة إعمار غزة تستوعب أكثر من مليوني فلسطيني، تتجه المبادرة التي يتبنّاها "مجلس السلام"؛ المدعوم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى البدء بمشروع تجريبي محدود في جنوب القطاع، وسط تعقيدات سياسية وأمنية وتمويلية، دفعت إلى تقليص طموحات الخطة بصورة كبيرة، فيما تكشف مصادر مطلعة أن المشروع لم يعد ينظر إليه باعتباره إعادة إعمار فعلية بقدر ما يمثل اختباراً لقدرة الأطراف المختلفة على إدارة منطقة مستقرّة يمكن البناء عليها لاحقاً.
وكشفت صحيفة ذا غارديان البريطانية، يوم الخميس الماضي، أن خطة إعادة إعمار غزة تقلّصت من مشروع لإعادة إعمار القطاع بأكمله إلى مشروع تجريبي صغير، يضمّ مخيماً مؤقتاً لعدد محدود من النازحين، مع إدارة فلسطينية وشرطة وقوة أمنية دولية محدودة، مرجّحةً ألا يبدأ تنفيذه قبل نهاية العام الحالي. وقال دبلوماسي غربي للصحيفة إن الهدف الحالي هو "إبقاء شيء ما قائماً، وإبقاء الكرة في الملعب، لأنه إذا توقف المشروع، فهناك أطراف تحمل أجندة أكثر تطرفاً تنتظر لتتولى الأمر، وهي تتحدّث عن نقل جماعي للسكان والاستيطان". كذلك نقلت الصحيفة عن مسؤول مطلع على التخطيط للمشروع قوله: "أعتقد أننا نتحدث عن نهاية عام 2026. وإذا تمكنا من إنجاز ذلك ووضعه موضع التنفيذ بحلول ديسمبر/كانون الأول (المقبل)، فسأكون سعيداً جداً".
رجّحت "ذا غارديان" ألا يبدأ تنفيذ المشروع التجريبي الصغير قبل نهاية العام الحالي
من إعادة إعمار شاملة إلى "غرفة اختبار"
من جهته، قال مصدر مطلع على النقاشات الدولية الخاصة بغزة، في حديث مع "العربي الجديد"، إن التحول لم يكن مجرد تعديل فني في الخطة، بل نتيجة مباشرة لاستحالة تنفيذ المشروع الأصلي في الظروف الحالية والشروط الإسرائيلية. وأوضح المصدر أن "هناك بالفعل نقاشاً جدياً حول البدء بمشروع محدود بدلاً من إطلاق خطة إعادة إعمار شاملة، لأن الظروف السياسية الحالية لا تسمح بتنفيذ الخطة الأصلية". وأضاف أن اختيار إسرائيل لرفح جاء لأنها "الأقل تعقيداً من الناحية الأمنية مقارنة بمناطق أخرى"، مع التأكيد أن الموقع النهائي لم يحسم بعد، إذ جرت دراسة أكثر من موقع.
وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد نصب، أول من أمس الجمعة، بوابة على طريق الرشيد الساحلي في مواصي رفح، غرب جنوبي القطاع، وذلك في المنطقة التي تسيطر عليها قواته. وجاء هذا التطور مع المخاوف الفلسطينية التي ترافقت مع التسريبات عن اعتزام "مجلس السلام" إطلاق منطقة إنسانية تجريبية في جنوب القطاع، تستوعب عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين الذين سيخضعون لإجراءات تدقيق أمني، وفق مسؤول في المجلس تحدث لوكالة "فرانس برس". وقال المسؤول إن المنطقة قد تشكّل "نقطة انطلاق" لعمل اللجنة الفلسطينية المكلفة بإدارة الشؤون اليومية في غزة خلال المرحلة الانتقالية بعد الحرب، وذلك في إطار الخطة الأميركية المؤلفة من 20 بنداً. ويدرس المجلس إقامة المشروع في مدينة رفح، جنوبي القطاع، على أن تتولّى تأمينه قوّة متعددة الجنسيات تابعة لـ"قوة الاستقرار الدولية"؛ الهيئة التي يفترض أن تعمل تحت مظلة مجلس السلام.
تبرز القيود الإسرائيلية باعتبارها العقبة الأساسية أمام أي تقدم
وبحسب المصدر المطلع على النقاشات الدولية الخاصة بغزة، في حديثه مع "العربي الجديد"، سيبدأ المشروع بعدد محدود من السكان، قبل تقييم التجربة وإمكانية توسيعها تدريجياً إذا نجحت. ويكشف هذا الطرح عن تغير في فلسفة المشروع نفسها؛ فبدلاً من الانطلاق من احتياجات إعادة الإعمار، أصبحت الأولوية لاختبار ترتيبات الإدارة والأمن قبل الحديث عن إعادة البناء على نطاق واسع.
وتبرز القيود الإسرائيلية باعتبارها العقبة الأساسية أمام أي تقدّم. فوفق صحيفة ذا غارديان، ستسمح إسرائيل بإدخال نطاق أوسع من المساعدات الإنسانية إلى المخيم التجريبي، لكنها تواصل الفصل بين المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، بحيث يسمح بالغذاء والخيام والمستلزمات الإغاثية، فيما تبقى مواد البناء خارج المعادلة. وأكد مصدر "العربي الجديد" أن "الجانب الإسرائيلي لا يزال يرفض ربط المساعدات الإنسانية بعملية إعادة الإعمار، وهذا أحد أهم أسباب بطء المفاوضات".
وأضاف المصدر أن الخلاف الحقيقي لم يعد يدور حول إدخال الغذاء أو الخيام، وإنما حول "الأسمنت والحديد والآليات الثقيلة"، مشيراً إلى أن إسرائيل "تشترط ألا تدخل أي مواد يمكن استخدامها في إعادة بناء البنية العسكرية"، كما تطالب بـ"آلية رقابة غير مسبوقة على كل شحنة تدخل القطاع". وكانت "العربي الجديد" قد كشفت سابقاً أنّ إسرائيل تربط إعادة الإعمار بخلوّ المناطق المستهدفة من أي سلاح تصفه بـ"غير الشرعي"، وأنّها تتجه إلى إعادة تدوير ركام المباني المدمّرة واستخلاص المواد الصالحة منه لاستخدامها في البناء، لتقليل الحاجة إلى إدخال مواد جديدة تعتبرها "مزدوجة الاستخدام".
تمويل غامض وخلاف على الأموال الفلسطينية
ولا تقلّ أزمة التمويل تعقيداً عن الخلافات الأمنية. فبحسب مصادر "ذا غارديان"، لم يتحقق سوى جزء ضئيل من التعهدات المالية التي رافقت الخطة الأميركية، فيما لا يزال مصدر تمويل المشروع التجريبي غير واضح. وتجري حالياً مفاوضات لتحويل جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية والأصول المصرفية الفلسطينية المجمدة لدى إسرائيل إلى تمويل المشروع. وقال مصدر مطلع على هذه المفاوضات للصحيفة: "نعمل على ذلك، وهو قيد النقاش".
مصدر مطلع: الجهات المانحة لا تريد ضخّ مليارات الدولارات قبل وجود جهة فلسطينية واضحة تتولى الإدارة
من جهته، أكد مصدر لـ"العربي الجديد" أنه "لا يوجد حتى الآن توافق نهائي على آلية التمويل، وجميع الخيارات، بما فيها استخدام جزء من الأموال الفلسطينية المحتجزة، ما زالت قيد النقاش ولم يحسم أي منها". وأضاف أنّ "الجهات المانحة لا تريد ضخّ مليارات الدولارات قبل وجود جهة فلسطينية واضحة تتولى الإدارة"، فيما "ترتبط مساهمة بعض الدول بإجراء إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية"، مشيراً إلى أنّ "هناك دولاً تعهّدت سياسياً بالدعم لكنها لم تحول الأموال فعلياً".
وكانت "العربي الجديد" قد نقلت (في 17 يونيو/ حزيران الماضي) عن مصادر مطلعة أن القيادة الفلسطينية أجرت محادثات مع الإدارة الأميركية في اليونان تتعلق بأموال المقاصة والأمن والانتخابات. وبحسب مصادر "العربي الجديد" فإن هذه اللقاءات بدأت في أثينا في 17 إبريل/ نيسان الماضي، ضمن وفد ترأسه حينها نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، وضمّ مدير جهاز الاستخبارات العامة ماجد فرج، ومستشار الرئيس مجدي الخالدي. ورغم أن وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية "وفا" أعلنت أنّ الوفد التقى رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس، لكن لقاء غير معلن عُقد مع مسؤولين أميركيين هناك أيضاً. في المقابل، رفضت المصادر الإفصاح عن هوية المسؤولين الأميركيين الذين التقاهم وفد السلطة الفلسطينية.
وأكدت المصادر أن الولايات المتحدة اقترحت على السلطة الفلسطينية أن تحوّل إسرائيل مليار دولار من الأموال الفلسطينية التي تحتجزها تل أبيب (أموال المقاصة) إلى "مجلس السلام" الذي أسسه ترامب، على أن يُصرف نصف المبلغ على القطاع، والنصف الآخر على الضفة الغربية.
وبحسب المصادر، ردّت القيادة الفلسطينية بإصرار على أن يقترن تحويل المبلغ بوجود صلاحيات حقيقية للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، وأن تكون السلطة مطلعة على أوجه صرف هذه الأموال هناك، لكن الموافقة الفلسطينية المشروطة اقتصرت على المبلغ الخاص نظرياً بغزة فحسب، أي 500 مليون دولار، مع رفض تام أن يُحوّل النصف الآخر من المبلغ الخاص لصرفه على الضفة الغربية (500 مليون دولار) إلى مجلس السلام الذي يطرح فكرة وجود لجنة خاصة بالضفة الغربية "لأنّ ذلك سيعني أن السلطة الفلسطينية ستكون تحت وصاية مجلس السلام في نهاية الأمر".
عقدة الإدارة والأمن في غزة
وتتجاوز الخلافات ملف إعادة البناء ليصل النقاش إلى مستقبل الحكم في غزة، حيث قال مصدر "العربي الجديد"، إنه "لا يوجد حتى الآن توافق على الجهة التي ستدير القطاع بشكل كامل من جميع الأطراف"، موضحاً أنّ "عدة صيغ مطروحة، لكن أياً منها لم يحظ بإجماع، والنقاش لم يعد يقتصر على إعادة الإعمار، بل على شكل الحكم في غزة". أما الملف الأمني، فيبقى الأكثر تعقيداً. وأوضح المصدر أنّ هناك خلافاً حول طبيعة القوة الأمنية التي ستتولى حماية المنطقة التجريبية، "وهل ستكون عربية أم دولية أم مشتركة"، لافتاً إلى أن "عدة دول رفضت حتى الآن إرسال قوات قبل وجود اتفاق سياسي"، مضيفاً أنّ "الأمن هو الملف الذي يعطل بقية الملفات".
وختم المصدر حديثه مع "العربي الجديد" بالتأكيد أنّ "المواعيد المعلنة كلّها تقديرية وترتبط بتطورات الحرب والمفاوضات، وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً لا يتوقع أحد بدء تنفيذ واسع قبل التوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية، وأي تصعيد عسكري قد يعيد المشروع بأكمله إلى نقطة الصفر".
وتأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة تبلغ نحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى فقط. وتقدر الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، فيما تبلغ الخسائر الاقتصادية والاجتماعية 22.7 مليار دولار.
كما دمّرت أو تضررت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وأصبح أكثر من نصف المستشفيات خارج الخدمة، بحسب التقديرات ذاتها، وتضررت جميع المدارس تقريباً، بينما انكمش اقتصاد غزة بنسبة 84%، وتراجعت مؤشرات التنمية البشرية بما يعادل 77 عاماً. وفي ضوء هذه الأرقام، تبدو الفجوة هائلة بين حجم الاحتياجات الفعلية وبين المشروع التجريبي المطروح حالياً.