تقرير حقوق الإنسان الأميركي: اتهامات لأوروبا واستثناءات لحلفاء ترامب
استمع إلى الملخص
- لم تنتقد الولايات المتحدة السلفادور، الحليف الوثيق، رغم الانتقادات من منظمات غير حكومية، بينما هاجمت جنوب أفريقيا والبرازيل بسبب تدهور حقوق الإنسان.
- واجه التقرير انتقادات من نواب المعارضة الديمقراطيين والمنظمات غير الحكومية، حيث اعتبروا أنه يتماشى مع سياسات ترامب ولا يعكس صورة حقيقية لانتهاكات حقوق الإنسان.
اتهمت الولايات المتحدة الأميركية، العديد من الدول الأوروبية، بـ"تدهور" حقوق الإنسان فيها، ولا سيما المتعلقة بحرية التعبير، في حين لم توجه انتقادات إلى دول مثل السلفادور، الحليف الوثيق لإدارة الرئيس دونالد ترامب، وهاجمت في المقابل بلدين تربطها بهما علاقات متوترة للغاية، هما جنوب أفريقيا والبرازيل.
وأشارت وزارة الخارجية الأميركية في التقرير السنوي عن حقوق الإنسان المنشور الثلاثاء، وهو الأول الذي يصدر في عهد وزير الخارجية ماركو روبيو، إلى أنّ "وضع حقوق الإنسان تدهور خلال العام الماضي في ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا". في ما يتعلق بفرنسا، تحدث التقرير عن "تقارير موثوقة عن قيود خطيرة على حرية التعبير". وفي المملكة المتحدة، أعربت واشنطن عن قلقها إزاء قانون جديد للأمان على الإنترنت يهدف إلى حماية الأطفال بشكل أفضل. بعد عملية طعن استهدفت ثلاث فتيات في بريطانيا، تحرّكت السلطات ضد مستخدمي الإنترنت الذين زعموا خطأ بأن القاتل كان مهاجراً ودعوا إلى الانتقام. واتّهم تقرير الخارجية الأميركية المسؤولين البريطانيين بـ"التدخل مراراً للثني عن التعبير عن الرأي".
وقالت الناطقة باسم الخارجية الأميركية تامي بروس، من دون أن تأتي على ذكر بريطانيا تحديداً، إنّ القيود استهدفت "الأصوات غير المرغوب فيها على أسس سياسية أو دينية". وأفادت الصحافيين "بغض النظر عن درجة عدم الموافقة على خطاب شخص ما، لا يؤدي تجريمه أو إسكاته بالقوة إلا إلى مزيد من الكراهية والقمع والاستقطاب".
أما في ألمانيا فتحدث التقرير عن قيود على حرية التعبير مستنداً في ذلك على "تقارير عن جرائم ذات دوافع معادية للسامية أو عنف أو تهديدات بالعنف". وأشار التقرير السابق الخاص بألمانيا لعام 2023 في مقدمته إلى عدم حدوث تغييرات جوهرية في وضع حقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، تم تحديد عدد من المشكلات، حيث أشار التقرير آنذاك إلى تقارير عن جرائم عنف ضد أفراد من جماعات عرقية ودينية، من بينهم مسلمون. كما أشار التقرير إلى "معاداة السامية، بالإضافة إلى جرائم عنف أو التهديد بالعنف ضد المثليين".
في فبراير/ شباط، اعتبر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في افتتاح مؤتمر ميونخ للأمن أن "حرية التعبير في تراجع" في أوروبا. وقال إن "التهديد الذي يقلقني أكثر من أي شيء آخر في ما يتصل بأوروبا ليس روسيا، ولا الصين، ولا أي طرف خارجي آخر، ما يقلقني هو التهديد من الداخل. تراجع أوروبا عن بعض قيمها الأساسية". وأضاف "أخشى أن حرية التعبير في بريطانيا وفي مختلف أنحاء أوروبا تتراجع"، كما انتقد استبعاد حزب "البديل من أجل ألمانيا" وحزب "تحالف سارا فاجنكنشت" الألماني الشعبوي من المؤتمر.
وأكد مسؤول أميركي كبير فضّل عدم الكشف عن هويته، الأسبوع الماضي، لوكالة فرانس برس، أنّ الحكومة الأميركية تعتزم إجراء "مناقشات صريحة مع شركائنا وحلفائنا حول ما نعتبره رقابة أو تهميشاً لأصوات معينة، سياسية أو دينية". ورداً على سؤال بشأن هذا الموضوع، رفضت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، ذكر دول بعينها، مكتفية بالقول إنّ "الرقابة الحكومية لا تُطاق في مجتمع حر". وأضافت أنّ "الحكومات تواصل اللجوء إلى الرقابة، والمراقبة التعسفية أو غير القانونية، وإلى قوانين تفرض قيوداً على الأصوات التي لا تَرُوقها، غالباً لأسباب سياسية أو دينية".
اختصار الفقرة المرتبطة بإسرائيل
وتأتي هذه الانتقادات رغم تحرك روبيو بقوة لرفض منح تأشيرات دخول للمواطنين الأجانب أو تجريدهم منها على خلفية تصريحات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، في إجراءات استهدفت خصوصاً الطلاب الناشطين الذين انتقدوا إسرائيل. كما اختصر التقرير الفقرة المرتبطة بإسرائيل والضفة الغربية وغزة. وبينما أقرّ بارتكاب إسرائيل عمليات توقيف تعسفية وعمليات قتل، إلا أنه زعم أن السلطات قامت بـ"خطوات ذات مصداقية" لتحديد المسؤولين.
وذكّرت بروس بأنّ التقارير الحقوقية السابقة لوزارة الخارجية كانت "منحازة سياسياً". وفي ما يتعلّق بالتفاصيل، فإن "القليل يكون أفضل أحياناً"، على حد قولها. لكن مجموعة من مسؤولي وزارة الخارجية السابقين وصفوا بعض الأقسام التي تم التخلي عنها بـ"الصادمة" على غرار حقوق مجتمع الميم في أوغندا حيث تم إقرار قانون متشدد ضد المثلية الجنسية عام 2023. واتّهم نواب من الحزب الديمقراطي ترامب وروبيو بالتعامل مع مسألة حقوق الإنسان على أنها عصا يتم التلويح بها في وجه الخصوم، وهو أمر من شأنه أن يستدعي اتهامات من بكين وموسكو للولايات المتحدة بالنفاق.
وقال كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس النواب غريغوري ميكس إن وزارة الخارجية في عهد روبيو "حوّلت بلا خجل ما كانت ذات يوم أداة موثوقة للسياسة الخارجية الأميركية تصدر بتكليف من الكونغرس إلى أداة أخرى لترويج مظالم +ماغا+ (أي حركة ترامب السياسية تحت شعار أعيدوا لأميركا عظمتها) وهوس الحرب الثقافية".
وهذا التقرير السنوي الذي يرسم صورة لوضع حقوق الإنسان في العالم، يُثير حفيظة العديد من الحكومات. ويعتبر العديد من الخبراء التقرير الذي يتم إعداده بطلب من الكونغرس، مرجعاً. والتقرير الذي أُعد جزء منه في عهد الإدارة السابقة للديمقراطي جو بايدن، قامت وزارة الخارجية بتعديله وإعادة هيكلته ليتضمن أولويات إدارة دونالد ترامب. ولطالما قدّم تقرير الخارجية الأميركية الصادر بتكليف من الكونغرس تقارير مستفيضة عن سجلات جميع الدول، موثقاً بتفاصيل دقيقة لقضايا من الاعتقال الجائر مروراً بالقتل خارج نطاق القضاء وصولاً إلى الحريات الشخصية.
وجاء في نصّه أنه "تم تبسيط تقارير هذا العام لتكون أكثر فائدة وسهلة الوصول على أرض الواقع ومن قِبل الشركاء، ولتحسين استجابتها للتفويض التشريعي الأساسي ومواءمتها مع قرارات الإدارة". وأعرب نواب المعارضة الديمقراطيون، وكذلك المنظمات غير الحكومية، عن قلقهم من تماشي التقرير مع سياسات ترامب بحيث لا يعكس صورة حقيقية لانتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.
تلميع وضع حقوق الإنسان في السلفادور
ومن ثم، في ما يتعلق بالسلفادور، الحليف الوثيق لإدارة ترامب، تؤكد وزارة الخارجية الأميركية أنها "لا تملك معلومات موثوقة تشير إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان"، مشيراً إلى "انخفاض تاريخي" في معدلات الجريمة، في حين يواجه هذا البلد انتقادات ولا سيما من منظمات غير حكومية بسبب حربه الشرسة على العصابات التي أرهبت السكان، بالإضافة إلى مركز مكافحة الإرهاب.
وأطلق رئيس السلفادور نجيب بوكيلة حملة أمنية واسعة ضد الجريمة تقول مجموعات حقوقية إنها أدت إلى اعتقال العديد من الأبرياء. واستقبل بوكيلة المهاجرين الذين قام ترامب بترحيلهم في إطار حملته الواسعة في هذا السياق ووضعهم في سجن خاضع لإجراءات أمنية قصوى حيث أفاد بعضهم عن سوء المعاملة. لكن هذه الادعاءات صدرت أخيراً بحيث يصعب ذكرها في التقرير. ورفع كيلمار أرماندو أبريغو غارسيا الذي أقرّت إدارة ترامب بأن ترحيله كان خطأ، دعوى قضائية لتعرّضه للضرب المبرح وحرمانه من النوم وعدم حصوله على تغذية كافية في سجن سيكوت (مركز احتجاز للمتهمين بالإرهاب) في السلفادور.
جنوب أفريقيا والبرازيل والصين
وفي المقابل، هاجمت الحكومة الأميركية بلدين تربطها بهما علاقات متوترة للغاية، هما جنوب أفريقيا والبرازيل. وقال التقرير إن وضع حقوق الإنسان تدهور عام 2024 في البرازيل حيث ندد ترامب بالملاحقة القضائية لرئيسها السابق جايير بولسونارو، حليفه الذي اتُّهم بمحاولة تنفيذ انقلاب تذكّر بهجوم أنصار ترامب في السادس من يناير/ كانون الثاني 2021 على الكابيتول الأميركي.
ونددت وزارة الخارجية الأميركية "باتخاذ المحاكم إجراءات مفرطة وغير متناسبة لتقويض حرية التعبير (...) والحوار الديمقراطي من خلال تقييد الوصول إلى المحتوى الإلكتروني الذي تعتبره "مضراً بالديمقراطية" بحسب التقرير. ويشار إلى أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على القاضي في المحكمة العليا في البرازيل ألكسندر دي مورايس، "مهندس الرقابة والاضطهاد" في حقّ بولسونارو الذي يحاكم بتهمة محاولة الانقلاب على الرئيس الحالي لويس إناسيو لولا دا سيلفا.
كما أكد التقرير أن وضع حقوق الإنسان "تدهور بشكل كبير" في جنوب أفريقيا حيث دعم ترامب قضية الأقلية البيضاء. ووأما في ما يخص الصين التي تعتبرها الإدارات الأميركية أبرز خصم للولايات المتحدة، فذكر تقرير وزارة الخارجية أن "إبادة" تجري بحق أقلية الإيغور المسلمة بمعظمها والتي ركّز روبيو على معاناتها عندما كان سيناتوراً.
وحذّرت أماندا كليسنغ من منظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة أن التقرير يبعث "رسالة مخيفة" مفادها بأن الولايات المتحدة ستتغاضى عن الانتهاكات إذا كان الأمر يناسب أجندتها السياسية. وأضافت "انتقدنا تقارير سابقة عندما كان هناك ما يبرر ذلك، لكن لم يسبق قط أن شهدنا تقارير مثل هذا التقرير".
(فرانس برس، العربي الجديد)