تقارب تونس وإيطاليا: توجّس من خلفياته وانعكاساته

21 يناير 2025   |  آخر تحديث: 12:33 (توقيت القدس)
توقيع اتفاق بين تونس وإيطاليا في العاصمة التونسية، أكتوبر 2023 (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت العلاقات التونسية الإيطالية تقارباً ملحوظاً، مع التركيز على مكافحة الشبكات الإجرامية والهجرة غير النظامية، والتزام إيطاليا بتمويل مشاريع طاقة متجددة في تونس بقيمة 400 مليون يورو.
- أثار هذا التقارب قلق المجتمع المدني بشأن تأثيره على أوضاع المهاجرين، حيث يُعتقد أن إيطاليا تسعى لتعزيز مصالحها في الطاقة والهجرة، مستغلة العزلة السياسية لتونس.
- تعكس الزيارات الإيطالية تقاطع المصالح بين البلدين، حيث تسعى إيطاليا لتقليل الهجرة غير النظامية، بينما تحاول تونس إظهار عدم عزلتها السياسية، مستفيدة من التعاون الثلاثي مع الجزائر وليبيا.

تصاعدت وتيرة الزيارات واللقاءات بين تونس وإيطاليا في الأيام الأخيرة، والتي تعكس مدى رضا البلدين عن المستوى الذي بلغته نوعية العلاقات بينهما. ولكن هذا التقارب المتزايد يطرح أسئلة كثيرة حول خلفياته وانعكاسه على الأوضاع التونسية وتأثيره على المنطقة، وأطماع وأهداف إيطاليا فيها، خصوصاً مع التطورات الأخيرة التي يشهدها شمال أفريقيا وتأزم الأوضاع فيها.

ويوم الجمعة الماضي، استقبل الرئيس التونسي قيس سعيّد رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي إينيازو لاروسا، مؤكّداً تميّز العلاقات بين الشعبين الصديقين، والإرادة المشتركة بين الدولتين التونسية والإيطالية. وبحسب بيان للرئاسة التونسية، فقد "تمّ التطرّق إلى ضرورة مضاعفة الجهود لتفكيك الشبكات الإجرامية التي تُتاجر بالبشر، سواء في شمال المتوسط أو في عدد من دول أفريقيا جنوبي الصحراء". وأكد سعيّد أن "تونس تحمّلت الكثير، وعلى دول الشمال أن تُضاعف جهودها حتى يعود هؤلاء الضحايا إلى ديارهم، وتمكينهم من العيش الكريم فيها"، مشدّدا على أن تونس ترفض أن تكون معبراً أو مقرّاً، هذا فضلاً عن أنّ الاستقرار في المنطقة هدف يُحقّق مصلحة الجميع.

وقبلها بيوم، كان وزير خارجية سعيّد محمد علي النفطي في روما يجتمع مع نظيره الإيطالي أنتونيو تاياني، الذي يعتبر أنّ الاتفاقيات بين تونس وإيطاليا "تمثل نموذجاً للقارة الأفريقية بأكملها"، وأشار خلال التوقيع إلى "إنتاج الطاقة المتجددة في تونس، والتزام الجانب الإيطالي بتمويل مشاريع تصل قيمتها إلى 400 مليون يورو". وأوضح تاياني في تصريح صحافي في فارنيسينا أن إيطاليا تريد أن تكون "جسراً بين تونس والاتحاد الأوروبي" من خلال تعزيز التعاون مع المفوضية الأوروبية، لضمان أن تصبح الدولة التونسية "محاوراً أساسياً للاتحاد الأوروبي".

ويثير هذا التقارب بين تونس وإيطاليا ريبة المجتمع المدني بشكل كبير، خصوصاً ما يتعلق بانعكاسه على أوضاع المهاجرين. ويفسر البرلماني السابق والناشط السياسي المقيم في إيطاليا مجدي الكرباعي أن "الزيارات المتتالية لمسؤولين إيطاليين تطرح أكثر من سؤال حول النسق المكثف لها". ويشير الكرباعي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "بين البلدين ملفات ذات أهمية كبرى بالنسبة للجانب الإيطالي، تتعلق بالهجرة والطاقة ومشروع الهدروجين الأخضر، وهو ما يفسر نسق الزيارات المتواتر في ظرف زمني وجيز لوزير الخارجية أنتونيو تاياني، ثم رئيس مجلس الشيوخ".

تقارير عربية
التحديثات الحية

ويضيف أنّ هذه الزيارات تزامنت مع نشر وزارة الصناعة والطاقة والمناجم التونسية بياناً أعلنت فيه عن توقيع اتفاقية بين عملاق الطاقة الإيطالي "إيني" و"سيتاب" للأنشطة البترولية التونسية، لتمويل مشاريع تطويرية بحقل البُرمة (جنوب تونس)، "وهو اتفاق يمنح المؤسسة الإيطالية امتيازات لحفر بئر نفطية، ويوسّع مجال عملها في تونس، على الرغم من الاتهامات التي تلاحق هذه الشركة بعدم التزامها بالواجبات الاجتماعية والبيئية المحمولة عليها".

وعلى المستوى السياسي، يرجح الكرباعي أن "تكون العزلة التي تعيشها تونس، وفتور علاقاتها مع العديد من الدول الأوروبية، دافعاً لإيطاليا من أجل تحسين تموضعها في تونس، واستغلال الوضع للظفر باتفاقيات جديدة لفائدة مؤسساتها، ولا سيما في القطاعات المهمة على غرار الطاقة". ويرى الناشط السياسي أن "إيطاليا في طريق مفتوح لتنفيذ مخطط (ماتي)"، مؤكّداً أن وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني أشار إلى ذلك في اللقاء الذي جمعه بنظيره التونسي محمد علي النفطي في إيطاليا، حيث قال الأخير إنّ تونس تحظى بالأولوية في مخطط ماتي، ويوضح أن "مخطط ماتي هو برنامج استعماري جديد لشمال أفريقيا وباقي دول القارة، وهو برنامج لصدّ المهاجرين، وبصدد التنفيذ حالياً".

ويؤكّد الكرباعي أن "إيطاليا ستجني مئات المليارات من اليوروهات من صفقات عقود الطاقة التي حصلت عليها مقابل وعود الـ400 مليون يورو التي وعدت إيطاليا بتقديمها إلى تونس في إطار التعاون بين البلدين".

من جهته، يعتبر المتحدث باسم "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" رمضان بن عمر أنّ "الزيارات المتواترة لمسؤولين إيطاليين إلى تونس تؤكّد وجود تقاطع مصالح بين البلدين". ويشير بن عمر، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "السلطات الإيطالية تهدف إلى تحقيق نتائج عجزت عنها الحكومات السابقة، ومن أبرزها تخفيف عدد المهاجرين الواصلين إلى إيطاليا بطريقة غير نظامية".

ويؤكّد أنّ "كامل منطقة اليورو شهدت تراجعاً في عدد المهاجرين الواصلين إليها بنسبة 38%، بينما تمكّنت إيطاليا من خفض هذه النسبة إلى 80%، وهي نتيجة لم يسبق لها تحقيقها، ويعتبرها المسؤولون الإيطاليون إنجازاً". في المقابل، يعتبر بن عمر أنّ "الطرف التونسي يحاول إظهار أنه غير معزول سياسياً، وأن هناك قيادات دولية أوروبية تسعى للتعاون مع تونس، وأنّ الدعم المادي واللوجستي من الجانب الأوروبي متواصل". ويضيف: "تستفيد تونس أيضاً من الجهود التي تبذلها إيطاليا لإذابة الجليد بينها وبين العديد من الدول، من بينها الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول الخليج العربي".

وحول موقف تونس الذي صرّح به الرئيس سعيّد خلال لقائه رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي بأن بلاده لن تكون أرض عبور ولا أرض إقامة للمهاجرين غير النظاميين، يؤكّد بن عمر أنّ "الشعار الذي ترفعه السلطات التونسية يتناقض مع التزاماتها الدولية وتاريخها باعتبارها منطقة كانت معبراً لالتقاء الحضارات والتنقلات البشرية في المنطقة". ويعتقد رمضان بن عمر أن "استعمال سلطات تونس للشعارات بشأن ملف الهجرة هدفه توظيف الملف داخلياً، وإظهار الرئيس سعيّد بأنه الحامي للبلاد من جحافل المهاجرين".

ويضيف: "في المقابل، تستسيغ السلطات الإيطالية هذه الشعارات طالما لا تزال تونس تلعب دوراً في صد المهاجرين، وهو ما حوّلها إلى لاعب رئيسي في المنطقة وفي المقاربة الإيطالية". ويضيف بن عمر أن "السلطات الإيطالية تسعى إلى استنساخ التجربة التونسية مع العديد من الدول الأخرى، نظراً للمكاسب السياسية التي حققتها حكومة جورجيا ميلوني في ملف الهجرة".

وحول تعويل تونس على السلطات الإيطالية للدفاع عن مصالحها في المحافل الدولية، يقول بن عمر إن "هذا الأمر أصبح واضحاً، حيث نجحت هذه الأخيرة، بالتعاون مع القوى السياسية القريبة منها في الفضاء الأوروبي، في تعطيل العديد من الضغوطات على تونس، خاصة في ما يتعلّق بالملف الحقوقي والديمقراطي"، ويؤكد أيضاً أن "إيطاليا تلعب أدواراً خفية حتى لدى الهيئات المالية الأوروبية من أجل توجيه المساعدات إلى تونس".

ويتحدث بن عمر أيضاً عن استفادة تونس من خطة ماتي في ما يخص مشاريع الطاقة، لافتاً إلى أن إيطاليا خلقت حلفاء لها في قاعدتها الجنوبية، كما تمكنت من إقناع كل من تونس والجزائر وليبيا بالتنسيق الثلاثي في ملف الهجرة وفي التعاون الاقتصادي". ويعتبر المتحدث أن "إيطاليا تحقق مكاسب في تونس بأقل كلفة ممكنة، حيث كلفها مشروع مراكز اللجوء في ألبانيا إنفاقاً أكبر بعشرات المرات مما أنفقته في تونس".

دلالات