تفكيك ساحة التحرير: التعويل على اعتصامات الجنوب العراقي

تفكيك ساحة التحرير: التعويل على اعتصامات الجنوب العراقي

01 نوفمبر 2020
خلال تفكيك الخيام في ساحة التحرير أمس (مرتضى السوداني/الأناضول)
+ الخط -

سادت مشاعر من خيبة الأمل في العاصمة العراقية بغداد، وأغلب بيوت العراقيين المتفاعلين مع ما كانوا يسمونه أمل التغيير الوحيد، مع مشاهد الجرافات التي رفعت خيام ساحة التحرير ومنصات إلقاء الأهازيج وصور الضحايا ولافتات المطالب، فجر أمس السبت. ويأتي ذلك فيما كانت ساحات الجنوب، وخصوصاً في ذي قار وكربلاء، في حيرة من أمرها بين اللجوء إلى التهدئة، أو الاستمرار بالاعتصام والتظاهر بعيداً عما يجري في بغداد، إذ إنهم يعتبرون الخروج من دون تنفيذ كل المطالب أو إحداث تغيير ملموس في حياة العراقيين بمثابة نكبة أخرى.
وأعادت السلطات العراقية، أمس الجمعة، فتح ساحة التحرير، وجسر الجمهورية الرابط بينها وبين المنطقة الخضراء أمام حركة السير، في خطوة قالت الحكومة إنها أتت بالاتفاق مع المتظاهرين. لكن الحقيقة وفقاً لناشطين، أن الاتفاق تم مع لجان تنسيقية محسوبة على "التيار الصدري"، وأخرى تم التفاوض معها من قبل فريق مستشاري رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بمنحها إغراءات واضحة من بينها تأمين وظائف لعدد من أعضائها. وأكد الناشطون الذين تحدثوا لـ"العربي الجديد"، أن تجريف الخيام وفتح الساحة لن يكون نهاية التظاهر حتى لو بقي العشرات منهم يستظلون تحت أشجار ساحة التحرير.
وقال قائد عمليات بغداد الفريق الركن، قيس المحمداوي، في بيان أمس، إن "الجهد الهندسي في عمليات بغداد باشر فجر اليوم (أمس) بإعادة فتح ساحة التحرير، وجسر الجمهورية أمام حركة سير العجلات"، موضحاً أن "هذا الإجراء سيخفف الزخم المروري الحاصل في المناطق القريبة من الساحة". ولم يدل المسؤول بأي تفاصيل بخصوص المتظاهرين.
وبعدما كان لا يوجد متسع قدم في ساحة التحرير ببغداد، بسبب أعداد العراقيين الضخمة التي كانت تملأها للتعبير عن نقمتها من العملية السياسية والأحزاب الحاكمة، وعلى إثر ذلك أغلقت بالكتل الاسمنتية والعوارض، إلى جانب ثلاثة جسور على نهر دجلة تربط كرخ بغداد برصافتها، وجد المتظاهرون أنفسهم قد وقعوا بما يسمونه "فخ خبث أحزاب السلطة"، وقلة خبرتهم وإصرارهم على عدم اختيار قيادة من بينهم، بشكل سمح للكثيرين التحدث باسمهم والتفاوض بشأن حقوقهم ومطالبهم. واتهم عدد من هؤلاء المتظاهرين، الحكومة بتعمد السماح بدخول المندسين وأنصار المليشيات للساحة في الأيام الأخيرة، لتخويف المحتجين وترسيخ فكرة تشويه التظاهرات والتخويف من حرف مسارها إلى العنف، وإقناعهم بالتالي بالانسحاب من الساحة وهو ما حصل فعلاً.


الكاظمي: الانتخابات الحرة النزيهة هي موعد التغيير المقبل

من جهته، علق الكاظمي على الحدث بالقول في تغريدة عبر حسابه على "تويتر": "شبابنا في ساحة التحرير ضربوا أروع الأمثلة الوطنية طوال عام كامل، واليوم يؤكدون شموخهم الوطني بإبداء أقصى درجات التعاون لفتح الساحة أمام حركة السير وإعادة الحياة الطبيعية"، معتبراً أنّ "الانتخابات الحرة النزيهة هي موعد التغيير المقبل الذي بدأه الشباب بصدورهم العارية قبل عام". وختم بالقول إن "العراق لن ينسى شبابه".
في السياق، اعتبر عضو التيار المدني، أحمد حقي، ما جرى فجر أمس السبت بأنه "نكبة"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "حال العراقيين لم يتغيّر، بل على العكس كان وضعهم عام 2019 أفضل من 2020 مادياً واجتماعياً، وما جرى قد يهدد بانفجار أكبر قريب، بسبب خيبة أمل الناشطين وكل العراقيين من تحالف الأحزاب على اختلافها على وأد مطلب الإصلاح والتغيير".
وينقسم المتظاهرون حالياً إلى قسمين؛ الأول يرى أنّ التظاهرات انتهت، ويؤكد على ضرورة الذهاب نحو الخيارات السلمية الأخرى لتحديد مصير العراق، ولا سيما عبر الانتخابات المبكرة التي حددت الحكومة موعدها في 6 يونيو/ حزيران المقبل، وذلك من خلال تأسيس كيانات سياسية جديدة أو المساهمة في دعم أحد الكيانات المقربة من المتظاهرين. وهذا الفريق تبنى التفاوض مع الكاظمي وانسحب نهائياً من الساحة. في المقابل، يؤكد القسم الثاني التزامه البقاء في الساحات والضغط على رئيس الوزراء لتنفيذ المطالب التي باتت تتلخص بالكشف عن قتلة المتظاهرين.

واندلعت التظاهرات العراقية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عقب دعوات انطلقت عبر موقع "فيسبوك" على إثر تردي الخدمات وتفاقم نسبة البطالة، قبل أن تتفجر بشكل واسع في بغداد ومدن جنوب ووسط العراق خلال ساعات قليلة. وطيلة السنة الماضية، شهدت التظاهرات عمليات عنف غير مسبوقة، ولا سيما بعد أن دخلت جماعات مسلحة وُصفت بـ"الطرف الثالث"، على خط قتل وقمع واختطاف المحتجين والناشطين. وقد أدت أعمال العنف إلى مقتل نحو 700 متظاهر، وإصابة أكثر من 27 ألفاً آخرين، في وقت لم تتم فيه محاسبة أي جهة متورطة بهذه الأعمال.
ويتحدث ناشطون في ساحة التحرير عما يصفونه بـ"خيانة بعض قادة ولجان التنسيق"، في عملية إعادة فتح ساحة التحرير وجسر الجمهورية، وقبلهما نفق السعدون، ومحيط الساحة، إذ إن ذلك تم من دون معارضة من المتظاهرين الذين سبق أن أفشلوا ثلاث محاولات من قبل حكومة عادل عبد المهدي لاقتحام الساحة، وقد سقط عدد غير قليل من الضحايا خلالها.
وتوقع هؤلاء الناشطون، الذين تحدثوا لـ"العربي الجديد"، أن تعود ساحة التحرير "إلى رتابتها السابقة، من خلال مجموعات الناشطين المحسوبين على الحزب الشيوعي العراقي والتيار المدني، والتي تتظاهر كل يوم جمعة من كل أسبوع منذ عام 2011 ببضع عشرات من المتظاهرين". وأضافوا: "التظاهرات سترجع إلى بيروقراطيتها المملة السابقة، وقد نشهد في كل أسبوع أو شهر تظاهرة لساعتين أو وقفة لاستنكار حدثٍ ما، وتنتهي بسرعة، وهذا ما تريده الحكومة العراقية في واقع الأمر، إذ إنها لا تخشى من هذه التظاهرات، كونها تحصل على الموافقات الأمنية قبل انطلاقها، ويتم التحاور مع قادتها بشأن الهتافات ونوعيتها وأعداد المحتجين".

يتحدث ناشطون عما يصفونه بـ"خيانة بعض قادة ولجان التنسيق"

وقال الناشط علاء ناصر، وهو من المؤمنين بالبقاء في ساحة التحرير، لـ"العربي الجديد"، إنّ "تظاهرات تشرين تعرضت لخذلان كبير وخيانة عظمى من قبل بعض الناشطين المدنيين الذين انسجموا مع حكومة الكاظمي، ومن الإعلاميين الذين تركوا المتظاهرين وهمومهم، واستقروا في مكاتب الأحزاب السياسية". وأضاف ناصر أنّ "ساحة التحرير شهدت قبل أسابيع انسحابات متتالية من قبل ناشطين، وكنا نظنّ أنهم تعرضوا إلى ضغوطات أو تهديدات، ولكن تبيّن في النهاية أنهم حصلوا على مبالغ مالية لقاء تركهم الساحة".
أما الناشط عمر إسماعيل، وهو من المعتصمين في حديقة الأمة ببغداد، فقال إنّ "حكومة الكاظمي تركز على إنهاء الاحتجاجات في ساحة التحرير، كونها الأشهر وتعتبر رمز الانتفاضة بالنسبة للعراقيين والصحافة الغربية ضدّ فساد الأحزاب والمليشيات، وبالتالي فإنّ قتل الثورة في بغداد يعني مقتلها في بقية محافظات وسط وجنوب البلاد". ولفت في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ "الساحة لم تكن مكاناً للتجمع والتجمهر الشعبي والتظاهر، بل متحفا صغيرا، فهي تضم سلسلة طويلة من الأعمال الفنية والمنحوتات والرسوم والشعارات الوطنية، وكانت تحتوي على مسرح وسينما، وتريد الحكومة أن تنهي معالم الحرية في ساحة التحرير".
وتابع إسماعيل أنّ "المتظاهرين لم يحققوا حتى الآن كل أهدافهم، إذ لا يزال رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي طليقاً ولم يُحاسب عن قتل المتظاهرين الذين يتحمل مسؤولية دمائهم، على اعتباره القائد العام للقوات المسلحة آنذاك"، مشيراً إلى أنّ "المتظاهرين المنتشرين حالياً بالقرب من نصب الحرية ببغداد لن ينسحبوا، وهذا ما أقسمنا عليه، وسنعمل خلال الأيام المقبلة على إقامة فعاليات من أجل إرجاع الزخم".
من جهته، أكد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "رفع الكتل الخرسانية من الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير وفتح الطرق والجسور لا يعني نهاية الاحتجاجات في العراق، لأنّ العوامل التي تؤدي إلى الثورة لا تزال قائمة. إذ لا يزال قتلة المحتجين من دون أي محاسبة، كما أنّ السلاح لا يزال هو المسيطر على المشهد السياسي العراقي". وأوضح أنّ "أشكال التظاهر قد تتغيّر وفقاً للتطورات الكثيرة التي طرأت على المشهد الاحتجاجي في البلاد، ولكن لا يمكن القول إنّ الاحتجاجات انتهت، بل على العكس، الواضح أنّ الجيل الجديد لا يزال يؤمن بالتظاهرات السلمية لنيل المطالب".
بدوره، رأى المحلل السياسي أحمد الشريفي، أنّ "الأحزاب والجهات المناهضة للثورة العراقية، سواء كانت مدنية أو مسلحة، اعتمدت أسلوب قتل التظاهرات وتحديداً في بغداد، عبر إصابتها بالسرطان، وليس عبر رصاصة في الرأس، وقد نجحت حالياً في ذلك، ولكن المستقبل لن يكون في صالح هذه الأحزاب". وأضاف في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "إنهاء الاحتجاجات في ساحة التحرير، يدلّ على نهاية التظاهرات في العراق، وهو ما ركزت عليه حكومة الكاظمي بمساعدة مستشاريه والمقربين منه، الذين تنصلوا من آرائهم السابقة في الدفاع عن الانتفاضة والدعوة لاستمرارها إبان حكومة عادل عبد المهدي".

المساهمون