تفاؤل روسي حذر يخيم على قمة بوتين وترامب في ألاسكا

15 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 01:39 (توقيت القدس)
أنكوراج في ألاسكا، 13 أغسطس 2025 (جينا مون/رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يلتقي الرئيسان ترامب وبوتين في ألاسكا في قمة تاريخية، وهي أول زيارة لبوتين إلى مدينة غربية منذ بدء الحرب في أوكرانيا، وتهدف إلى حل النزاع الأوكراني ومناقشة الحد من الأسلحة النووية.
- يضم وفد بوتين وزراء الخارجية والدفاع والمالية، مما يعكس تنوع القضايا المطروحة، مع التركيز على الأزمة الأوكرانية والدفاع والتعاون الاقتصادي، وقد تم تعليق بعض العقوبات الأميركية على روسيا تمهيداً للقمة.
- تعكس القمة رغبة في تطبيع العلاقات الروسية الأميركية، مع التركيز على التعاون الاقتصادي وتسوية الأزمة الأوكرانية، واختيار ألاسكا يحمل رمزية تاريخية لحل القضايا المهمة بشكل ثنائي.

تتجه أنظار العالم، اليوم الجمعة، إلى ولاية ألاسكا الأميركية، وسط ترقب انعقاد قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، في أول لقاء ثنائي من نوعه منذ قمة بوتين والرئيس الأميركي السابق جو بايدن في جنيف في يونيو/حزيران 2021. يضاف إلى ذلك أن هذه أول زيارة ذات طابع ثنائي لرئيس روسي إلى الولايات المتحدة منذ زيارة الرئيس السابق دميتري ميدفيديف إلى واشنطن وولاية كاليفورنيا في العام 2010، وسط تحسن ملحوظ للعلاقات الروسية الأميركية لم يدم طويلاً حينها. كما أنها أول زيارة لرئيس روسي إلى ألاسكا، وأول زيارة يجريها بوتين إلى مدينة غربية منذ بدء الحرب في أوكرانيا في العام 2022. وقبل ساعات من قمة بوتين وترامب قال الرئيس الروسي، خلال اجتماع مع كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين الروس أمس تناول الاستعدادات لقمته مع ترامب، إن الإدارة الأميركية تبذل "جهودا صادقة" لحل النزاع في أوكرانيا، وأشار إلى أن موسكو وواشنطن قد تتوصلان إلى اتفاق بشأن الحد من الأسلحة النووية. وقال بوتين للمسؤولين: "أود أن أخبركم عن المرحلة التي وصلنا إليها مع الإدارة الأميركية الحالية، والتي، كما يعلم الجميع، تبذل، في رأيي، جهودا نشطة وصادقة للغاية لوقف القتال وإنهاء الأزمة والتوصل إلى اتفاقات تصب في مصلحة جميع الأطراف المعنية بهذا النزاع".

وقال بوتين إن المناقشات مع الولايات المتحدة تهدف إلى تهيئة "ظروف السلام على المدى الطويل بين بلدينا وفي أوروبا والعالم ككل، إذا توصلنا إلى اتفاقات في مجال الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية في المراحل المقبلة". وتمتلك روسيا والولايات المتحدة أكبر ترسانتين من الأسلحة النووية في العالم. ولم يستبعد بوتين احتمال التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن الرقابة على الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، في إشارة إلى الوضع في المرحلة ما بعد انقضاء مدة سريان معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت-3) العام المقبل. ورغم أن بوتين أعلن في فبراير/شباط 2023، تعليق العمل بمعاهدة "ستارت-3"، إلا أنه يتواصل العمل ببعض أحكامها المتعلقة بإجراءات الثقة حتى فبراير 2026، فيما تكمن أهمية المعاهدة وخطورة إبطال مفعولها نهائيا في أنها تظل الاتفاقية الأخيرة التي من شأنها فرض قيود على القوة العسكرية لأكبر دولتين نوويتين.

من جهته، كشف معاون الرئيس الروسي للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف، للصحافيين أمس الخميس، أن وفد المفاوضين المرافقين لبوتين في قمته مع ترامب في ألاسكا، يضم وزراء الخارجية سيرغي لافروف، والدفاع أندريه بيلاوسوف، والمالية أنطون سيلاونوف، ومدير عام الصندوق الروسي للاستثمار المباشر، مبعوث الرئيس الروسي الخاص للتعاون الاقتصادي - الاستثماري مع الدول الأجنبية، كيريل دميترييف، ما يعكس أن القمة ستتناول طيفاً واسعاً من القضايا بما لا يقتصر على الملف الأوكراني، بل ستشمل أيضاً ملفات الدفاع والأمن الدولي والاستقرار الاستراتيجي والتعاون الاقتصادي وتحديداً احتمالات صفقة معادن روسية أميركية.

وقال أوشاكوف إن جدول الأعمال "سيتمحور بالدرجة الأولى على تسوية الأزمة الأوكرانية"، إضافة الى "السلام والأمن والقضايا الدولية المهمة والتعاون الثنائي"، معتبراً أن "التعاون بين روسيا والولايات المتحدة يحظى بطاقات هائلة غير مستغلة بعد". وأشار إلى أنه سيعقب اللقاء الذي سيُعقد في قاعدة إلمندورف الجوية في أنكوريج في ولاية ألاسكا، مؤتمر صحافي مشترك للرئيسين. وأشار إلى أنّ الاستعدادات لهذه القمة، "دخلت مرحلتها الحاسمة"، موضحاً أنها ستبدأ بلقاء ثنائي بين بوتين وترامب بحضور مترجمين، يليها غداء عمل بين الوفدين بحضور مجموعة من الخبراء، و"لاحقاً، سيُعقد مؤتمر صحافي مشترك لعرض خلاصة" للاجتماع. وأشار إلى رمزية مكان انعقاد قمة الزعيمين قرب الضريح التذكاري للطيارين السوفييت الذين سقطوا إلى جانب نظرائهم الأميركيين في الحرب العالمية الثانية التي أحيت روسيا ذكرى النصر فيها في مايو/أيار الماضي. ورجح أوشاكوف أن يعقد اللقاء التالي بين بوتين وترامب في روسيا.

وقبل ساعات من القمة، أعلن البيت الأبيض، في بيان، أن على ترامب استنفاد جميع الخيارات لإنهاء الحرب سلمياً. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس الخميس، إنه أجرى مناقشة مفصلة بشأن الضمانات الأمنية المحتملة لأوكرانيا خلال "اجتماع مثمر" مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لندن. وقال: "لقد ناقشنا بتفصيل كبير الضمانات الأمنية التي يمكن أن تجعل السلام دائماً حقاً إذا نجحت الولايات المتحدة في الضغط على روسيا لوقف عمليات القتل والانخراط في دبلوماسية حقيقية وموضوعية".

وكان ترامب استبق القمة بتوعد بوتين "بعواقب وخيمة" إذا عرقل تحقيق السلام في أوكرانيا، لكنه أشار أيضاً إلى أنه قد يلي قمة بوتين وترامب اجتماع ثانٍ يضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ولم يحدد ترامب طبيعة تلك العواقب، لكنه حذر بعد اجتماع عبر الإنترنت مع زعماء أوروبيين وزيلينسكي من عقوبات اقتصادية إذا لم يفض اجتماعه مع بوتين في ألاسكا إلى نتائج. وقال ترامب في مؤتمر صحافي أول من أمس الأربعاء: "إذا سار (الاجتماع) الأول على نحو جيد فسنعقد اجتماعاً ثانياً قريباً. أود أن أفعل ذلك على الفور تقريباً وسنعقد اجتماعاً ثانياً بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي بحضوري إذا كانا يرغبان في مشاركتي فيه". وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء الماضي، ترخيصاً يعلق مؤقتاً بعض العقوبات المفروضة على روسيا، وذلك في إطار التمهيد لعقد قمة بوتين وترامب في ألاسكا. وأوضحت إدارة مراقبة الأصول الأجنبية التابعة للوزارة، في بيان، أن الإعفاء يشمل المعاملات التي "تعد في العادة ضرورية وتترتب عن حضور أو دعم الاجتماعات التي تعقد في ولاية ألاسكا بين حكومة الولايات المتحدة وحكومة الاتحاد الروسي"، وأن فترة التعليق ستظل سارية حتى 20 أغسطس/آب الحالي.

وقبل توجه بوتين إلى ألاسكا، أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي سيشارك في القمة ضمن الوفد الروسي، اتصالاً هاتفياً مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، يوم الثلاثاء الماضي، لمناقشة بعض جوانب الاستعدادات للقمة، وفق بيان صدر عن وزارة الخارجية الروسية.

أمل بأن تؤدي قمة بوتين وترامب لتطبيع العلاقات

من جهته، أعرب نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف عن أمله أن تُفضي القمة الروسية الأميركية المرتقبة إلى دفعة جديدة من تطبيع العلاقات الثنائية، بما فيها البت بمسألة عودة رحلات الطيران المباشر بين البلدين. وقال ريابكوف لصحيفة إزفيستيا الروسية الثلاثاء الماضي: "نأمل أن يمنح اللقاء المرتقب على أعلى مستوى دفعة لتطبيع العلاقات الثنائية التي ستتيح تحريك البت في الأمور مثل استئناف حركة الطيران، رغم أنه من الواضح أن الرئيسين سيركزان على قضايا أخرى تماماً"، في إشارة إلى أوكرانيا.


حذر بوريس ميجويف من مغبة المبالغة في التوقعات من قمة بوتين وترامب


أما بوتين فأجرى، بعد أسبوع على زيارة مبعوث الرئيس الأميركي الخاص ستيف ويتكوف إلى موسكو، سلسلة من الاتصالات مع قادة دول العالم، بمن فيهم الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وحتى زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الذي أطلعه بوتين على معلومات في سياق مفاوضاته المرتقبة مع ترامب، وفق بيان صدر عن الكرملين، ما قد يشكل مؤشراً لإمكانية أداء موسكو دور الوساطة بين واشنطن وبيونغ يانغ، خصوصاً أن ترامب التقى خلال ولايته الأولى مع كيم في المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين في العام 2019.

وتعليقاً على قمة بوتين وترامب، توقع كبير الباحثين بمعهد المعلومات العلمية حول العلوم الاجتماعية التابع لأكاديمية العلوم الروسية بوريس ميجويف أن تتركز مفاوضات بوتين وترامب على ثلاثة ملفات رئيسية، هي مصير الأراضي المتنازع عليها بين موسكو وكييف، والوضع المستقبلي لأوكرانيا، والعلاقات الروسية الغربية في مرحلة ما بعد الحرب. وقال ميجويف، لـ"العربي الجديد"، إنه "إذا أفضت قمة بوتين وترامب إلى صياغة معادلة للبت في هذه القضايا، فهذه ستكون نتيجة جيدة للغاية، وهذا الاحتمال وارد في ما يتعلق بالملفين الثاني والثالث، ولكن الملف الأول هو الأكثر تعقيداً، والتوصل إلى حل وسط فيه يتطلب تقديم تنازلات من كل جانب، بينما قد ينظر إلى مثل هذه التنازلات داخل كلا البلدين على أنها خيانة لمصالح الدولة". وحذر من مغبة المبالغة في التوقعات من قمة بوتين وترامب، موضحاً أن وضع آمال كبيرة على قمة بوتين وترامب، التي في المقابل قد تخرج بنتائج متواضعة، قد تؤدي إلى انهيار العملية السياسية وإطالة أمد النزاع في أوكرانيا.

لكن بصرف النظر عن مخرجات قمة بوتين وترامب ونتائجها، اعتبر الخبير في مركز بحوث قضايا الأمن التابع لأكاديمية العلوم الروسية قسطنطين بلوخين، في تعليق لـ"العربي الجديد"، أن مجرد تطبيع العلاقات الروسية الأميركية في حد ذاته بدلاً من المواجهة يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين. ومع ذلك، أقر بأن مخرجات قمة بوتين وترامب لن تترجم بالضرورة بإحداث انفراجة في الأزمة الأوكرانية، مشيراً إلى أن "هناك لاعبين آخرين في النزاع الأوكراني قد يكون لهم رأي مختلف عن بوتين وترامب، ولكن تعثر المسار الأوكراني لا يعني بأي حال من الأحوال أنه سيحول دون الانفراجة بملفات أخرى على أجندة المحادثات الروسية الأميركية".

إبراز الطابع الثنائي للقمة

من جهتها، رأت القائمة بأعمال مدير معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لأكاديمية العلوم الروسية ناتاليا تسفيتكوفا، في تصريح صحافي، أن قمة بوتين وترامب في ألاسكا تمكن مقارنتها مع لقاء آخر زعماء الاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في العاصمة الأيسلندية ريكيافيك في العام 1986 بعد انطلاق برنامج إصلاحات "بيريسترويكا" في نهاية عمر الدولة السوفييتية. واعتبرت تسفيتكوفا أن موقع انعقاد اللقاء في حد ذاته يدل على الكثير، مبينة أن "ألاسكا هي أرض تربط تاريخياً روسيا مع الولايات المتحدة وتدشن للحوار المباشر بين الشرق والغرب"، في تذكير بأن الإمبراطورية الروسية باعت ألاسكا للولايات المتحدة في العام 1867. وأضافت: "أتوقع أن رئيسي البلدين سيركزان على البحث عن نقاط التلاقي في التعاون الاقتصادي وتسوية الأزمة الأوكرانية ووضع هيكل جديد للعلاقات الثنائية. حتى في حال عدم التوصل إلى اتفاقات رسمية، سيشكل انعقاد اللقاء إشارة إلى استعداد الولايات المتحدة للنظر إلى روسيا مركز قوة مستقلاً في عالم متعدد الأقطاب وليس موضعاً للردع". وخلصت إلى أن "مثل هذه اللقاءات كفيلة بتغيير مسار السياسة العالمية".


قسطنطين بلوخين: تطبيع العلاقات الروسية الأميركية يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين


بدوره، رأى رئيس تحرير مجلة "روسيا في السياسة العالمية" فيودور لوكيانوف أن اختيار ألاسكا موقعاً لعقد المفاوضات بين بوتين وترامب له رمزية تدل على عزم البلدين تسوية المسائل المهمة بلا وسطاء. ووصف لوكيانوف اختيار موقع اللقاء بأنه كان مفاجئاً ومنطقياً في آن معاً، مضيفاً، لوكالة تاس الروسية، أن "رمزية اختيار الموقع تكمن في أن رئيسي أعظم بلدين يجتمعان بمنأى عن الآخرين ويحلان وجهاً لوجه قضايا مهمة من دون الحاجة إلى وسطاء". ومع ذلك، أقر المحلل السياسي المقرب من الكرملين بانعدام الضمانات بأن يسفر اللقاء عن تسوية ما في أوكرانيا، قائلاً إنّه "لا جدوى من التكهن بما قد يتم الاتفاق عليه، لكن من الواضح أنه سيكون لأي حلول ترضي روسيا والولايات المتحدة تقييم آخر في أوروبا، وبصفة خاصة في أوكرانيا".

في السياق نفسه، لفت رئيس المجلس العلمي بمركز المتغيرات السياسية أليكسي تشيسناكوف، في منشور بعنوان "ألاسكا كخطوة أولى" على قناته على "تليغرام"، إلى ثلاث نقاط مهمة في انعقاد القمة في ألاسكا، أولها عدم منح شرف استضافة القمة لأي من الحلفاء المشتركين، وتسوية المسائل العالقة في إطار ثنائي، وثانياً، أنه في حال أجريت زيارة جوابية إلى أقصى شرق روسيا، فهذا سيشكل عامل تعزيز لمنطقة المحيط الهادئ ويعيد سيناريو تخفيف التوتر في سبعينيات القرن الماضي، وثالثاً، أن موسكو وواشنطن لهما أجندة ثنائية لا تقتصر على القضية الأوكرانية.

وكان معاون الرئيس الروسي للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف أعلن، السبت الماضي، أن قمة بوتين وترامب ستركز على مناقشة التسوية طويلة الأجل في أوكرانيا. وقال إنه "تتقاطع في ألاسكا ومنطقة القطب الشمالي المصالح الاقتصادية لبلدينا، وهناك آفاق لتحقيق مشاريع كبرى ومتبادلة المنفعة، لكن، بالطبع، سيركز الرئيسان بلا شك على مناقشة سبل التوصل إلى تحقيق تسوية مستدامة للأزمة الأوكرانية". وجاءت تصريحات أوشاكوف بعيد إعلان ترامب عزمه مقابلة بوتين في ألاسكا، ما شكل مفاجأة، إذ كانت كل التوقعات السابقة تشير إلى عقد لقاء على أرض محايدة، في دول مثل تركيا أو السعودية وأخيراً الإمارات. وكان بوتين وترامب عقدا عدة لقاءات ثنائية خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي (2017 - 2021) على هامش مؤتمرات دولية كبرى على أراضي دول ثالثة مثل فنلندا وألمانيا وفيتنام، بلا زيارات متبادلة لأي منهما إلى موسكو أو واشنطن، لتأتي زيارة بوتين إلى ألاسكا لتكسر الجمود في العلاقات الروسية الأميركية المتدهورة منذ قرابة عقد.