تفاؤل روسي حذر بفوز بايدن: توقعات باستقرار استراتيجي بلا صداقة

14 نوفمبر 2020
الصورة
كان هناك "كيمياء شخصية" بين ترامب وبوتين (ميخائيل كلمنتييف/فرانس برس)
+ الخط -

على الرغم من الفتور الذي تبديه موسكو حيال فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، في انتخابات الرئاسة الأميركية على الرئيس الخاسر دونالد ترامب، وتأني الكرملين في تهنئة سيد البيت الأبيض الجديد حتى إعلان النتائج الرسمية، إلا أن ثمة مؤشرات تؤكد تفاؤل موسكو باستقرار العلاقات مع الإدارة الأميركية الجديدة، لا سيما في مجال الرقابة على الأسلحة، وتزايد الآمال بتمديد معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت-3) التي تنتهي في فبراير/شباط المقبل.
وتوقع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ألا تشهد السياسة الخارجية الأميركية أي "تغييرات ثورية" تجاه روسيا مع بايدن، مجدداً في تصريحات صحافية الخميس الماضي، تأكيد موقف الكرملين بعدم تهنئة الفائز في الانتخابات إلى حين الإعلان عن النتائج الرسمية واعتراف الطرف الخاسر بفوز منافسه.

قد تتسم العلاقات الروسية الأميركية في عهد بايدن بالتوازن والاستقرار

وسبق للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة دميتري بيسكوف، أن أعرب في تصريحات صحافية، عن قناعة الكرملين بأنه ينبغي انتظار الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات قبل تهنئة الرئيس المنتخب. وذكر، في الوقت نفسه، بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد مراراً "احترام أي خيار للشعب الأميركي، والاستعداد للعمل مع أي رئيس أميركي منتخب".
وفي هذا الإطار، توقع الخبير في الشأن الأميركي بالمجلس الروسي للشؤون الدولية أليكسي ناوموف أن تتسم العلاقات الروسية الأميركية في عهد بايدن بالتوازن والاستقرار. ورجح أن تستثمر روسيا الفضائح التي تخللت عملية فرز الأصوات للتشكيك في نموذج الديمقراطية الأميركية. وقال ناوموف في حديث لـ"العربي الجديد": "تعودنا سماع أن ترامب يحب روسيا، لكن لم تتم تسوية أي قضية مهمة للعلاقات الثنائية في عهده. وكانت أي محاولة منه لتطبيع العلاقات مع موسكو تنتهي بمواجهته تهم ارتباطه بالكرملين، فكان يضطر لتغيير موقفه".

وحول رؤيته لآفاق العلاقات الروسية الأميركية مع بايدن، أوضح ناوموف "من المؤكد أن بايدن لن يكون صديقاً أو شريكاً لروسيا، وإنما خصماً في مواجهة متزنة وهادئة، بلا أعمال عفوية على غرار تلك التي كان يقوم بها ترامب، مثل اغتيال قائد فيلق "القدس" بالحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، في يناير/كانون الثاني الماضي، ما سبب انفجاراً في الشرق الأوسط، ولم يحسن الوضع. ندرك أنه لن تحدث مثل هذه الأعمال المفاجئة في عهد بايدن، ما يتيح فرصة لتحويل المواجهة إلى حالة مستقرة، يمكن تشبيهها بالحرب الباردة" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، والتي اتسمت بتمحور التعاون بين واشنطن وموسكو حول الرقابة على الأسلحة".
وبعد الغموض الذي خيم خلال الأشهر الماضية على مصير معاهدة "ستارت-3" في ظل إصرار إدارة ترامب على إشراك الصين في المفاوضات، ذكّر ناوموف بأن بايدن أعرب عن عزمه تمديدها. واعتبر أن بايدن، على عكس ترامب، غير معني بالإخلال بتوازن منظومة العلاقات الدولية،. واعتبر أن "مثل هذا العدو الهادئ خير من صديق فوضوي لم يحقق أي تقدم في العلاقات".

قد تستثمر موسكو فضائح فرز الأصوات في الانتخابات الأميركية لتعزيز مكانتها

في سياق آخر، توقع ناوموف أن تستثمر موسكو، شأنها في ذلك شأن غيرها من الأنظمة السلطوية، الفضائح التي تخللت عملية فرز الأصوات في الانتخابات الأميركية، لتعزيز مكانتها. وقال "من الواضح أن وسائل الإعلام والدعاية الروسية تستثمر ذلك لتشويه صورة الديمقراطية الأميركية، والتشكيك في إمكانية إجراء انتخابات نزيهة من أساسها. هذه الفوضى في الولايات المتحدة هي هدية لجميع الحكومات الاستبدادية، بما فيها روسيا، التي لا تتسم بدرجة عالية من الديمقراطية، حتى ترفع شعار: كيف يعلمنا هؤلاء الديمقراطية وعندهم مشكلات كهذه؟ مع تضخيم نطاق هذه المشكلات بالطبع".

من جهته، اعتبر الخبير في العلاقات الدولية، فلاديمير فرولوف، في صحيفة "ريبابليك" الإلكترونية الروسية، أن مشكلة موسكو في عهد بايدن لن تكون تدهور العلاقات بقدر ما هي استعداد الإدارة الجديدة لتقليص هذه العلاقات، وربط أهمية روسيا بنطاق وحِدّة المشكلات التي قد تخلقها للولايات المتحدة. وفي مقال بعنوان "بايدن ليس لنا. كيف ستكون العلاقات الروسية الأميركية الآن؟"، لفت فرولوف إلى أن تقدم بايدن على ترامب يشكل رابع حالة فقط لخسارة رئيس قائم في التاريخ الأميركي ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأشار إلى أن المواقع السياسية الداخلية لبايدن قد يضعفها فشل الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس، في حال عجزهم عن الحصول على الأغلبية في مجلس الشيوخ الذي ينتظر جولة إعادة في جورجيا لحسم تشكيلته.
وتوقع كاتب المقال أن يركز بايدن، خلال العام الأول من رئاسته، على مواجهة جائحة كورونا التي اكتسبت نطاقاً كارثياً في الولايات المتحدة. ورجح بقاء السياسة الخارجية على هامش أولويات الإدارة الجديدة، ما عدا التعاون الدولي للتصدي للجائحة. وفي ما يتعلق بالموقف الروسي من خسارة ترامب، اعتبر فرولوف أن "خسارة الصديق ترامب" أمر مزعج لموسكو، نظراً لـ"الكيمياء الشخصية" بينه وبين بوتين، وأهمية قيام ترامب بـ"التفكيك المتسارع لنظام الريادة العالمية الأميركية"، ما كان يضعف هيمنة واشنطن، ويسرّع تآكل التحالفات العسكرية - السياسية الغربية، ويقلل من احتمال التنسيق الفعال بين الدول الغربية لمواجهة السياستين الخارجية والدفاعية الروسيتين.

وبالعودة إلى بايدن، توقع الخبير الروسي أنه لن تكون هناك "كيمياء شخصية" بينه وبين بوتين. وذكر بأن بايدن عقد لقاء مع ممثلي المعارضة الروسية في السفارة الأميركية بموسكو في مارس/آذار 2011، حين كان يشغل منصب نائب الرئيس الأميركي، وألمح خلاله إلى أن عودة بوتين إلى كرسي الرئاسة في 2012 أمر غير مرغوب فيه. وخلص كاتب المقال إلى أن النتيجة السريعة الوحيدة التي يمكن تحقيقها في العلاقات بين موسكو وواشنطن في عهد بايدن، ستكون تمديد معاهدة "ستارت-3" لمدة خمس سنوات إضافية، مع مواصلة الحوار حول المعايير المستقبلية للاستقرار الاستراتيجي. يُذكر أن موسكو وواشنطن وقّعتا على معاهدة "ستارت-3" في عهد إدارة باراك أوباما عام 2010، وسط تصدّر قضايا الأمن الدولي والحد من الأسلحة أجندة التعاون بين البلدين، قبل أن يتجه ترامب للانسحاب من الاتفاقيات الدولية والمعاهدات العسكرية واحدة تلو الأخرى، مما زاد من الشكوك حول إمكانية تمديد "ستارت-3" في حال إعادة انتخابه.

المساهمون