تسبب إعلان المستشار الألماني فريدريش ميرز في 24 يوليو/تموز الماضي، عن تعديلات وزارية بزوبعة سياسية في البلاد بعد الاتهامات التي طاولته داخل حزبه المسيحي الديمقراطي بأنها إجراءات تعسفية، ووصفها من أحزاب المعارضة بأنها تكتيكات تجزئة، وصولاً لمطالبته بالاستقالة. فهل تمثل التعديلات الوزارية نقطة تحول إيجابية وتمهد الطريق لبداية جديدة لميرز وحكومته، أم ستكون بمثابة صدمة تغرق الحزب المسيحي الديمقراطي في مناكفات تنتهي بتخليه عن الحكم؟
على وقع الصخب من التعديلات الطارئة التي فرضتها فضيحة رئيس كتلة حزب المستشار في البوندستاغ (البرلمان الألماني) ينس شبان، وحياته الخاصة، والضغوط لتقديم استقالته مع اكتشاف إنجابه طفلاً في الخفاء مع زوجه عن طريق أمّ بديلة في الولايات المتحدة، بعدما اعتبرت بمثابة خطأ فادح وكارثة ثقة للحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ، حيث تأجير الأرحام غير قانوني في ألمانيا، طغت أجواء من التململ وعدم اليقين داخل الحزب المسيحي الديمقراطي لان التعديلات الوزارية لم تكن مدروسة.
لا مؤشر على تهدئة داخل حزب ميرز
وفي الإطار، بيّنت التحليلات والآراء أنه لا يبدو أن هناك مؤشراً على الهدوء داخل حزب ميرز لأن السخط يتزايد بشكل ملحوظ ضد المستشار، مع خيبة الأمل التي سبّبها لدى سياسيي حزبه، ووصف البعض منهم التعديلات الحكومية بالفاشلة، فضلاً عن تخلف حزبه عن حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي في استطلاعات الرأي على مساحة البلاد.
وفي السياق، ذكرت تقارير، بينها لمنصة "بايريشر 24" الإخبارية في 6 أغسطس/آب الحالي، أن الهمسات بدأت تتعالى ضده، وبأنه لا يمكن لميرز أن يبقى في منصبه طويلاً، حتى أنه يتم التداول بأسماء مرشحين محتملين لخلافته، أبرزهم رئيس حكومة ولاية شمال الراين فستفاليا هندريك فست.
من ناحية ثانية، ذكرت شبكة "أن تي في" الإخبارية، مطلع الأسبوع الحالي، أن الكتلة البرلمانية للحزب المسيحي الديمقراطي في ولاية راينلاند بفالس، والتي يتبع لها شنيدر، ألغت اجتماعاً كان مقرراً انعقاده في مدينة ماينز مع ميرز، ووجهت رسالة للأخير اعتبرت فيها أن "أي تواصل شخصي يتطلب حداً أدنى من الثقة والاحترام المتبادلين، وهذا ليس الحال في الوضع الراهن". وفي مسقط رأس شنيدر، أرزفيلد جنوب غرب البلاد، يسود السخط والغضب، إذ قال رئيس فرع الحزب غيرهرد كاوث لصحيفة "تاغسشبيغل" السبت الماضي، إن ما فعله ميرز مع شنيدر أمر غير مفهوم بالنسبة لنا جميعاً، وهذه فضيحة وأسلوب تعسفي مريع للغاية.
وفي رأي محللين، فإن هناك احتمالاً بأن يصل الأمر بكتلة الحزب هناك إلى حد الانتقام من ميرز. وفي هذا الصدد، نقلت صحيفة "هاندلسبلات" أخيراً، عن عضو في المجلس التنفيذي الاتحادي لحزب ميرز رفض الكشف عن اسمه، أن المستشار أرسى بتعديلاته الوزارية سابقة، فهو يتصرف كرئيس مجلس إدارة ويرفض الأداء عندما لا يعجبه. وأضاف: "لقد بات تهور ميرز وعدم كفاءته المهنية يهددان الحكومة وسمعة الحزب المسيحي الديمقراطي العريق، ولا يسع المرء إلا أن يشعر بالأسف، فالأجواء داخل الحزب بأكمله كارثية". ووفقاً لمراقبين، إن وزيرة الاقتصاد كاترينا رايش مرشحة محتملة أيضاً للإقالة من الحكومة الاتحادية.
توماس ستيلر: استقالة شبان أحدثت قدراً كبيراً من الفوضى داخل أحد أكبر أطراف أحزاب الائتلاف الحاكم
وفي خضم هذه التطورات وتصاعد النقمة على ميرز مقابل دفاع بعض سياسيي الحزب المسيحي الديمقراطي عن التعديلات، وبأن المستشار كان محاصراً ومجبراً على التحرك بسرعة بعد فضيحة زعيم كتلة الحزب في "البوندستاغ"، وأن التعديلات الحكومية ستمثل انطلاقة جديدة ونقطة تحول في مسيرته، رأى الباحث السياسي توماس ستيلر، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن استقالة شبان لم تفرض عملية التعديل في المناصب الوزارية للحزب المسيحي الديمقراطي وفق طموحات ميرز، بل أحدثت قدراً كبيراً من الفوضى داخل أحد أكبر أطراف أحزاب الائتلاف الحاكم بعد اتهامه بالتفرد بالقرار، وكيف أن ميرز تسرّع وخضع لضغط الوقت، من دون تخطيط دقيق، أو الأخذ بالاعتبارات السياسية في الحسبان كالإنصاف في التمثيل بين مختلف فروع حزبه الذي يعاني من تقهقر بشعبيته في الولايات. وشدد على أن إدارة ميرز والأسماء المختارة لا تبشر بانطلاقة وطاقة متجددة للحكومة، وبأن أيام عدم الاستقرار داخل حزبه لن تنتهي قريباً.
غياب المصداقية
وعن شخصية ميرز ومقارباته السياسية، قالت الباحثة والخبيرة في التواصل السياسي كارولا هونين، لـ"العربي الجديد"، إن فريدريش ميرز يتولى منصبه منذ مايو/أيار 2025، ولكن بدلاً من الشعور بالارتياح لسياسته يسود التباعد والاستياء، وتظهر استطلاعات تدنياً تاريخياً في نسبة تأييده، ويتهمه النقاد بالافتقار إلى التعاطف مع المواطن، وأنه ليس كمن يستمع إلى المشاكل، بل يشرح أخطاء الآخرين، وهذا ما ينعكس على الرأي العام الذي يعتبر أن المصداقية والوفاء بالوعود هما أسمى غاية في السياسة. وأضافت: "هذا الأمر لم ينجح به ميرز الذي كان وعد خلال حملته الانتخابية بعدم زيادة الأعباء على المواطنين وتقليص نفقات الدولة بقيمة تصل إلى 90 مليار يورو رغم إدراكه أساساً الأزمات والوضع العالمي المتوتر، في حين شهدت البلاد موجة استدانة هائلة".
كارولا هونين: التعديل الوزاري الفوضوي سيتسبب بإحراج كبير لميرز
وأضافت: "لا مناص من القول إنه يلجأ إلى لغة حادة بتصريحاته قبل أن يتراجع ويصر على أنه أسيء فهمه، وهو لا يدرك كيف تؤثر تصريحاته على من هم خارج دائرته. وبحسب استطلاع نشرته صحيفة فرانكفورتر روندشو أخيراً، تبين أن شعبية ميرز تُعتبر الأدنى لمستشار ألماني منذ العام 1946". وعما إذا كان من الممكن تحسين صورته وشعبيته، أشارت إلى أن الأمر ليس صعباً، لكن عليه أن يكون مستعداً للانفتاح أكثر على الجمهور، وهذا يمثل تحدياً لشخص لطالما اعتبر القوة مبدأه الأساسي.
ورأت هونين أن التعديل الوزاري "الفوضوي" لن يمر مرور الكرام وسيتسبب بإحراج كبير لميرز، الذي بات مطالباً بالاستقالة مع تزايد السخط الشعبي ضده مع تبدد الزخم الإيجابي للائتلاف الحاكم وتصدر البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي استطلاعات الرأي في وقت يخيم الإحباط على مؤيدي حزب الاتحاد المسيحي. وهذا كله، في وقت تعيش البلاد أزمة تضخم وعدم استقرار اقتصادي وأزمات اجتماعية، و"في مثل هذه الأوقات يطالب الناس المسؤولين بالدعم والتفهم والتواصل، فيما يرسل ميرز إشارات مختلفة بينها الصرامة والسيطرة".
سخرية من "نجاحات" ميرز
وفي وقت بدا ميرز في تغريدة على منصة "إكس" أخيراً واثقاً ومتفائلاً بشأن المستقبل، تعرض للسخرية من مؤيدي الحزب على ما سماها "نجاحاته". وأثارت تعليقاته استياء وغضب الناخبين المذهولين عندما كتب: "لقد تحقق الكثير، ولكن لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله". وانهالت الاتهامات ضده وبأنه منفصل عن الواقع بخياراته، وأنه لا يشعر بالخجل عندما يقرأ تعليقات شعبه، وطالبوه بتوضيح ماذا أنجز حتى الآن؟، وبأن الشيء الوحيد الذي عليه فعله هو الاستقالة. وليس هذا فحسب، إذ تم وصف التعديل الوزاري بالفاشل وبأنه "مجزرة بالمنشار"، فيما بينت تعليقات أنه إذا كان ميرز يقصد بالنجاح الخراب التدريجي للبلاد والإفقار الممنهج للمواطنين وتبذير أموال دافعي الضرائب الألمان في المناطق النائية الأوكرانية، وأكبر عملية تسلح في القرن العشرين، فعلينا أن نهنئك: في هذه الحالات كانت سياساتكم نجاحاً تاريخياً باهراً.
من جهة ثانية، إن انتقال الأمين العام للحزب كارستن لينمان إلى وزارة الصحة محفوف بالمخاطر نظراً لافتقاره إلى الخبرة في قطاع الرعاية الصحية. يُذكر أن لينمان كان أعرب في مقابلة مع قناة "فينيكس" الإخبارية في مايو/أيار 2025 عن شكوكه حول مدى ملاءمته لهذه الوزارة عندما قال: "لو تم ترشيحي لمنصب وزير الصحة، لما نجحت في خدمتي". تجدر الإشارة إلى أنه وفق التعديلات ستتولى وزيرة الصحة نينا فاركن منصب رئاسة ديوان المستشارية مكان تورستن فراي الذي سينتخب زعيماً لكتلة الحزب المسيحي الديمقراطي داخل البرلمان.
ومن جهة أحزاب المعارضة، انتقدت زعيمتا كتلة حزب الخضر في البرلمان بريتا هاسلمان وكاترينا دروغه، في تصريحات صحافية، "تكتيكات التجزئة" التي ينتهجها ميرز بتعديلاته الوزارية بعد عام كارثي في الحكم، وبأنها لن تؤدي إلا إلى مزيد من التكهنات واستمرار الاضطرابات لأن قراراته بعيدة عن الاحترافية وغير مدروسة. وأملتا أن تمتد الرغبة في التغيير ليس فقط إلى آليات الحكم، بل سياساته أيضاً. بدوره، اعتبر زعيم كتلة حزب اليسار في البرلمان سورين بلمان، في تصريح لصحيفة "راينشه بوست"، أنه "لا أمل في سياسة مختلفة مع الائتلاف الكبير الحاكم لأن المعنيين سيواصلون وببساطة سياسة التدمير".