تعاون سوري أميركي يفكك الذرائع الإسرائيلية حول المواد النووية
اعتمدت الحكومة السورية استراتيجيات التفاهم عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة الأميركية حول مواد نووية مخزنة في أحد المواقع السرية في البلاد، متجاوزة بذلك تهديدات إسرائيلية باستخدام هذه المواد ذريعة لشن هجمات عسكرية من شأنها إبقاء الأراضي السورية بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وأكدت الحكومة، في بيان صدر عن هيئة الطاقة الذرية السورية مساء أول من أمس الاثنين، "استمرار تعاونها الشفاف والوثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة، ومع الولايات المتحدة والدول الصديقة من جهة أخرى، لمعالجة إرث النظام البائد (بشار الأسد
)، وتفعيل عضوية سورية الكاملة في الوكالة، ودعمها في مجالات التطبيقات السلمية للطاقة النووية كالصحة والغذاء والبحث العلمي".بذلك، قد تتخطى الحكومة عبر القنوات الدبلوماسية التهديدات الإسرائيلية، بعد ما نقله موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين في 10 أغسطس/آب الحالي، قالوا إن الوكالة ستزيل مواد نووية مخزّنة في موقع سرّي في سورية، في أعقاب توصل الإدارة الأميركية إلى تفاهمات بهذا الخصوص مع دمشق وتل أبيب.
انفتاح سورية في الملف النووي
وتسعى إسرائيل إلى تقويض الاستقرار في سورية والمنطقة بمختلف الذرائع، بما فيها الإرث النووي الذي خلفه نظام الأسد، وفق ما قاله الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية رشيد حوراني، الذي أوضح لـ"العربي الجديد" أن الحكومة السورية "اتبعت نهجاً مختلفاً ومنفتحاً في التعامل مع الملف النووي مع المنظمات الدولية المعنية". وأضاف أن "سورية تبنت هذه السياسة لإدانة النظام وتجريمه، خصوصاً أنه استخدم (السلاح) الكيميائي في عام 2013"، مبيّناً أنه "رغم الاتفاق على تسليم ترسانته تريد الإدارة السورية الجديدة من وراء هذا التعاون زيادة الدعم السياسي والاقتصادي لها للنهوض بالبلاد، وإرسال رسالة مفادها أنها لا تشكل تهديداً لدول الجوار والإقليم"، وفقه تعبيره.
رشيد حوراني: ملفا السلاح الكيماوي والنووي يعيدان سورية للمعاهدات الدولية الخاصة
وربط حوارني ما بين ملفي السلاح الكيميائي والنووي، وهما ملفان يعيدان سورية للمعاهدات الدولية الخاصة، مبيناً أنه "في الإعلام يتم الحديث عن السلاح الكيمائي، وهو مرتبط بمعاهدة وقعت عليها سورية تتعلق بحظر الأسلحة الكيميائية، أما السلاح النووي فيتعلق بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية". وفي رأي المتحدث ذاته، "يأتي التعاون السوري اليوم ضمن إطار تنفيذ توقيعها (سورية) على الاتفاقية المتعلقة به (النووي) والتخلص من آثار عمل النظام السابق وانعكاساته السلبية على الدولة".
وتواجه الحكومة السورية، وفق حوراني، عقبات في احتواء الملف النووي، مشيراً إلى أن "هذه العقبات تتمثل بعدم مطابقة الواقع مع الوثائق، خصوصاً ما يتعلق بتلك المواد، والسبب يعود للفوضى خلال الفترة الأولى لسقوط نظام الأسد
، وتهريب قسم من الوثائق أو المواد من قبل النظام وحلفائه خلال تلك الفترة". ولكن في تقدير الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية ذاته، فإن "التعاون السوري مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيعمل على إزالة مثل هذه العقبات ومعالجتها على المدى القريب والمتوسط، خصوصاً أن سورية تسعى لإنشاء مفاعلات نووية لأغراض سلمية وعلمية بالتعاون مع المجتمع الدولي، ولن تبني برنامجها الجديد على أنقاض البرنامج السابق، لأن النظام كان يتشارك فيه مع إيران".التخبط الإسرائيلي
وبحسب "أكسيوس"، طور نظام الأسد برنامجاً نووياً سرياً، تمحور حول مفاعل الكبر في محافظة دير الزور، شرقي سورية. وقد قصف هذا الموقع من قبل إسرائيل في عام 2007، ما أدى إلى تدمير البرنامج النووي السوري إلى حد كبير، غير أن عدة مواقع مخصصة للبحث والتطوير والتخزين ظلت قائمة. وكانت غالبية هذه المواقع غير نشطة، بما فيها "الموقع 99" الذي خزن فيه النظام مواد نووية كانت جزءاً من مفاعل الكبر، وفق ما نقل الموقع عن مسؤولين إسرائيليين، مشيراً إلى تخزين مواد نووية فيه شملت الكعكة الصفراء.
يُشار إلى أن إسرائيل استهدفت في سبتمبر/أيلول 2007، في عملية أطلقت عليها اسم عملية "البستان" - خارج الصندوق، موقع الكبر النووي بطائرات من طراز أف 15 وأف 16، بأكثر من 17 طناً من المواد المتفجرة بهدف ما قالت إنه "إبادة المفاعل النووي" وقتها.
وعكس تقرير "أكسيوس" حالة من التخبط الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه سورية، ومحاولات السير عكس التيار، وفق الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل، الذي بيّن، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن التعاون الذي تبديه سورية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعد انفتاحاً على التعاون الدولي. وفي رأيه، يأتي ذلك خصوصاً في أعقاب تقرير "أكسيوس" عن قرب إزالة الوكالة مواد نووية، وما سبقه من اتفاق سوري مع الوكالة، في الشهر السادس من العام الماضي، الذي وافقت بموجبه سورية على منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية حق الوصول الفوري وغير المقيد للمواقع النووية السابقة.
ويعد هذا الانفتاح، وفق خليل، خطوة لصالح دمشق، التي تراكم رصيداً جيوسياسياً في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والمخالفة للقانون الدولي والخطيرة على السيادة السورية، وقال إن "هذا الأمر يثبت نجاح السياسة السورية التي اعتمدت مبكراً سياسات الواقعية والوضوح للتعامل مع القضايا الشائكة ذات الطابع الأمني". وأضاف أنه "رأينا أن دمشق أرسلت رسائل طمأنة إقليمية ولم تكن مصدر قلق للمنطقة، لدرجة أنها تحوّلت لشريك في صناعة الأمن في المنطقة مقابل ما نراه من تخبط إسرائيلي". وأوضح أن "إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023) دخلت بحالة منّ التخبط وفقدان التوازن الاستراتيجي".
خالد خليل: دمشق نجحت في سحب العديد من الأوراق من يد الاحتلال الإسرائيلي عبر الدبلوماسية النشطة
وأشار خليل إلى أن إسرائيل شنّت بعد إسقاط الأسد أكبر عملية عسكرية لها في سورية منذ حرب عام 1967، لافتاً إلى أن كافة القضايا التي تحاول إسرائيل من خلالها التدخل في سورية، بما فيها قضية "الموقع 99"، تصب في إطار تخطيط إسرائيلي لا يحمل بعداً استراتيجياً. وفي رأيه، تمتد الذرائع الإسرائيلية لسلسلة من الادعاءات، مثل أنها "تخشى من وصول نظام إسلامي"، معتبراً أن هذا الادعاء "مخالف لجميع التقارير من مراكز صنع القرار لدى القوى الإقليمية والدولية"، وأشار أيضاً إلى تذرع إسرائيل بالنفوذ التركي، واستخدام ورقة الأقليات كما فعلت في أزمة السويداء.
وفي المقابل، اعتبر خليل أن "دمشق نجحت في سحب العديد من الأوراق من يد الاحتلال عبر الدبلوماسية النشطة. وعكس التقارب السوري الأميركي، السياسي والدبلوماسي، الجهود لمنع أي أزمة بخصوص المواد النووية والكعكة الصفراء"، مشيراً إلى أن "دمشق تحاول أن تكون شريكاً في صنع الاستقرار والأمن في المنطقة".