تطوير القبة الحديدية… هل يجرّ ترامب روسيا لحرب النجوم؟

25 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
جناح الفضاء بمعرض إنجازات الاقتصاد الوطني بموسكو، أغسطس 2024 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مرسوم لتطوير منظومة "القبة الحديدية"، مما أثار تساؤلات حول عودة سباق التسلح إلى الفضاء وتأثيره الجيوسياسي، مشيراً إلى "حرب النجوم" في عهد ريغان.
- يرى الخبراء الروس أن هذه الخطوة ستزيد من حدة المواجهة بين الكرملين والبيت الأبيض، حيث يعتبر أندريه كوشكين أن المشروع يشكل تصعيداً خطيراً، بينما يشير قسطنطين بلوخين إلى عدم ضمان الدرع الصاروخية الأميركية للتصدي الكامل للصواريخ الروسية.
- يعود برنامج "حرب النجوم" إلى عهد ريغان، حيث واجه قيوداً دولية صارمة، ومع توقيع ترامب على المرسوم، يعود شبح "حرب النجوم" ليخيم على العالم، مما يثير مخاوف من تصاعد التوترات الجيوسياسية.

يفرض توقيع الرئيس الأميركي العائد إلى البيت الأبيض، دونالد ترامب، أخيراً، على مرسوم تطوير منظومة "القبة الحديدية" للدرع الصاروخية القادرة على اعتراض صواريخ تحلق على أعلى الارتفاعات، تساؤلات حول واقعية عودة سباق التسلح إلى الفضاء والغلاف الجوي للأرض وتكرار سيناريو "حرب النجوم" التي أطلقها الرئيس الأميركي الأسبق المنتمي أيضاً إلى الحزب الجمهوري، رونالد ريغان، في ثمانينيات القرن الماضي، وتعد من بين عوامل عجّلت بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق وتفككه في عام 1991. وفي وقت تثير فيه خطط ترامب حفيظة موسكو التي تراهن على عودته إلى البيت الأبيض من أجل تحسين العلاقات وإنهاء الحرب في أوكرانيا بشروط مرضية لموسكو، ثمة اتفاق بين خبراء روس على أن هذه الخطوة ستزيد من حدة المواجهة بين الكرملين والبيت الأبيض، من دون أن ترقى إلى مستوى يؤدي إلى استنزاف روسيا وإحداث انهيار لاقتصادها.


أندريه كوشكين: ستضطر روسيا إلى تطوير ترسانتها

مشروع "القبة الحديدية"

يعتبر رئيس قسم العلوم السياسية والاجتماعية في جامعة بليخانوف الاقتصادية، أندريه كوشكين، أن مشروع "القبة الحديدية" سيشكل في حال تحقيقه تصعيداً جيوسياسياً خطيراً، جازماً بأن روسيا سترد على ذلك بتطوير ترسانتها هي. ويقول كوشكين، والذي خدم ثلاثة عقود في الجيش السوفييتي ثم الروسي ويحمل رتبة عقيد احتياط، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنه "حتى نكون دقيقين، تحدث ترامب عن ضرورة تحديث الطيران الاستراتيجي وحماية الولايات المتحدة من الصواريخ البالستية العابرة للقارات، منذ أن كان الرئيس الـ45 للولايات المتحدة بين عامي 2017 و2021. ستحمي القبة الحديدية في حال إنشائها الأراضي الأميركية مجتمعة مع منظومة ثاد، من أي هجوم صاروخي محتمل من قبل روسيا أو الصين أو كوريا الشمالية". وحول رؤيته لتداعيات احتدام سباق التسلح في الفضاء، يرى كوشكين أنه "لا شك أن مثل هذا التطور سيشكل تصعيداً جيوسياسياً خطيراً وارتقاء بمستوى القدرات العسكرية والمخاطر الناجمة عن ردة فعل الطرف الآخر، إذ ستضطر روسيا هي الأخرى لتطوير ترسانتها. لكن في الوقت ذاته يجب ألا ننسى أن سباق التسلح ساهم يوماً ما في تحقيق طفرة تكنولوجية في الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة، رغم ما انطوى عليه من المخاطر حينها".

ويرى أن وعيد ترامب بعسكرة الفضاء لا يتعارض مع عزمه إنهاء الحرب في أوكرانيا، لافتاً إلى أن "ترامب يعتبر أن التسوية السلمية التي يتطلع إليها في أوكرانيا، ستتيح لواشنطن خفض إمدادات الأسلحة لكييف، واستثمار الإمكانيات الصناعية في الولايات المتحدة لتعزيز قدرتها هي، مع وضع فاتورة دعم أوكرانيا على عاتق أوروبا". وفي معرض تعليقه على المزاعم أن "حرب النجوم" في عهد ريغان ساهمت في انهيار الاتحاد السوفييتي، يشير كوشكين إلى أنه "ثمة عوامل داخلية كثيرة أدت إلى تفكك الاتحاد السوفييتي وساهمت العوامل الخارجية مثل التدخل السوفييتي في أفغانستان وتراجع أسعار النفط العالمية وسباق التسلح في تفاقمها، وهذا يشبه وضعا عندما تمر أسرة بأزمة داخلية ما ثم تأتي عوامل خارجية مثل فقدان رب الأسرة عمله ومصدر الدخل لتزيد حدتها". ومع ذلك، يقلل كوشكين من أهمية الاعتقاد بأن الغرب انتصر على الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة (1947 - 1991)، معتبراً أن تفكك الدولة السوفييتية ليس مرادفاً لهزيمته، ومخلصاً إلى أن ترامب لا يراهن على إحداث انهيار لروسيا بقدر ما يسعى لتعزيز الهيمنة الأميركية على العالم.

علوم وآثار
التحديثات الحية

ويثير مرسوم ترامب القاضي بإنشاء منظومة الدرع الصاروخية "القبة الحديدية" حفيظة موسكو، مع تشديد المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، في تصريحات صحافية، على أن ذلك لن يسهم في خفض التوتر على الساحة الدولية، مشيرة إلى أنه "ننظر إلى ذلك على أنه تأكيد جديد لتوجه الولايات المتحدة نحو تحويل الفضاء إلى ساحة للمواجهة المسلحة والتصارع ونشر الأسلحة"، مضيفة "لن تسهم المقاربات المذكورة للولايات المتحدة في خفض التوتر وتدارك الأوضاع في المجال الاستراتيجي، بما في ذلك خلق قواعد لحوار مثمر بشأن الأسلحة الهجومية الاستراتيجية".

من جهته، يوضح الخبير في مركز بحوث قضايا الأمن التابع لأكاديمية العلوم الروسية، قسطنطين بلوخين، أن الولايات المتحدة وروسيا المستحوذتين معاً على نحو 90% من الترسانة النووية العالمية، تستطيعان حالياً تدمير إحداهما الأخرى وتجاوز وسائل الدفاع للطرف الآخر مهما كانت متطورة. ويقول بلوخين في حديث لـ"العربي الجديد" إنه "مهما كانت منظومة درع صاروخية أميركية متطورة، إلا أنها لا تضمن التصدي لوسائل الهجوم الروسية بنسبة مائة في المائة، شأنها في ذلك شأن نظم الدفاع الروسية التي قد تخترقها الأسلحة الهجومية الأميركية. إلى جانب الأسلحة فرط الصوتية، تمتلك روسيا ترسانة نووية تستطيع تجاوز القبة الحديدية". وحول رؤيته لدوافع إدارة ترامب لإنشاء "القبة الحديدية"، يرى بلوخين أن "هذه الفكرة ممتدة منذ عهد ريغان الذي أطلق برنامج حرب النجوم، وهي تندرج ضمن الخطاب الكلاسيكي للجمهوريين الذين انسحبوا من معاهدة الدرع الصاروخية في عهد الرئيس جورج بوش الابن (2001 - 2009)، وهم يأملون أن ينشئوا يوماً ما منظومة درع صاروخية ستضع حدا لمبدأ (التدمير المتبادل المضمون)، وإن كان تحقيق هذه الفكرة يكاد يكون مستحيلاً في ظل استحواذ الولايات المتحدة وروسيا مجتمعتين على نحو 90% من الترسانة النووية العالمية".


قسطنطين بلوخين: لا تضمن الدرع الصاروخية التصدي للصواريخ الروسية

في عام 1983، أعلن ريغان في كلمة إلى الشعب الأميركي عن إطلاق برنامج بحوث طويل الأجل يهدف إلى إنتاج أسلحة قادرة على حماية الولايات المتحدة من تعرّض لضربة مكثفة بصواريخ بالستية نووية، عُرف رسمياً بـ"مبادرة الدفاع الاستراتيجية" وشعبياً بـ"حرب النجوم". وجاء إعلان ريغان بعد أقل من عام على إجراء الاتحاد السوفييتي في عام 1982 أكبر تدريبات عسكرية أطلقت عليها تسمية "حرب الساعات السبع النووية"، وهي مدة أطلقت خلالها بضعة صواريخ بالستية وأخريين مضادين وقمرين اصطناعيين. حينها، رأى خبراء عسكريون في بلدان حلف شمال الأطلسي (ناتو) أن الاتحاد السوفييتي أظهر مستوى جديداً من دفاع استراتيجي لتغطية الارتفاعات القريبة من الفضاء، وفق ما يوضحه الكاتب والصحافي العلمي والباحث في تاريخ الفضاء، أنطون بيرفوشين، مفنداً الرواية التي تقول إن "حرب النجوم" كانت "خدعة" لمجرد جر الاتحاد السوفييتي إلى سباق التسلح وتعجيل انهياره.

برنامج جدي لحروب الفضاء

ويقول بيرفوشين في حديث لـ"العربي الجديد" إنه "وُضع برنامج حروب الفضاء لدوافع جدية، إذ قصدت واشنطن من خلاله أن تتفوق استراتيجياً على الاتحاد السوفييتي في المواجهة الصاروخية النووية، وكان يستند إلى الجهود التي امتدت لسنوات طويلة بغية إنشاء نظم عسكرية فضائية منذ بداية عصر الفضاء". وحول العقبات التي منعت الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة من نقل المواجهة إلى الفضاء حينها، يوضح بيرفوشين: "اقتضت الاتفاقيات الدولية الساري مفعولها في ذلك الوقت قيوداً صارمة على نشر الدرع الصاروخية، إذ نصت معاهدة الدرع الصاروخية المؤرخة بعام 1972 والبروتوكول لها لعام 1974، على السماح لكل من البلدين بنشر منظومة درع صاروخية واحدة فقط قادرة على تغطية منطقة كاملة، فاختار الاتحاد السوفييتي موسكو، بينما فضلت الولايات المتحدة قاعدة غراند فوركس في ولاية داكوتا الشمالية التي كانت تحتضن صواريخ بالستية عابرة للقارات من نوع مينيتمان". ويقرّ بيرشوفين بأن تحقيق برنامج "حرب النجوم" لم يكن واقعياً على الطرفين، قائلاً: "كان إيصال الدرع الصاروخية إلى المدار يتطلب إنشاء منظومة عالية الكلفة من الجيل الجديد بقيمة مئات مليارات الدولارات. كان الخبراء السوفييت على علم بهذه التحديات، ولذلك اقترحت الحكومة السوفييتية مراراً وقف تطوير البرنامج تجنباً لتفاقم الوضع الجيوسياسي. إلا أن أيا من الطرفين لم ينظرا حينها إلى حرب النجوم على أنها خدعة، رغم إدراكهما مدى الكلفة العالية لتحقيق مثل هذه الخطط". لكن بعد مرور ثلاثة عقود ونيف، يعود شبح "حرب النجوم" يخيم على العالم من جديد بتوقيع ترامب في نهاية يناير الماضي بعد نحو أسبوع من تنصيبه، على مرسوم يقضي بتطوير المنظومة الوطنية للدرع الصاروخية "القبة الحديدية" شاملة نشر شبكة من الأقمار الصناعية المزودة بالليزر.