تراقب القاهرة بقلق التطورات المتسارعة في ليبيا، في ظل تزامن سلسلة من الأحداث الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تضرب مفاصل حساسة في البلاد، بدءاً من الهجمات المتكررة بطائرات مسيّرة على منشآت الطاقة في الزاوية غرباً، مروراً باغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة اللواء فوزي المنصوري في بنغازي، شرقي البلاد، وصولاً إلى الاستقالة المفاجئة لمحافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى.
مصر مهتمة باستقرار ليبيا
وقال مصدر ذو صلة بالملف الليبي في مصر، لـ"العربي الجديد"، إنه على الرغم من اقتناع المسؤولين المصريين بعدم وجود رابط مباشر بين تلك الأحداث وتأثيرها على مصر، وأن معظمها عبارة عن تصفية حسابات داخلية وصراع مليشيات على الأموال والنفوذ، إلا أن هذه التطورات ذات حساسية خاصة بالنسبة إلى مصر، في وقت تحاول فيه القاهرة الدفع باتجاه تثبيت الاستقرار في الدولة المجاورة وتعزيز التعاون الاقتصادي معها.
ووفقاً للمصدر، فإن القاهرة تنظر إلى استقرار ليبيا ووحدة مؤسساتها باعتبارهما جزءاً مباشراً من أمنها القومي، بحكم الحدود البرّية الممتدة بين البلدين، فضلاً عن ارتباط الاستقرار الليبي بأمن الحدود الغربية المصرية ومواجهة نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
وتؤكد الرؤية المصرية الرسمية للملف الليبي أن استقرار الدولة المجاورة وتوحيد مؤسساتها يمثلان مصلحة مصرية أساسية.
مصدر: المسؤولون المصريون مقتنعون بعدم وجود رابط مباشر بين كل الأحداث الليبية وتأثيرها على مصر
في السياق، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية سعد سلامة، لـ"العربي الجديد"، إن أمن الحدود الغربية يظلّ مسألة استراتيجية بالنسبة إلى القاهرة ولا يمكن التقليل من أهميته، معتبراً أن الحسابات المصرية تجاه ليبيا أصبحت اليوم أوسع من المقاربة الأمنية التقليدية. وأوضح أن القاهرة تنظر إلى ليبيا باعتبارها مجالاً اقتصادياً مهماً، سواء على مستوى إعادة الإعمار أو تشغيل العمالة المصرية أو التجارة والاستثمارات، إلى جانب أهمية استقرار ليبيا بالنسبة إلى التوازنات الإقليمية والمصالح المصرية.
وأضاف سلامة أن ما تخشاه القاهرة ربما لا يقتصر على حدوث انفلات أمني على حدودها الغربية، وإنما يمتد إلى احتمال انهيار التوازن الليبي نفسه، بما قد يؤدي إلى تعطيل مصالح اقتصادية مصرية متنامية، ويفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وإقليمية جديدة قد لا تكون مصر طرفاً مؤثراً فيها.
وبحسب أستاذ العلوم السياسية، فإنه من الصعب اعتبار التزامن بين الهجمات التي شهدتها الزاوية، واغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في بنغازي، واستقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، وما تردد لاحقاً عن تراجعه عن الاستقالة، دليلاً على وجود جهة واحدة أو "غرفة واحدة" تحرّك هذه الأحداث، مؤكداً أنه لا توجد حتى الآن معطيات كافية تسمح بالربط المباشر بينها، معتبراً أن ذلك يكشف مجدداً هشاشة التوازن الذي يقوم عليه المشهد الليبي، في ظل استهداف الهجمات منشآت حيوية.
سعد سلامة: القاهرة تخشى احتمال انهيار التوازن الليبي بما قد يؤدي إلى تعطيل مصالح اقتصادية مصرية متنامية
من جهته، قال مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية شريف عبد الله، لـ"العربي الجديد"، إن التطورات المتزامنة التي تشهدها ليبيا، سواء في المنطقة الشرقية أو الغربية، لا تعكس بالضرورة وجود رابط مباشر أو تنسيق بينها، موضحاً أن لكل ملف طبيعته الخاصة وعوامله وتداعياته المختلفة، رغم تزامنها في التوقيت.
وذكر عبد الله، في تعليقه على اغتيال مسؤول في الاستخبارات العسكرية بمدينة بنغازي، أنه بالتزامن مع التطورات المرتبطة بمنشآت النفط في الزاوية واستقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ما يحدث في شرق ليبيا يختلف في طبيعته عن التطورات الجارية في غرب البلاد، وبالتالي لا يمكن وضع هذه الأحداث جميعها في إطار واحد دون وجود مؤشرات واضحة تربط بينها.
وأشار مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية إلى أن حادث الاغتيال في بنغازي يمثل تطوراً أمنياً حسّاساً، خصوصاً أنه جاء بعد فترة طويلة من انقطاع مثل هذه الاغتيالات في المدينة، مؤكداً أن طبيعة الشخص المستهدف والمناصب التي تقلدها والملفات المهمة التي ارتبط بها تجعل للحادث أكثر من احتمال.
ولفت عبد الله إلى أن التحقيقات لا تزال جارية، ولذلك من المبكر تحديد الدافع وراء عملية الاغتيال، سواء كان مرتبطاً بالخصومة والمنافسة داخل المؤسسة العسكرية في المنطقة الشرقية، أو بتصفية ملفات قديمة، أو حتى بملفات ذات طابع اجتماعي.
وفي ما يتعلق بالتطورات في المنطقة الغربية، وخصوصاً ما تشهده الزاوية من استهدافات مرتبطة بمنشآت النفط، قال عبد الله إن الأمر يأتي في إطار التنافس بين المليشيات الموجودة في المنطقة الغربية، لا سيما في الزاوية ومحيطها، مرجحاً ارتباط جانب من هذه التحركات بالتنافس على عوائد وموارد المؤسسات، خصوصاً مصفاة الزاوية.
شريف عبد الله: استمرار الاضطرابات أو تكرارها وتحولها إلى نمط متصاعد يمكن أن يجعل التطورات الليبية مصدراً مهدداً أو إشكالاً أمنياً لمصر
وعن مدى انعكاس هذه التطورات على مصر، استبعد مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية وجود تداعيات مباشرة على القاهرة في الوقت الراهن، معتبراً أن التطورات الحالية لا تمثل في حدّ ذاتها تهديداً أمنياً مباشراً للدولة المصرية، مضيفاً أن استمرار الاضطرابات أو تكرارها وتحولها إلى نمط متصاعد يمكن أن يغير المعادلة، ويجعل التطورات الليبية مصدراً مهدداً أو إشكالاً أمنياً بالنسبة إلى مصر، بما يجعل متابعة مسار الأحداث خلال الفترة المقبلة أمراً بالغ الأهمية.
خشية من اتساع الاضطراب
وتأتي التطورات الأخيرة في توقيت حسّاس بالنسبة للقاهرة، بعدما بدأت العلاقات المصرية الليبية تشهد توسعاً في الملفات الاقتصادية، وفي مقدمتها الطاقة. فمصر وليبيا تدرسان مشروعاً لإنشاء خط أنابيب لنقل الخام من طبرق إلى الإسكندرية بطول يقارب 800 كيلومتر، وبكلفة أولية تتجاوز مليار دولار، بما يسمح بتوجيه الخام الليبي إلى المصافي المصرية.
ولا يزال المشروع في إطار الدراسة، لكنه يعكس اتجاهاً نحو بناء ارتباط اقتصادي طويل الأمد بين البلدين. من هذه الزاوية، فإن المخاوف المصرية لا ترتبط فقط بإمكانية تعرض منشأة نفطية ليبية لهجوم، وإنما بما قد تعنيه عودة الاضطراب الأمني والسياسي من تهديد لمسار أوسع تسعى القاهرة إلى ترسيخه في ليبيا، يقوم على استقرار المؤسسات وفتح المجال أمام مشروعات اقتصادية واستثمارية طويلة الأجل. وتزداد أهمية هذا المسار مع وصول الإنتاج النفطي الليبي إلى مستويات مرتفعة، في الوقت الذي تعرضت فيه منشآت الطاقة في الزاوية لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة. وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة الطوارئ، وحذرت من إمكانية اللجوء إلى إعلان "القوة القاهرة" ووقف عمليات مصفاة الزاوية بالكامل إذا استمرت الهجمات.
ومن المنظور المصري، فإن عودة الاغتيالات والتفجيرات إلى الشرق الليبي، بالتوازي مع هجمات على منشآت نفطية في الغرب، قد تعني اتساع رقعة الاضطراب بدلاً من بقائه محصوراً في صراعات محلية محدودة، ما يعده خبراء إحدى أكثر النقاط حساسية بالنسبة للقاهرة التي تثير مخاوف من أي تدهور أمني واسع في ليبيا قد يعيد إنتاج حالة الانقسام التي حاولت مصر خلال السنوات الماضية احتواء تداعياتها، سواء عبر دعم المسار السياسي أو التواصل مع مختلف الأطراف الليبية، مع الحفاظ على أولوية منع تحول البلاد إلى مصدر تهديد مباشر للحدود المصرية.