تصاعد المطالب في النرويج لفتح أرشيف رود لارسن حول "اتفاقية أوسلو"
استمع إلى الملخص
- احتفظ لارسن بأرشيف خاص لأكثر من 33 عاماً، مع فقدان وثائق حاسمة من أرشيف وزارة الخارجية، مما يثير تساؤلات حول دور النرويج في هندسة الاتفاق.
- يواجه رئيس الحكومة انتقادات لرفضه تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، بينما تؤكد وزارة الخارجية أهمية استعادة الوثائق المفقودة.
لم تعد الدعوات المتصاعدة في النرويج لفتح "الأرشيف الخاص" لتيري رود لارسن، المتعلق بمفاوضات اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، مسألة تاريخية أو أكاديمية فحسب، بل تحوّلت إلى محور جدل سياسي وأمني واسع، خصوصاً بعد الكشف عن علاقته الوثيقة برجل الأعمال الأميركي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين. وتجاوزت القضية، في نظر عدد متزايد من الأحزاب والباحثين، سؤال ما جرى في كواليس أشهر التفاوض عام 1993، لتطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية التي بناها رود لارسن لاحقاً، واحتمال امتداد جذورها إلى تلك المرحلة المبكّرة من مسيرته الدبلوماسية.
وعلى مدى أكثر من 33 عاماً، احتفظ رود لارسن بأرشيف خاص يضم وثائق حساسة من عملية أوسلو، من دون تسليمه إلى الأرشيف الرسمي للدولة، رغم أن المفاوضات أُديرت باسم الحكومة النرويجية. وتُظهر تحقيقات إعلامية، أبرزها لهيئة الإذاعة النرويجية (NRK)، أن تسعة أشهر حاسمة من الوثائق، تعود إلى الفترة بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 1993، مفقودة من أرشيف وزارة الخارجية. ويؤكد باحثون أن هذه المرحلة تحديداً تشكّل قلب العملية السرية، وتوثّق الدور الفعلي الذي لعبته النرويج في هندسة الاتفاق.
إبستين يعيد فتح ملف النفوذ
اكتسبت مسألة الأرشيف بعداً جديداً مع تفجّر قضية إبستين في بعدها النرويجي. ويرى منتقدو رود لارسن أن الوثائق المفقودة قد تكون مفتاحاً لفهم نمط العلاقات السياسية والدبلوماسية التي نسجها لاحقاً، والتي سمحت لإبستين بالوصول إلى دوائر نفوذ دولية عبر وساطات وعلاقات شخصية ومالية لعب رود لارسن دوراً محورياً فيها. ويذهب بعض البرلمانيين إلى أن فتح الأرشيف قد يكشف ما إذا كان هناك تداخل منهجي ومتكرر بين العمل الرسمي والعلاقات الخاصة، سواء في مرحلة أوسلو أو في العقود اللاحقة.
وتطالب أحزاب عدّة في البرلمان النرويجي، من بينها حزب المحافظين (هوير)، وحزب العمال، وحزب البيئة الخضر (MDG)، وحزب رودا اليساري، بإدراج الأرشيف الخاص ضمن أي تحقيق رسمي في قضية إبستين. ويرى هؤلاء أن التحقيق لا ينبغي أن يقتصر على شبهات التمويل أو العلاقات الشخصية، بل يجب أن يمتدّ إلى فحص الثقافة السياسية والدبلوماسية التي سمحت بتراكم نفوذ فردي خارج الأطر المؤسسية والرقابية. أما اليمين المحافظ، وخصوصاً حزب هوير، فيدعم مبدأ الشفافية لكنه يتحفظ على "تسييس" اتفاقية أوسلو أو فتح تحقيق شامل قد يطاول إرث السياسة الخارجية النرويجية. في المقابل، تفضّل الأحزاب الوسطية والليبرالية معالجة الملف ضمن الأطر المؤسسية القائمة، خشية المساس بتقاليد السرية الدبلوماسية.
ويقف رئيس الحكومة يوناس غار ستورا في موقع دفاعي حذر، إذ برغم تأكيده الالتزام بالشفافية والإجابة على أسئلة البرلمان، يرفض تشكيل لجنة تحقيق خارجية مستقلة، مفضّلاً حصر الملف بلجنة الرقابة البرلمانية والنيابة العامة. ويعرّض هذا الموقف حكومته لانتقادات متزايدة، حتّى من داخل حزب العمل، باعتباره يضعف الثقة العامة ويغذّي الشكوك حول حماية رموز "أوسلو" من المساءلة.
ويثور جدل وشكوك سياسية وأكاديمية حول ما إذا كانت لتيري رود لارسن وزوجته مونا يول، التي عملت سفيرة في تل أبيب وأخيراً في العراق والأردن، علاقات خاصة وغير موثّقة بالكامل مع إسرائيل خلال وبعد مفاوضات أوسلو، وكيفية وصولوها إلى مناصب عليا في وزارة خارجية النرويج، دون وجود اتهامات قانونية مثبتة. وتستند هذه الشكوك أساساً إلى مركزية دورهما، وغياب وثائق من الأرشيف الرسمي، ومسار علاقاتهما اللاحق، ما أعاد فتحها بقوة في سياق قضية إبستين.
وزارة الخارجية ومسؤولية الأرشفة
تؤكد وزارة الخارجية النرويجية أنها حاولت مراراً استعادة الوثائق، لكنها لم تحصل إلّا على جزء منها، ووصفت الوضع بـ"المؤسف"، مشدّدة على أن وثائق بهذا الوزن التاريخي والسياسي يجب أن تكون محفوظة في أرشيف الدولة. في المقابل، يشير محامي رود لارسن إلى أن موكله لم يعد موظفاً حكومياً، وأن مسؤولية الأرشفة تقع على عاتق الوزارة، ما يعمّق الجدل القانوني والمؤسّسي حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية الفعلية.
وفي جوهر النقاش، لا يتعلّق الأمر بإعادة تقييم اتفاقية أوسلو فحسب، التي لا تزال موضع انقسام بسبب نتائجها السياسية، بل بإعادة فحص صورة الدبلوماسية النرويجية نفسها. وتواجه النرويج، التي بنت جزءاً كبيراً من سمعتها الدولية على دور "الوسيط النزيه"، أسئلة محرجة: هل أُديرت ملفات حساسة خارج الرقابة المؤسّسية؟ وهل سمحت هذه الثقافة لاحقاً لشخصيات مثيرة للجدل، مثل إبستين، بالاقتراب من دوائر القرار؟ وخصوصاً أن رود لارسن كان يطلع إبستين على المسائل السياسية والدبلوماسية في أثناء إدارته لمركز السلام العالمي في نيويورك، وتلقيه أموالاً منه ودعماً من خارجية بلده.
إلى جانب ملف إبستين، يوجّه خبراء وباحثون نرويجيون انتقادات متجدّدة لاتفاقية أوسلو ولدور تيري رود لارسن وزوجته مونا يول فيها، مع تكرار الاشتباه في وجود علاقات غير معلنة مع دوائر نافذة في تل أبيب، وخصوصاً مع شيمون بيريز، وما سمي لاحقاً "مركز بيريز للسلام". ويرى هؤلاء أن إدارة مفاوضات أوسلو اتسمت بشبكات تأثير وعلاقات شخصية لم تُوثّق رسمياً، ولم تُدرج في الأرشيف الحكومي، ما يثير تساؤلات حول حياد بعض المفاوضين وخياراتهم السياسية. وخصوصاً شكوك خبراء بأن المفاوضات جرت بين طرف فلسطيني من موقف ضعيف ودولة الاحتلال الإسرائيلي من موقع قوي وضاغط.
وتصف الباحثة هيلد هنريكسن واج خلال حديثها للتلفزة النرويجية، فقدان وثائق أساسية من العملية السرية بأنه "خطير"، لأنه يحجب القدرة على توثيق الدور الحقيقي للنرويج. وترى أن الأرشيف الشخصي لرود لارسن قد يحتوي على مراسلات واتصالات تكشف عن توجهات وتأثيرات سياسية لم تُكشف سابقاً، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل.
وفي المحصلة، لم يعد فتح أرشيف رود لارسن خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة أخلاقية ومؤسسية، ليس لكشف حقيقة ما جرى في أوسلو فحسب، بل لفهم المسار الذي قاد من مفاوضات السلام إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي النرويجي المعاصر. ففي بلد تُعدّ الشفافية حجر الأساس في الثقة بين الدولة والمجتمع، باتت الإجابة عن هذه الأسئلة شرطاً لاستعادة المصداقية داخلياً وخارجياً.