تشيلي: شيوعية معتدلة تتصدر الانتخابات وتواجه مرشح اليمين بالإعادة
استمع إلى الملخص
- شهدت تشيلي ارتفاعًا في معدلات الجريمة، مما جعل الانتخابات اختبارًا لليسار في أمريكا الجنوبية، حيث يُعرف كاست بمواقفه المتشددة تجاه الهجرة.
- تعهدت خارا بتحسين الأوضاع الاقتصادية، بينما يواجه كاست تحديات مرتبطة بإرث الديكتاتور أوغستو بينوشيه، مع إعادة فرض إلزامية التصويت لأول مرة منذ 2012.
تواجه المرشحة الشيوعية المعتدلة، جانيت خارا، منافسها اليميني المتطرف، خوسيه أنطونيو كاست، في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية في تشيلي بعد تصدرهما الجولة الأولى، التي جرت أمس الأحد وهيمنت عليها المخاوف بشأن الجريمة. وحصلت خارا مرشحة ائتلاف يسار الوسط الحاكم على 26,71% مقابل 24,12% لكاست، وفق نتائج رسمية بعد فرز نحو 83% من الأصوات. ومن المقرر إجراء الجولة الثانية للانتخابات في 14 ديسمبر/كانون الأول القادم. وأقر النائب اليميني المتطرف يوهانس كايزر، الذي كان الأقرب بنتائجه إليهما، بخسارته.
وأغلقت مراكز التصويت في تشيلي أبوابها عند الساعة 18,00 من مساء الأحد، بعدما استقبلت أعداداً غفيرة من الناخبين الـ15,6 مليوناً الذين دُعوا للتصويت وفرضت عليهم إلزاميته للمرة الأولى. وناشدت خارا المواطنين في تشيلي، بعد تصدرها النتائج، بعدم السماح للجريمة المتزايدة بدفعهم إلى أحضان اليمين المتطرف في جولة الإعادة في ديسمبر، وقالت "لا تسمحوا للخوف بأن يقسي قلوبكم". أما كاست فقد تعهد، بعد حلوله ثانياً بفارق ضئيل عن خارا "بإعادة بناء" تشيلي بعد أربع سنوات من حكم يسار الوسط.
وعلى مدى العقد المنصرم شهدت تشيلي، التي تعد من أكثر دول أميركا اللاتينية أماناً، ارتفاعاً حاداً في جرائم القتل والخطف والابتزاز، ما أثار الذعر والقلق لدى السكان. وارتفعت جرائم القتل من 2,5 إلى 6 لكلّ 100 ألف نسمة خلال عقد من الزمن وسُجّلت 868 عملية اختطاف العام الماضي، في ارتفاع نسبته 76% بالمقارنة مع 2021، بحسب السلطات. وعبر العديد من الناخبين عن مخاوف على سلامتهم.
ويُنظر إلى عملية الاقتراع التي جرت، أمس الأحد، على أنها اختبار لليسار في أميركا الجنوبية، بعد تراجعه في الأرجنتين وبوليفيا، ومواجهته تحديات كبيرة في الانتخابات الكولومبية والبرازيلية المقررة العام المقبل. وقال المرشح اليميني المتطرف يوهانس كايزر رداً على سؤال لوكالة فرانس برس بعد أن أدلى بصوته في سانتياغو إن "القضية هنا تتعلّق بما إذا كان سيزداد تباعد أميركا اللاتينية عن الولايات المتحدة والعالم الحر".
"ترامب تشيلي"
ويمنع على اليساري الوسطي غابرييل بوريتش الذي أصبح قبل أربعة أعوام أصغر رئيس لتشيلي عن عمر 36 سنة، أن يترشح لولاية ثانية متتالية. وحقق بوريتش خلال ولايته بعض التقدم في مكافحة الجريمة، إذ انخفض معدل جرائم القتل بنسبة 10% منذ عام 2022 ليصبح 6 لكل 100 ألف شخص. غير أنّ التشيليين ما زالوا قلقين من تصاعد العنف الإجرامي، ويعزون ذلك إلى وصول عصابات من فنزويلا ودول أخرى في أميركا اللاتينية.
وتعهّد كاست الذي يُعرف بـ"ترامب تشيلي" بوضع حد للهجرة غير النظامية عبر تشييد جدران وأسوار وحفر خنادق على طول الحدود الصحراوية مع بوليفيا، وهي نقطة العبور الرئيسية للآتين من الدول الفقيرة الواقعة إلى شمال البلاد. ووعد كاست، وهو أب لتسعة أولاد، مؤيديه بأن "الثالثة (ستكون) ثابتة"، بعدما خاض الانتخابات الرئاسية مرة أولى عام 2017، وفي 2021 حين خسر أمام غابرييل بوريتش. وقال بعد الإدلاء بصوته في أحد مراكز العاصمة "نحن بحاجة لرصّ الصفوف لمواجهة المشاكل... المرتبطة بالأمن".
وقبل الانتخابات، حدّد كاست زعيم الحزب الجمهوري مهلة لـ337 ألف مهاجر غير نظامي لبيع ممتلكاتهم والعودة إلى ديارهم، تحت طائلة الترحيل وخسارة كل ما يملكونه في حال فوزه. وشهدت الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية تقدم كايزر (49 عاماً) المعروف بمواقفه الأكثر يمينية من كاست، والحادة في مسائل الهجرة والقيم العائلية.
وقال الخبير في المركز الأميركي للسياسة والاقتصاد والبحث غيوم لونغ لفرانس برس، إن فوز اليمين المتطرف في تشيلي "سيكون له تأثير كبير على السياسة في أميركا اللاتينية". وأضاف "أعتقد أن تشيلي ستؤدي دوراً فاعلاً للغاية على الساحة الدولية، على الأرجح في تحالف وثيق مع (الرئيس الأرجنتيني خافيير) ميلي و(الرئيس الأميركي دونالد) ترامب".
وتواجه المرشحة اليسارية خارا مهمة شاقة للتغلب على المواقف المناهضة للشيوعية والاستياء من أداء إدارة الرئيس بوريتش المنتهية ولايته. وتفوّق بوريتش، وهو قيادي سابق في الحركات الطلابية، على كاست في انتخابات 2021، من خلال تعهّده بإقامة دولة رعاية اجتماعية، بعد تحركات احتجاجية ضد عدم المساواة شهدتها البلاد قبل ذلك بعامين. لكن رئاسته أضعفها كثيراً رفض غالبية ساحقة من الناخبين دستوراً تقدمياً جديداً بعد أشهر من توليه المنصب.
طيف بينوشيه
وفي حال فوزه، سيصبح كاست أول رئيس من اليمين المتطرف منذ الديكتاتور أوغستو بينوشيه الذي حكم البلاد بين عامين 1973 و1990. وسبق لكاست، وهو نجل جندي في الجيش الألماني إبان حكم أدولف هتلر، أن دافع عن بينوشيه الذي أطاح بالرئيس الاشتراكي المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، بانقلاب عسكري مطلع السبعينيات، وأرسى نظام حكم استبدادياً، وأشرف على قتل الآلاف من المعارضين.
أما خارا، فقد انضمت إلى الحزب الشيوعي وهي في الرابعة عشرة، لكنها خاضت الحملة الانتخابية مرشحة معتدلة، مستندة إلى سجلّها الإصلاحي أثناء توليها سابقاً وزارة العمل، حين خفّضت عدد ساعات العمل الأسبوعية من 45 إلى 40، ورفعت الحد الأدنى للأجور. وتعهّدت خارا بضمان أن "يكون في إمكان كل عائلة تشيلية تأمين مصاريفها بسهولة حتى آخر الشهر". ولقي هذا التعهد صداه في صفوف المؤيدين. وأكدت المرشحة اليسارية أنها لا تعاني من "أي عقدة في مجال الأمن"، مدافعة خصوصاً عن رقابة مشدّدة لتدفقّات الهجرة. لكنها قالت بعد إدلائها بصوتها في سانتياغو إن "تأجيج المخاوف لا يكفي لحكم بلد ما".
واعتمدت تشيلي هذا العام إلزامية التصويت للمرة الأولى منذ 2012، ما أضاف قرابة خمسة ملايين ناخب، وبالإضافة إلى اختيار رئيس جديد، اقترع الناخبون لاختيار أعضاء في مجلس النواب ونصف أعضاء مجلس الشيوخ.
(فرانس برس)