تشيلي تستعد لجولة حاسمة في الرئاسية: البرامج والمواقف والرهانات

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:21 (توقيت القدس)
من الأجواء الانتخابية في تشيلي 17 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد تشيلي انقساماً مجتمعياً حاداً في الانتخابات الرئاسية بين المرشحة اليسارية جانيت خارا واليميني خوسيه أنطونيو كاست، حيث تدعم خارا الرعاية الاجتماعية وحقوق العمال، بينما يركز كاست على الأمن ومكافحة الهجرة.

- تقدم خارا برنامجاً اجتماعياً شاملاً يشمل تحسين الأجور والرعاية الصحية، بينما يركز كاست على تعزيز الأمن وخفض الضرائب، مع تباين في السياسة الخارجية تجاه إسرائيل.

- تواجه خارا تحديات في استقطاب الأصوات المستقلة، بينما يسعى كاست لجذب ناخبي اليمين التقليدي، مما يجعل الجولة الثانية حاسمة لمستقبل الديمقراطية في تشيلي.

تستعد تشيلي لجولة ثانية حاسمة من الانتخابات الرئاسية المقررة في 14 ديسمبر/كانون الأول، بعد أن أسفرت الجولة الأولى يوم أمس الأحد عن سباق ثنائي حاد بين اليسار واليمين المتشدد. فقد تصدّرت جانيت خارا، المرشحة اليسارية ووزيرة العمل السابقة، نتائج التصويت بحصولها على نحو 26.8% من الأصوات، فيما حلّ خوسيه أنطونيو كاست، المرشح اليميني المتشدد وزعيم الحزب الجمهوري، في المرتبة الثانية بنسبة 23.9%. ولم يتمكن أي من المرشحين من تجاوز عتبة 50%، ما يجعل الجولة الثانية حاسمة لتحديد الرئيس المقبل.

النتائج تكشف الانقسام العميق في المجتمع التشيلي. خارا تمثّل تياراً يسارياً تقدمياً، مدعوماً من نحو ثماني قوى وأحزاب، يدعم برامج الرعاية الاجتماعية وتوسيع الحماية للطبقات العاملة، بينما يقدّم كاست خطاباً أمنياً صارماً يركز على مكافحة العصابات وتقييد الهجرة، مستفيداً من مخاوف واسعة لدى شرائح كبيرة من السكان، بسبب ارتفاع معدلات الجريمة والاضطرابات الأمنية. كاست معروف أيضاً بمعارضته للإجهاض وزواج المثليين، ويمتد إعجابه بالديكتاتور أوغستو بينوشيه إلى مواقفه السياسية الحالية.

وعود المرشحين

كاست يسعى لتعزيز الأمن والنظام الصارم، ويعد بتشديد الرقابة على الحدود، ربط الجريمة بالمهاجرين، بناء جدار حدودي مع بوليفيا، نشر الجيش في المدن، إنشاء سجون جديدة، وخفض الضرائب وتقليص الإنفاق العام. بينما تقدم خارا برنامجاً اجتماعياً شاملاً، يشمل رفع الحد الأدنى للأجور، تقديم دخل أساسي للأسر، تعزيز حقوق العمال، تحسين الرعاية الصحية والمسنين، بناء وتطوير المساكن الميسّرة، مكافحة الجريمة المنظمة باستخدام التكنولوجيا، حماية البيئة وتعزيز حقوق الشعوب الأصلية، ودعم استقلال المرأة ومشاركة المواطنين في صنع القرار.

وتركز خارا في طريقها إلى الجولة الثانية على:

  • زيادة الدخل والحماية الاجتماعية
  •  رفع الحد الأدنى للأجور، وتقديم دخل أساسي للأسر.
  • تعزيز حقوق العمال وتقليل ساعات العمل إلى 40 ساعة أسبوعياً.
  • تطوير نظام الرعاية للمسنين والأطفال، وتحسين المعاشات للفئات الضعيفة.
  •  خفض تكلفة المعيشة
  •  تخفيض فواتير الكهرباء بنسبة تصل إلى 20%.
  • الحد من استخدام وحدة UF في حساب الالتزامات مثل الإيجارات والخدمات. (UF هي اختصار لـ Unidad de Fomento، وهي وحدة قياس مالية فريدة في تشيلي. قيمتها تتغير يومياً حسب التضخم، أي إنها تتكيف تلقائياً مع تغير أسعار السلع والخدمات. تستخدم بشكل واسع في الإيجارات، والقروض العقارية، والديون، والفواتير الرسمية).
  •  الصحة والتعليم والإسكان
  •  تقليص قوائم الانتظار في المستشفيات وتحسين الرعاية الصحية الأولية.
  • بناء 260 ألف منزل جديد وتحسين 140 ألف منزل قائم، مع التركيز على الإسكان الميسر.
  •  الأمن ومكافحة الجريمة
  • تعزيز مكافحة الجريمة المنظمة وتحسين المراقبة الأمنية.
  • استخدام التكنولوجيا لزيادة الأمان في المدن.
  •  البيئة وحقوق الشعوب الأصلية.
  • إنشاء مناطق محمية بحرية، وحماية التنوع البيولوجي، وتعزيز الإنتاج المستدام للمعادن.
  •  الاعتراف الدستوري بحقوق الشعوب الأصلية وإنشاء مجلس تمثيلي لها.
  • تمكين المرأة والديمقراطية.
  •  دعم استقلال المرأة الاقتصادي ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
  • تعزيز مشاركة المواطنين في صنع القرار وتحسين فعالية الدولة.

 

الهجرة والأمن: محور الصراع

تمثل الهجرة محوراً أساسياً في الصراع الانتخابي، وخصوصاً التدفق الكبير من فنزويلا على مدار السنوات الأخيرة. كاست جعلها أداة لحشد الدعم السياسي، مؤكداً على تشديد القوانين وربطها بالجرائم، فيما تتبنى خارا موقفاً أكثر توازناً يركز على تنظيم الهجرة دون شيطنة القادمين الجدد، مع إصلاح الأجهزة الأمنية. هذا التباين يعكس المواجهة الأيديولوجية الكاملة بين يسار اجتماعي يسعى لتوسيع دور الدولة، ويمين متشدد يركّز على الأمن والانضباط والهجرة.

موقف المرشحين من إسرائيل

يبرز التباين بين المرشحين أيضاً في السياسة الخارجية، خاصة تجاه إسرائيل. كاست ومستشاروه يدعون إلى "استعادة العلاقات الطبيعية" مع دولة الاحتلال، معتبرين تعزيز العلاقة معها جزءاً من رؤيته الدبلوماسية. هذا الموقف أثار انتقادات اليسار والمجتمع الفلسطيني الكبير والمؤثر في تشيلي، الذي اعتبر تصريحات كاست حول غزة تقلل من معاناة المدنيين الفلسطينيين وتستغل القضية لأغراض انتخابية. واتهمه بعض السياسيين بتبني خطاب يشبه اليمين الإسرائيلي المتشدد. فالرجل يحاول تقليد رئيس الأرجنتين الشعبوي خافير ميلي ومواقف المعارضة في فنزويلا بشأن التقارب والدفاع عن إسرائيل وسياساتها. وانتقد كاست سحب الرئيس الحالي غابرييل بوريك سفير تشيلي من تل أبيب ورفض استقبال سفير الأخيرة، واصفاً التصرف بأنه "عار دبلوماسي"، ما زاد من الانتقادات في الصحافة وفي صفوف مؤيدي اليسار والرئيس بوريك.

على النقيض، تتبنى خارا موقفاً متوازناً يرتكز على احترام حقوق الإنسان والدفاع عن حل الدولتين، مع التركيز على البُعد الإنساني للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. فهي لا تستخدم العلاقة مع إسرائيل أداة انتخابية، بل تسعى إلى دبلوماسية قائمة على العدالة وحقوق الإنسان، ويجد موقفها تقديراً بين الشباب واليسار التقدمي الباحثين عن توازن بين السياسة الدولية والعدالة الاجتماعية داخلياً.

المشهد الانتخابي: رهانات الجولة الثانية

تشير القراءات الأولية إلى أن طريق خارا لن يكون سهلاً، إذ يبدو أن اليسار وصل تقريباً إلى "سقف دعمه"، بينما يمتلك كاست هامشاً لاستقطاب ناخبي اليمين التقليدي ويمين الوسط. ومع ذلك، تبقى هناك فرصة للمرشحة اليسارية لاستقطاب الأصوات المستقلة والطبقة الوسطى المنهكة من ارتفاع تكاليف المعيشة، والتي تبحث عن بدائل اجتماعية واقتصادية متوازنة.

الجولة الثانية تفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول مستقبل الديمقراطية التشيلية، حيث يمثل الناخبون أمام مفترق طرق بين برنامج اجتماعي تقدمي يركز على العدالة والتوزيع العادل للثروة، وخطاب يميني متشدد يركّز على الأمن والهجرة والسياسات الدولية المهيمنة. ويبدو أن الجولة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الشعب التشيلي على الموازنة بين العدالة الاجتماعية والسياسات الأمنية، وبين القيم الإنسانية في الخارج والمصالح الداخلية.

وفي ظل هذا الصراع، يظل التاريخ الانتخابي التشيلي مليئاً بالمفاجآت، والرهانات على مشاركة واسعة في الجولة الثانية، ستحدد مستقبل البلاد في السنوات القادمة، ليس فقط على الصعيد السياسي، بل أيضاً الاجتماعي والاقتصادي والدبلوماسي.