تساؤلات في الصين عن جدوى السلاح النووي مع استمرار حرب روسيا وأوكرانيا

13 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 00:15 (توقيت القدس)
صواريخ صينية عابرة للقارات خلال عرض عسكري في بكين، 3 سبتمبر 2025 (Getty)

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية في عامها الرابع، أثيرت تساؤلات في الصين عن جدوى الأسلحة النووية، وإن كان يمكن لموسكو استخدام الأسلحة النووية التكتيكية لتغيير قواعد اللعبة؟ في هذا الصدد، نقلت وسائل إعلام صينية عن خبراء وأكاديميين صينيين قولهم: إن امتلاك روسيا لأكبر ترسانة نووية في العالم لم يساعدها في ساحة المعركة، وإن هجمات أوكرانيا بالطائرات المسيّرة والصواريخ على روسيا لم تُؤدِّ إلى لجوء موسكو إلى استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، كما هددت من قبل. 

ويشير هؤلاء إلى أن التجارب التاريخية أثبتت عدم فاعلية الأسلحة النووية إلى حد كبير في الصراعات بين قوة نووية وخصم غير نووي. فعلى الرغم من امتلاكها ترسانة نووية، لم تنتصر الولايات المتحدة ولا الاتحاد السوفييتي في حروبهما في أفغانستان. كما أن استخدام الولايات المتحدة للأسلحة النووية في الحرب ضد اليابان عام 1945، وهو الاستخدام الوحيد لها خلال الحرب، ليس استثناءً، إذ كان بإمكان الولايات المتحدة إجبار اليابان على الاستسلام بالوسائل التقليدية، وكان التبرير المعلن بتقليل خسائر الحلفاء ذريعةً جزئية، في حين كان الهدف الأساسي غير المعلن إظهار قوة عسكرية ساحقة للاتحاد السوفييتي الصاعد آنذاك. 

ومع ذلك، يظل الموقف الرسمي لبكين بشأن الصراع الروسي الأوكراني معارضاً بشدة لأي شكل من أشكال التصعيد النووي، وقد أعلن المتحدث باسم الخارجية الصينية في أكثر من مناسبة أن الصين تعارض بشدة أي دولة تهدد أو تستخدم أسلحة نووية تكتيكية في الصراعات التقليدية، كما حذرت بكين مراراً من تداعيات الانتشار النووي، وقالت إنه بمجرد كسر حظر استخدام الأسلحة النووية، فإن ذلك لن يقوض نظام نزع السلاح النووي وعدم الانتشار العالمي فحسب، بل قد يحفز أيضًا الدول والمناطق المجاورة في شمال شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادئ على التحرك نحو التسلح النووي، الأمر الذي سيكون له تأثير مدمر على البيئة الأمنية الجيوسياسية المحيطة بالصين. 

تحطيم القدرة المطلقة

وتعليقاً على ذلك، قال الباحث في العلاقات الدولية في مركز النجمة الحمراء في العاصمة الصينية بكين، جيانغ قوه، في حديث لـ"العربي الجديد": "بالفعل في خضم الصراع الروسي الأوكراني المستمر، أثارت النقاشات حول فعالية الأسلحة النووية وحدود الردع النووي تأملاً عميقاً ومراجعة شاملة في أوساط مراكز الفكر الصينية والأوساط الأكاديمية العسكرية والرأي العام. ولا شك في أن هذا الصراع أظهر القيمة الاستراتيجية للأسلحة النووية باعتبارها الضمانة القصوى، ولكنه في الوقت نفسه حطّم أسطورة القدرة المطلقة للأسلحة النووية".

وأضاف: "في الصين، تركز المناقشات والأسئلة حول فعالية الأسلحة النووية على جوانب أساسية، مثل جدوى امتلاك الأسلحة النووية، ما دام لا يمكن للردع النووي أن يحل جميع المشاكل، ولا تمكن ترجمته إلى نصر مطلق في الحروب التقليدية". ولفت إلى أنه في الحالة الروسية، تمتلك موسكو أكبر ترسانة نووية في العالم، ولكن بسبب عدم قبول الحروب النووية والإجماع العالمي ضد فكرة الإبادة، فإن التطبيق العملي للأسلحة النووية يواجه تكاليف سياسية وأخلاقية باهظة للغاية.

وقال جيانغ: "إن ما يمكن استخلاصه من التجربة الروسية، بالنسبة لجيش التحرير الشعبي الصيني، أن امتلاك الأسلحة النووية لا يضمن التفوق التلقائي في الحروب التقليدية. فالنصر في ساحة المعركة يعتمد في نهاية المطاف على التقنيات العسكرية التقليدية، مثل الحرب المعلوماتية، والطائرات المسيّرة، والمراقبة الفضائية، وقدرات الضربات الدقيقة، وسلاسل الإمداد اللوجستي. وهو أمر برز أيضاً خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حيث ثبت صمود النظام في طهران بالرغم من قلة الإمكانات مقارنة بالترسانة العسكرية الأميركية الضخمة".

 ورقة رابحة

من جهته، يخالف الباحث في معهد لياونينغ للدراسات السياسية وانغ يوان، ما أورده جيانغ قوه، ويرى في حديث مع "العربي الجديد"، أنه نتيجة لترويج الولايات المتحدة بقوة لتفعيل الأسلحة النووية التكتيكية وتعزيز الردع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تشكّل إجماع واسع داخل الصين مفاده أن بكين يجب أن تُسرّع تحديث ترسانتها النووية، فبامتلاكها قوة نووية مضادة كبيرة بما يكفي بحيث تضمن التدمير الكامل للخصم حتى بعد تحمّل الضربة الأولى من الهجوم، تستطيع الصين إجبار خصومها الأقوياء على التخلي عن أي أوهام بشأن توجيه ضربة استباقية، وذلك لضمان اتزان استراتيجي كاف في مواجهة الأزمات الجيوسياسية. وأشار، في هذا السياق، إلى سبب حذر الولايات المتحدة من الصدام المباشر مع روسيا أكثر من الصين. وقال يعود ذلك بنسبة كبيرة إلى امتلاك روسيا ترسانة نووية من الرؤوس الحربية تُضاهي ترسانة الولايات المتحدة.

وأضاف: "لا تنكر الصين تمامًا فعالية الأسلحة النووية، بل إنها من خلال الصراع الروسي الأوكراني، باتت تنظر إلى الأسلحة النووية على أنها ورقة رابحة استراتيجية في تنافس القوى العظمى، وليست أداة لحل النزاعات التقليدية". ولفت إلى أنه في استجابتها للنزاعات المحلية عالية الحدة في المستقبل، يظل التوجه الاستراتيجي للصين قائماً على مبدأين؛ الحفاظ على تحديث ترسانتها النووية وتعزيز موثوقية ردها النووي بعد استقبال الضربة الأولى، والعمل على تطوير قدرات قتالية تقليدية متقدمة، مثل الأسلحة فرط الصوتية، والاستطلاع الفضائي، والطائرات المقاتلة بدون طيار، لاختراق الحصار التكتيكي للخصوم بالوسائل التقليدية.