تزايد التردي في اللعبة السياسية الأميركية بعد وفاة غينسبورغ

21 سبتمبر 2020
الصورة
تزايد التساؤل "عما إذا كان ما زال بالإمكان إنقاذ الديمقراطية الأميركية" (Getty)
+ الخط -

تحولت السياسة في أميركا وإلى حدّ بعيد من منافسة إلى "مناتشة"، كل شيء يجري تجييره أو تعليبه بشكل أو بآخر، لتكديس المكاسب السياسية وتعزيز الرصيد الانتخابي والخط الأيديولوجي.

اللعبة السياسية التقليدية صارت في أكثرها مكايدة وقائمة على التنفير والتبشيع. في أزمة كورونا، جرى تسييس العلم والطب لخدمة حسابات المعركة الانتخابية، خصوصاً لتجديد رئاسة دونالد ترامب. والآن يحصل نفس الشيء بالنسبة للقضاء. وبالتحديد للمحكمة العليا التي تمثل رأس السلطة القضائية في أميركا.

يوم الجمعة الماضي، حصل شغور في أحد مناصبها بوفاة القاضية روث بادر غينسبورغ المحسوبة على الخندق الليبرالي الديمقراطي. على الفور وبعد ساعات قليلة من إعلان الوفاة، سارع زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ السناتور الجمهوري ميتش ماكونيل إلى التأكيد على أن المجلس مستعد للتصويت على القاضي البديل الذي يقترحه الرئيس ترامب. تبع ذلك تأكيد من البيت الأبيض بأن اختيار الاسم سيتم الأسبوع المقبل.

دستورياً، الرئيس يعيّن ومجلس الشيوخ يوافق، لكن جرى العرف ألا يبت المجلس في تعيينات المحكمة العليا خلال عام انتخابات الرئاسة إلا في حالات محددة ونادرة، السناتور ماكونيل نفسه رفض كزعيم للأغلبية الجمهورية، البت بأمر قاض اختاره الرئيس السابق باراك أوباما سنة 2016 بحجة أنه عام انتخابي ولا بد أن يقوم الرئيس الجديد بالتعيين؛ مع أن التعيين جرى آنذاك قبل 10 أشهر من موعد الانتخابات.

 الآن تغيرت قواعد اللعبة، السناتور ماكونيل سارع إلى إعلان استعداده لطرح اسم القاضي الجديد على التصويت قبل الانتخابات الباقي لها 45 يوماً فقط. سابقة بررها السناتور بأن الرئيس وغالبية مجلس الشيوخ هذه المرة كليهما من نفس الحزب وبما يجيز الخروج على المألوف. لكن هذا التخريج لم يحجب الغاية التي أثارت ضجة واسعة، فالمحكمة العليا المؤلفة من 9 قضاة لمدى الحياة، هي آخر مرجع قضائي في أميركا، أحكامها تحسم في دستورية القوانين والقرارات التنفيذية وبالتالي هي تطاول كل نواحي الحياة الأميركية، وعادة تصدر أحكامها وفقاً لانتماءات قضاتها المعينين أصلاً على هذا الأساس.

كل رئيس تتسنى له الفرصة يختار قاضياً محسوب على خطه السياسي، تركيبة المحكمة الحالية كانت تقريباً مناصفة لكن راجحة لصالح الجمهوريين ولو أن رئيسها القاضي جون روبرتس معتدل ويصوت أحيانا مع الجناح الليبرالي.

الآن بعد غينسبورغ اختلت المعادلة، حيث بعد تعيين قاض جمهوري متشدد كما هو متوقع، تصبح المعادلة 6 محافظين مقابل 3 ليبراليين، وبذلك يصبح في متناول المحكمة إصدار قرارات في قضايا كبيرة يسعى الجمهوريون لنسفها منذ سنوات وعقود، مثل موضوع الضمان الصحي الذي أقر في عهد أوباما وموضوع الإجهاض الذي تنقسم حوله أميركا بقوة بين المحافظين المتدينين والآخرين. ومن هنا استعجال البيت الأبيض والجمهوريين في مجلس الشيوخ على التعيين الجديد، باعتباره هدية لقاعدتهم الانتخابية.

ثم هناك حافز آخر أهم لا بد أنه دفع نحو الحسم السريع في التعيين وهو التحوط لاحتمال نشوب منازعة قانونية مرجحة حول نتائج الانتخابات القادمة، فالتقاضي بشأنها لا بد أن يأخذ طريقه إلى المحكمة العليا كما جرى في انتخابات عام 2000 حين حسمت هذه الأخيرة التي كانت أكثريتها من المحافظين لصالح جورج بوش.

استباق الانتخابات بمحكمة أكثريتها الكاسحة (6) للجمهوريين، يرجح احتمالات صدور أحكام لغير صالح المرشح الرئاسي جو بايدن. وهنا يكمن تخوف الديمقراطيين الذين أقاموا الدنيا على التسرع لملء المقعد الشاغر في المحكمة. لكن لا يبدو أن بيدهم حيلة قانونية لوقف اندفاع الأمور في هذا الاتجاه، إلا إذا انقلبت الازدواجية الصارخة في تعامل الجمهوريين مع هذا التطور ضدهم وبما يحمل شريحة كبيرة من المستقلين للانحياز كرد فعل نحو بايدن. وهذا احتمال غير مستبعد ويثير خشية أوساط بعض الجمهوريين، خاصة المرشحين منهم لانتخابات مجلس الشيوخ.

كما من المحتمل أن يتعثر التعيين إذا وقف أربعة منهم في مجلس الشيوخ – حتى الآن هناك 2 – ضد التصويت قبل الانتخابات على القاضي الجديد، وهذا احتمال ضعيف حتى اللحظة، لكنه غير مستبعد تماماً.

في كل حال أضاف هذا التطور الزيت على نار وضع متوتر وملتهب أصلاً، فلم يسبق أن تضافرت مشاكله وتحدياته المحلية كما هي في لحظتها الراهنة. وفيات فيروس كورونا بلغت 200 ألف وآثاره ما زالت جاثمة والخلافات حول احتوائه ضاربة أطنابها والحديث عن لقاح قريب أقرب إلى بيع الوهم.

يضاف إلى ذلك أن الجو العنصري مشحون ولو أنه راقد في الوقت الحالي، وكذلك الجو الانتخابي المفتوح على سائر السيناريوهات. مشهد يحمل بعض المتخوفين ربما أكثر من اللازم، على التساؤل "عما إذا كان ما زال بالإمكان إنقاذ الديمقراطية الأميركية " التي أصابها التردّي السياسي بالتآكل.