ترويج روسي لنيّة باريس نشر الفيلق الأجنبي الفرنسي في أوكرانيا
استمع إلى الملخص
- ردود الفعل الروسية تضمنت تحذيرات من الرئيس بوتين بأن دخول قوات "ناتو" إلى أوكرانيا سيجعلها أهدافاً مشروعة، ودعوة الأوروبيين لإعادة النظر في تحالفاتهم.
- الموقف الفرنسي يركز على تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا وبناء قدرات عسكرية أوروبية قوية، مع استعداد لزيادة الميزانية العسكرية لمواجهة روسيا.
تتجدد مؤشرات التصعيد بين موسكو وباريس على وقع حديث لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسي عن نيّة باريس إرسال نحو ألفي عنصر من الفيلق الأجنبي الفرنسي إلى أوكرانيا، في خطوةٍ تراها موسكو استفزازاً مباشراً وتجاوزاً للخطوط الحمراء التي رسمتها منذ بداية الحرب في أوكرانيا. ورغم غياب الأدلة الملموسة على صحة هذه المعلومات بشأن الفيلق الأجنبي الفرنسي، فإن توقيت نشرها من جانب جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي يعكس سعي موسكو لتثبيت معادلة ردع استباقية في مواجهة أي ترتيبات أمنية محتملة بين كييف والغرب. وبينما يواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الدفع باتجاه حضورٍ عسكري أوروبي أوسع في أوكرانيا، تقرأ موسكو هذه التحركات دليلاً على عجز أوروبا عن إنتاج مقاربة جديدة، خارج منطق المواجهة مع روسيا.ترويج لنشر الفيلق الأجنبي الفرنسي
وذكر المكتب الصحافي لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، أمس الثلاثاء، أن فرنسا تنوي نشر قوة قوامها نحو ألفي جندي في أوكرانيا، في وقت لم يقدم أي دلائل حول الموضوع، وهو ما يدفع مراقبين لوضع هذه التصريحات في سياق رسم خطوط حمراء استباقية بخصوص أي ضمانات قد يتم تقديمها لأوكرانيا لاحقاً بالتوافق بين روسيا وأميركا، أخذاً بعين الاعتبار حقيقة الخط الروسي الذي رسم مبكراً بشأن نشر أي قوات أجنبية في أوكرانيا. وأوضح الجهاز أن "النواة الأساسية لهذه القوة ستتألف من قوات هجومية من الفيلق الأجنبي الفرنسي ومعظمها من دول أميركا اللاتينية"، مشيراً إلى أنها من "وحدات الاقتحام" الموجودة حالياً في بولندا على الحدود مع أوكرانيا، ومن المقرر نقلها قريباً إلى وسط أوكرانيا.
موسكو: ماكرون يحلم بذكرى نابليون لكنه لم يدرس التاريخ جيداً
وحسب البيان الصحافي، فإن الجهاز لديه معلومات مؤكدة عن بدء العسكريين المشكلين من جنود وضباط عاديين من الفيلق الأجنبي الفرنسي تدريبات قتالية بعد نشرهم في مناطق على الحدود مع بولندا. وذكر جهاز الاستخبارات أن فرنسا أعدت خطة للتعامل الإعلامي مع الموضوع في حال تسريب معلومات عن نشر القوات، تنطلق من الإشارة إلى أنها "سترسل مجموعة صغيرة فقط من المدربين لتدريب قوات التعبئة الأوكرانية". وأضاف بيان الاستخبارات الروسية أن "فرنسا تعمل بسرعة على تخصيص أسرّة إضافية في المستشفيات لاستيعاب الجرحى، كما يتلقى الأطباء تدريبات خاصة للعمل في ظروف الحرب". وأشار جهاز الاستخبارات الخارجية إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أوعز لهيئة أركان الجيوش الفرنسية لمساعدة أوكرانيا بارسال ألفي ضابط وجندي من الفيلق الأجنبي الفرنسي. وعزا بيان الجهاز خطوة ماكرون إلى يأسه من "إخراج فرنسا من أزمتها الاجتماعية والاقتصادية"، مضيفاً أن ماكرون "يحلم بالتدخل، ولم يتخلَّ عن أمله في أن يُخلَّد اسمه في التاريخ بوصفه قائدا عسكريا. ومع ذلك، فإن هذا السياسي، الذي يحلم بذكرى نابليون، لم يدرس التاريخ جيداً".
وتعليقاً على بيان الاستخبارات العسكرية الروسية بشأن الفيلق الأجنبي الفرنسي، نصحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، ماريا زاخاروفا، ماكرون بإرسال جنود فرنسيين لحراسة متاحف البلاد، حيث ازدادت وتيرة النهب. كما اعتبر المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكرملين)، دميتري بيسكوف، أمس الثلاثاء، أن المعلومات الواردة من جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، بشأن استعداد فرنسا لإرسال قوات إلى أوكرانيا، "مثيرة للقلق"، داعياً الأوروبيين إلى التفكير فيما إذا كان الأمر يستحق التحالف مع الدول التي تبرر الإرهاب. وأضاف بيسكوف للصحافيين، أن التوقف الحالي في المفاوضات مع أوكرانيا، يعود إلى عدم رغبة كييف بمواصلة العملية التفاوضية. والفيلق الأجنبي الفرنسي جزء من الجيش الفرنسي، ويصنف ضمن قوات المشاة. ويخدم في هذا الفيلق نحو تسعة آلاف جندي أجنبي، من 150 بلداً، يدافعون عن الدولة الفرنسية ومستعمراتها البعيدة، ويخضعون لتدريبات قاسية ما جعله من الأقوى على صعيد القوات الخاصة في العالم. وتأسس الفيلق في عام 1831 وحارب ضد الثورة الجزائرية.
وجاء الحديث عن نشر القوات الفرنسية بعد أسبوع من إشارة رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية سيرغي ناريشكين في 21 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، في حديثه خلال اجتماع مجلس رؤساء الأجهزة الأمنية والاستخبارات لدول رابطة الدول المستقلة الذي عُقد في أوزبكستان، إلى أن "أوروبا، التي اعتادت العيش تحت الاحتلال الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، عاجزة عن التكيف مع الواقع الدولي المتغير... والحل الوحيد الذي يقدمه ماكرون و(المستشار الألماني فريديريش) ميرز، للدول الأوروبية هو كراهية روسيا والبناء المتسارع للقدرات العسكرية الأوروبية، مع التركيز على صراع مسلح واسع النطاق مع روسيا. ونرى بالتأكيد أن الحلفاء الأوروبيين في حلف (شمال الأطلسي) ناتو يستعدون للحرب مع بلدنا". ولفت ناريشكين حينها إلى أنه "تم تحديد مهمة لتزويد قوات الرد السريع التابعة لحلف ناتو بجميع الموارد اللازمة على وجه السرعة. كما أُطلقت عملية لزيادة إنتاج المجمع الصناعي العسكري الأوروبي بشكل ملحوظ. كما أن تدريبات التعبئة وحملات الدعاية ضد السكان بشأن العدوان الروسي الحتمي أصبحت ممارسة منتظمة".
وأكدت روسيا أكثر من مرة على لسان عدة مسؤولين، أن أي نشر لقوات "ناتو" في أوكرانيا أمر غير مقبول، ويُنذر بتصعيد حاد. ووصفت موسكو التصريحات حول احتمال نشر القوات بأنها تحريض على استمرار الأعمال العدائية. وترفض روسيا نشر القوات في وقت الحرب، أو بوصفها جزءا من قوات لمراقبة وقف اطلاق النار، أو في ضمانات أمنية لعدم تكرار المعارك. وعلى خلفية التوتر المتصاعد بين روسيا والاتحاد الأوروبي، ومن أجل قطع الطريق على أي محاولات لنشر قوات أوروبية في أوكرانيا، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
في الخامس من سبتمبر/ أيلول الماضي، أثناء مشاركته في الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك، بعد عودته من بكين، أنه في حال دخول قوات "ناتو" إلى الأراضي الأوكرانية، فإنها ستصبح أهدافاً مشروعة للقوات المسلحة الروسية. وأشار بوتين إلى أن إمكانية نشر قوات أجنبية في أوكرانيا تُعدّ أحد الأسباب الرئيسية لانضمام كييف إلى حلف "ناتو". ووصف الرئيس الروسي "وجود القوات الأجنبية في أوكرانيا بأن لا طائل منه بعد التوصل إلى اتفاق محتمل بشأن سلام مستدام". وأكد أنه "في حال التوصل إلى مثل هذه الاتفاقات، فلا شك في أن روسيا ستنفذها بالكامل".لافروف: موسكو لا ترى أي مجال للتنازل بشأن نشر قوات أجنبية في أوكرانيا
وجات تصريحات بوتين ردا على تسريبات نشرتها صحيفة واشنطن بوست الأميركية، قبلها بيوم، جاء فيها أن الدول الأوروبية تعتزم إرسال قوات رمزية إلى أوكرانيا، ونشرها على مسافة بعيدة عن خط المواجهة. وأن الاتحاد الأوروبي يرغب أيضاً في تضمين عنصر "التجديد" في خطته لضمانات الأمن لكييف، لتدريب القوات المسلحة الأوكرانية وإعادة بنائها. وهذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية إرسال جنود فرنسيين إلى أوكرانيا، ففي أواخر مارس/آذار الماضي، أعلن ماكرون، عقب قمة باريس لـ"تحالف الراغبين"، أن عدة دول تعتزم إرسال قوات ردع إلى أوكرانيا. وأوضح أن هذه القوات لن تحل محل القوات المسلحة الأوكرانية أو تعمل بمثابة قوات حفظ سلام؛ بل سيكون هدفها ردع روسيا. وستُنشر هذه القوات في مواقع استراتيجية مُتفق عليها مُسبقًا مع كييف. وأشار ماكرون إلى أنه على الرغم من عدم موافقة الجميع على المبادرة، إلا أنها لم تكن ضرورية لتنفيذها. وحينها، ووجهت هذه التصريحات برفض روسي حازم.
الرد الروسي
وأكد وزير الخارجية سيرغي لافروف، أن موسكو لا ترى أي مجال للتنازل بشأن نشر قوات أجنبية في أوكرانيا. وجادل بأن الغرب في هذه الحالة لن يكون مستعداً للتفاوض على شروط تسوية سلمية، لأن وجود مثل هذه القوة سيخلق واقعاً ملموساً على الأرض. وترى روسيا أن خطط "تحالف الراغبين" خطوة استفزازية تهدف إلى ترسيخ أوهام نظام كييف المريضة. في 17 أغسطس/ آب الماضي، أكد بنجامان حداد، الوزير المفوض للشؤون الأوروبية بوزارة الخارجية الفرنسية أن بلاده تعارض نزع سلاح أوكرانيا، وقال، في مقابلة مع صحيفة لا تريبيون ديمانش: "نعمل مع شركائنا البريطانيين وتحالف الراغبين على تطوير (ضمانات أمنية) وهذا يتطلب، في المقام الأول، جيشاً أوكرانياً قوياً، لذا فإن أي نية لنزع سلاح أوكرانيا غير مقبولة".
وأضاف حداد أن دول تحالف الراغبين مستعدة للقيام بدور قيادي في توفير الضمانات الأمنية لكييف. ومن الواضح أن فرنسا كحال كثير من البلدان الأوروبية ترى أن أوكرانيا تمثل حائط الصد الأول في وجه أي محاولة روسية لاستهداف القارة عسكرياً، إلى حين استكمال الاستعدادات لمواجهة بين أوروبا وروسيا، تقدر الدوائر الاستخباراتية في القارة أنها ستحدث في غضون أربع إلى ثماني سنوات. في 23 أكتوبر الحالي، صرّح الجنرال فابيان ماندون، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الفرنسية، بأن على الجيش الفرنسي الاستعداد لمواجهة عسكرية مع روسيا، يُزعم أنها قد تحدث خلال ثلاث إلى أربع سنوات. ودعا السلطات إلى زيادة الميزانية العسكرية الفرنسية بنسبة 13% لتصل إلى 57.1 مليار يورو.