تركيا والعلاقة بين الفلسطينيين وإسرائيل

27 سبتمبر 2020
الصورة
انتقد أردوغان في كلمته للأمم المتحدة القمع الإسرائيلي للفلسطينيين (الأناضول)
+ الخط -


"تكثير عدد الأصدقاء، وتقليل عدد الخصوم"، هذا المبدأ الذي سنه حزب العدالة والتنمية في تركيا منذ توليه الحكم من دون أن يعمل به، بل على العكس سارت أنقرة في كثير من الأوقات في الاتجاه المضاد له تجاه جميع القضايا الإقليمية والدولية، الأمر الذي أكسبها الكثير من الخصوم والقليل من الأصدقاء.  فحتى تقترب من العالم العربي في بداية الألفية كان عليها أن تدعم القضية الفلسطينية وتتخلى تدريجياً عن علاقتها مع ”إسرائيل”، أما اليوم وبعد التقارب العربي الإسرائيلي والعداء من دول البحر المتوسط عليها أن تعيد هذا المبدأ إلى واجهة سياستها الخارجية.

للحديث عن مستقبل العلاقات بين تركيا والقضية الفلسطينية، علينا فهم السياسة الخارجية التي تقوم عليها تركيا تجاه الأوضاع الإقليمية والدولية، خاصة في هذه المرحلة التي تشهد تغييرات كبرى في المشهد الإقليمي والدولي وتأثيرها على أوضاع الشرق الأوسط خاصة بعد اتفاقية التطبيع بين "إسرائيل" ودولة الإمارات المتحدة ومملكة البحرين التي توجت بمباركة أميركية بقيادة ترامب في البيت الأبيض في شهر سبتمبر/ أيلول 2020.

نظرية أنقرة في السياسة الخارجية قائمة على تصفير المشاكل والتواصل الاقتصادي – التجاري

وقد علّقت وزارة الخارجية التركية في بيان رسمي على الاتفاقية بإعلان دعمها للشعب الفلسطيني والإدارة الفلسطينية في موقفهما الرافض للاتفاق، مشيرةً إلى أن هذا الاتفاق خيانة للقضية الفلسطينية، وأعلنت عن قلقها من أن تضع الإمارات، من خلال تحركها الأحادي، حدّاً لمبادرة السلام العربية. كما أعلنت أنقرة في وقت سابق عن رفضها خطة الرئيسي الأميركي دونالد ترامب "صفقة القرن" في عام 2019، مشددة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ومشيرة إلى أن الخطة الأميركية التي انتهجت نهجاً أحادياً تستبعد الجانب الفلسطيني، ما يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة ومبدأ حل الدولتين.
على ما يبدو أن تركيا تعاني العديد من المشكلات على الصعيد الخارجي، خاصة في المنطقة، كالملف الليبي، القرن الأفريقي، الغاز في الشرق الأوسط، الأمر الذي أكسبها الكثير من العداوات، ومع التحالف الإسرائيلي - الإماراتي وآثاره وتداعياته على المنطقة على أنقرة أن تعيد حساباتها الخارجية مرة أخرى، الأمر الذي سيلقي بظلاله على القضية الفلسطينية.

نظرية أنقرة في السياسة الخارجية قائمة على تصفير المشاكل والتواصل الاقتصادي – التجاري، الذي يحتاج إلى مناخ هادئ، وهو أحد الأسباب التي دعت تركيا إلى دعم القضية الفلسطينية قبل ثورات الربيع العربي، حيث اعتبرت القضية الفلسطينية ورقة رابحة لاكتساب عدد من الأصدقاء في المنطقة بما لا يقلل من الدور المصري والأردني والسعودي، حتى بعد تولي حركة حماس الإسلامية السلطة الفلسطينية في غزة عام 2006، إذ ظلت تركيا أردوغان تلعب دوراً متزناً مع الأطراف الفلسطينية في رام الله، على الرغم من تقاربها الأيديولوجي مع حماس. أي حافظت تركيا على مدار السنوات العشر الفائتة على علاقات جيدة مع مختلف الأطياف الفلسطينية، فبقيت السلطة ورئيسها البوابة الرسمية للتعامل مع القضية، لكنها نسجت إلى جانب ذلك علاقات جيدة أيضاً مع حركة حماس كحركة سياسية فلسطينية لها ثقلها ودورها وتمثيلها للشعب الفلسطيني بعد انتخابات 2006. كما نشطت الدبلوماسية التركية إلى جانب الفلسطينيين في المحافل الدولية، ومن أهم المحطات الجهد التركي المبذول لقبول فلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012. كما أكدت أنقرة دعمها للدور الأردني وأهميته خلال أحداث المسجد الأقصى في آب/ أغسطس 2017.  

كذلك يسود الاعتقاد بأن تركيا وإسرائيل حلفاء منذ عقود مضت، إلى أن وضعت بداية الألفية الثالثة حدّاً لارتباط تركيا وإسرائيل الاستراتيجي، بعد الانتفاضة الثانية. فوقعت العلاقات بينهما أسيرة تصريحات رنانة، هددت في كثير من الأحيان إمكانية الاحتفاظ بعلاقاتهما الدبلوماسية، لكنها وبلا شك لم تؤثر على الشراكة الأمنية في مجالات نقل التكنولوجيا والتصنيع العسكري، وفتحت أنقرة محادثات مباشرة بين إسرائيل وباكستان. كما شهدت العلاقات التجارية والاقتصادية نشاطاً متنامياً وانتهت بتوقيع اتفاقية تطبيع بين البلدين 2016.

وضعت بداية الألفية الثالثة حدّاً لارتباط تركيا وإسرائيل الاستراتيجي، بعد الانتفاضة الثانية

في حين ساهمت حادثة سفينة مرمرة وما تلاها من اكتشافات الغاز في شرق المتوسط في تأزيم العلاقة بين إسرائيل وتركيا، مما دفع بتل أبيب لتعزيز علاقتها مع قبرص واليونان على صعيد الأمن والطاقة، لتوقع اتفاقيات لإنشاء خطوط غاز جديدة تصل شرق المتوسط بإيطاليا. وعليه فإن مستقبل العلاقات التركية – الإسرائيلية يواجه تحديات كبيرة، وخفوتاً بعدما ذهب الارتباط الاقتصادي بإسرائيل بعيداً عن تركيا على صعيد الطاقة، لتتذبذب العلاقات السياسية بينهما.

وهو ما تؤكده تصريحات رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين، مهندس صفقة التطبيع بين إسرائيل والإمارات، في أغسطس الماضي، بأن تركيا في ظل حكم أردوغان تشكل خطراً على إسرائيل أكبر من إيران. كما أن اللقاء السري الذي جمعه بمسؤولين من مصر والسعودية والإمارات قبيل توقيع الاتفاقية بين إسرائيل والإمارات في واشنطن أتى في سياق  الإعداد لتحالف إقليمي لمواجهة تركيا.

فمن المعروف حجم الصراع بين تركيا والإمارات إقليمياً حول الأدوار والمصالح والتنافس الجيوسياسي بدءاً من شرق المتوسط شمالاً، إلى الصومال جنوباً، ومن منطقة الخليج شرقاً إلى ليبيا وتونس غرباً. لذا فإن الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي يستهدف تركيا في المرتبة الأولى، الأمر الذي يعد خسارة جديدة للنفوذ التركي في عدة ملفات رئيسية: شرق المتوسط، القرن الأفريقي، الأزمة الخليجية، ليبيا، سورية والعراق.

الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي يستهدف تركيا في المرتبة الأولى، الأمر الذي يعد خسارة جديدة للنفوذ التركي

وهناك إجماع حول مواجهة تركيا بين حلفاء الإمارات وإسرائيل (مصر، اليونان، قبرص، فرنسا)، بخلاف إيران التي تتوسط الإمارات بينها وبين إسرائيل، لدفعها نحو أداء دور إقليمي فاعل من ناحية، وتحييدها عن تركيا في المواجهة المرتقبة من ناحية أخرى.

وعليه فإن تركيا مطالبة بإعادة رسم استراتيجية جديدة تجاه حالة الضغط القصوى التي يمارسها التحالف الجديد عليها، تقوم على إعادة النظر في تحالفاتها الإقليمية والدولية، ومحاولة كسب دعم العديد من الأطراف الإقليمية والدولية مرة أخرى، ما سيتطلب من السياسة الخارجية التركية أن تكون أكثر مرونة من السابق، ومستعدة لتقديم تنازلات أكثر من أي وقت مضى وعليه سيكون عليها إعادة دعمها للقضية الفلسطينية والأطراف الفلسطينية إلى المنطقة الرمادية.