تركيا واحتجاجات إيران: عينٌ على التدخلات والتداعيات وأخرى على الحدود

14 يناير 2026   |  آخر تحديث: 22:00 (توقيت القدس)
دورية للجيش التركي على الحدود مع إيران، 16 سبتمبر 2025 (أوزغان بيلغن/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تراقب تركيا الاحتجاجات في إيران بقلق، معبرة عن مخاوفها من تأثير التدخلات الخارجية، خاصة تهديدات الرئيس الأميركي بالتدخل العسكري، وتسعى للوساطة بين الأطراف المعنية.

- تخشى تركيا من موجات النزوح المحتملة من إيران وتأثيرها على دول الجوار، مؤكدة على ضرورة الإصلاحات الداخلية في إيران لتلبية مطالب الشعب وتحذيرها من التدخلات الخارجية.

- تتبنى تركيا سياسة الترقب والانتظار، مركزة على الحفاظ على التوازن في علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة، وتدعو لحل المشكلات عبر الحوار والتفاوض.

تراقب تركيا عن كثب الاحتجاجات في إيران والدخول الأميركي المباشر على خطّها عبر تحريض الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمحتجين والتلويح باحتمال توجيه ضربة عسكرية ثانية للنظام الإيراني، وهو ما يجعلها تفضل إجراء السلطات الإيرانية مفاوضات لإنهاء التوترات وإبعاد خطر الضربة إلى جانب تطلعها إلى تلبية طهران للمطالب الشعبية بما يسهم في تهدئة الاحتجاجات. وفي حسابات أنقرة أن أي انزلاق للوضع في إيران سيكون له تأثير مباشر على تركيا اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. ويأتي ذلك في الوقت الذي تعاني فيه تركيا من حروب واضطرابات بدول الجوار منذ سنوات، من حرب لم تهدأ بعد بين روسيا وأوكرانيا، واضطرابات في سورية، وتوترات في القوقاز بين أذربيجان وأرمينيا، وتصاعد في اللهجة في بحر إيجة.

تركيا متخوفة من تدخلات الخارج

ومن الواضح أن التخوف التركي من تبعات التدخل الخارجي في إيران، أو انزلاق تطورات الأوضاع في البلاد إلى وضعٍ غير سار لها، يدفع أنقرة إلى ممارسة الوساطة مع السلطات الإيرانية والأطراف الدولية، وهو ما قاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى حراك دبلوماسي أمس الثلاثاء، حيث أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، تناولا فيه آخر التطورات. كما استقبل فيدان المبعوث الأميركي إلى سورية والسفير الأميركي في تركيا توم برّاك في مقر وزارة الخارجية، وكذلك أجرى اتصالاً مع نظيريه السعودي فيصل بن فرحان، والأذري جيهون بيرموف، فيما زار اليوم الأربعاء دولة الإمارات.

تحاول أنقرة ممارسة الوساطة مع السلطات الإيرانية والأطراف الدولية

وفي السياق، قال مصدر في وزارة الخارجية التركية لوكالة رويترز، اليوم، إن فيدان أكد لعراقجي ضرورة إجراء محادثات لحل التوترات الإقليمية الحالية. وأفاد مصدر دبلوماسي تركي بشكل منفصل للوكالة، بأن أنقرة على اتصال أيضاً بمسؤولين أميركيين، وسط تهديدات ترامب بالتدخل في إيران في ظلّ الاحتجاجات التي تشهدها.

وكان فيدان قال في 10 يناير/كانون الثاني الحالي، بحوار مع قناة "تي آر تي خبر" الرسمية، إن إيران بحاجة إلى الدخول في "مصالحة وتعاون حقيقيين" مع دول المنطقة، مبيناً أن الاحتجاجات يتم التلاعب بها في الوقت نفسه من الخارج من قبل خصوم إيران. وأشار في هذا السياق، إلى أن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (موساد) لا يخفي ذلك، وقد دعا الشعب الإيراني صراحة إلى الثورة عبر حساباته على الإنترنت، واعتبر أن "إيران بحاجة فعلاً إلى بذل جهد صادق وحقيقي ويجب عليها أن تفهم الحقائق". وشدّد الوزير التركي على أن بلاده ترغب في ألا يتعرض الشعب الإيراني لأي أذى بأي شكل من الأشكال، وألا يتعرض لهجوم، مشيراً إلى ضرورة حلّ المشكلات القائمة، لا سيما مع الولايات المتحدة والغرب، في أقرب وقت ممكن عبر طريق التفاوض.

من جهتها، قالت مصادر دبلوماسية تركية مطلعة لـ"العربي الجديد"، إن "تركيا تراقب عن كثب ما يجري في إيران وتأمل بعودة الهدوء والسكينة إليها في أقرب وقت ممكن دون تدخلات خارجية، من خلال معالجة جذور المشكلة وتطبيق الإصلاح في المؤسسات الحكومية، بشكل يُلّبي تطلعات الشعب"، مضيفة أن أنقرة "ترى في أي تدخل خارجي أنه سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وعلى الحكومة في إيران أن تستمع إلى مطالب الشعب وتنفيذها، أي أن المشكلة يجب أن تحلّ داخلياً في إيران، كما أن الأخيرة على اتصال بدول المنطقة، فأي انزلاق للفوضى سينعكس على المنطقة بأكملها".

وشدّدت المصادر على أن "تركيا تتخوف من موجات النزوح داخل إيران وانتقالها إلى دول الجوار، ما سيفاقم مشكلة النزاعات الأهلية ويعزز من حركة المسلحين والعناصر الإرهابية، مستفيدين من أجواء عدم الاستقرار وتأثير ذلك على المنطقة، ولهذا فإن المؤسسات التركية المعنية تعمل باستنفار عالٍ، وتراقب الوضع خصوصاً في المناطق الحدودية".

من جهته، حذّر المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر تشليك، في 12 يناير الحالي، من التدخلات الخارجية في إيران، معرباً خلال مؤتمر صحافي في أنقرة عن رغبة تركيا في تجنب الفوضى بإيران، محذراً من أن التدخلات الخارجية المحتملة هناك قد تتسبب في "أزمة كبيرة جداً". وقال تشليك إن تركيا "لا تتمنى أبداً اندلاع أي فوضى في إيران، وبالطبع لا يوجد تجاهل لوجود بعض المشاكل في المجتمع الإيراني والحياة السياسية، لكن حلّها كما صرّح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يجب أن يتحقق من خلال الديناميات الداخلية للمجتمع الإيراني والإرادة الوطنية للدولة". وأضاف: "نرى ونتوقع أن التدخلات الخارجية ستؤدي إلى نتائج أسوأ، لا سيما التدخلات التي تحركها إسرائيل في إطار أهداف محددة، ما سيؤدي إلى أزمات وصعوبات أكبر، لذا نؤكد على أهمية الاستقرار في إيران لمنع المزيد من الأزمات وحماية المنطقة من الانزلاق إلى مزيد من الاضطرابات"، مؤكداً أن هذه القضية يجب حلّها عبر التفاوض والحوار والتواصل. وقال: "عندما ننظر إلى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وخصوصاً تلك الموجهة إلى إيران، نرى أنهم يحاولون تبني موقف عنيف سيخلق مشاكل أكبر في المنطقة بأسرها، وهو أمر مرفوض قطعاً".

مصادر دبلوماسية تركية: أنقرة تتخوف من موجات النزوح داخل إيران وانتقالها إلى دول الجوار

مخاطر وتداعيات

ولم تكد تتنفس تركيا الصعداء بعد عودة الاستقرار تدريجيا إلى سورية وتسارع وتيرة عودة اللاجئين إلى بلادهم، حتى باتت هناك مخاطر من تدفق موجة لجوء جديدة إلى تركيا، خصوصاً أن المواطنين الإيرانيين لا يحتاجون إلى تأشيرة دخول إلى البلاد في الوقت الحالي، حيث يقيم في تركيا عدد كبير من الإيرانيين بعد انتقالهم إليها لأسباب مختلفة أبرزها الأسباب الاقتصادية، وهو ما حوّل أنظار بعض وسائل الإعلام التركية إلى المعابر الحدودية لرصد أي تطورات فيها، فيما تحلل وتتناول التطورات بشكل مكثف يعكس حجم الاهتمام عن قرب بالتطورات المستمرة منذ أسبوعين في إيران.

وعن الموقف التركي والخيارات المتاحة أمام أنقرة، قال الكاتب والصحافي المختص في شؤون الشرق الأوسط بولنت شاهين أرديير، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الحكومة التركية "وبسبب عضويتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، لا تتخذ موقفاً متشدداً تجاه التصريحات الأميركية، ومع ذلك فهي تتجنب أيضاً استهداف النظام في طهران بشكل مباشر، وتسعى جاهدة إلى اتباع نهج متوازن، حيث تدرك تماماً أن الحرب أو الاضطرابات في دولة مجاورة ستؤدي إلى موجة هجرة جديدة، وقد أدّت أنشطة النظام الإيراني ضد تركيا على مدى عقود إلى تكوين صورة سلبية عنه في الرأي العام التركي".

وشدّد أرديير على أن تركيا "تتبع حتى الآن سياسة الترقب والانتظار، ومن المرجح أن تحاول الحكومة ممارسة دور الوسيط، حيث إنه لا توجد سوى دولتين قادرتين على الحوار مع النظام في إيران وهما تركيا وقطر، لذا ستسعى أنقرة جاهدة حتى اللحظة الأخيرة لمنع أي هجوم عليها، لكننا نعرف أسلوب ترامب فهو يتجاهل جميع الجهود الدبلوماسية"، وفق الكاتب.

وذهب أرديير إلى أن تركيا "تسعى إلى الحفاظ على التوازن، ففي إيران التي يبلغ عدد سكّانها 89 مليون نسمة، يشكل المواطنون فيها من أصل تركي نحو 24 مليوناً، بينما يبلغ عدد الأكراد نحو 12 مليوناً، وتربط بين هاتين المجموعتين العرقيتين الكبيرتين روابط ثقافية وسياسية مع تركيا، وبينما يؤيد بعض الأتراك النظام بسبب معتقداتهم الدينية، فإن شريحة كبيرة منهم تعارضه، أما الأكراد فيعارضون النظام بشدة، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الفوضى العميقة في إيران ستؤثر سلباً على تركيا، لذا تهدف الأخيرة على المدى القريب إلى تحول في النظام الإيراني تدريجياً من خلال الإصلاحات، بدلاً من تغييره بالكامل".

من جهتها، أكدت عضو الهيئة التعليمية في جامعة "إسطنبول آيدن"، الأكاديمية المتخصصة في الشؤون السياسية، يليز البيرق، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "تركيا بطبيعة الحال تتابع الوضع الإيراني عن كثب وبحرص شديد، وهي لا تدعم صراحة أي طرف أو توجه سياسي معيّن، بل منزعجة من حقيقة أن الأحداث الجارية مدعومة ومدبّرة من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة أو قوى أخرى، ستستفيد من هذا الوضع، وكما ذكر وزير الخارجية فيدان، تصر تركيا على أن يحل هذا الاستياء بالكامل من قبل الشعب الإيراني نفسه داخل حدوده".

ولفتت البيرق إلى أن "تركيا تؤيد أيضاً سلامة أراضي إيران واستقرارها وهي الأمور الأهم، لأن تصرفات إسرائيل تزعزع التوازن في المنطقة باستمرار وتشكل تهديداً لجميع الدول المجاورة منذ سنوات، وتساهم حالياً في تأجيج الفوضى في إيران، ولا تتوافق بأي حال من الأحوال مع سياسة تركيا الإقليمية والخارجية". وأضاف: "تدرك تركيا أن إسرائيل تدعم حالياً هياكل من شأنها زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله وإغراقه في الفوضى، وبغض النظر عما سيحدث لإيران في ظل الوضع الراهن، لا تزال تركيا قلقة بشأن سلامة دولة إيران ورفاهية شعبها".

بولنت شاهين أرديير: لا تتخذ تركيا موقفاً متشدداً تجاه التصريحات الأميركية، وتتجنب استهداف النظام في طهران بشكل مباشر

وعن السياسة التي ستتبعها تركيا حيال الأمر، أوضحت البيرق أن أنقرة "تجري حالياً اتصالات متواصلة ومتابعة العملية عن كثب، ويساورها القلق من تطور قد يخرج عن السيطرة أو يؤدي إلى مزيد من التدخل الخارجي". وأوضحت أنه "في هذه المرحلة لا تشعر تركيا بأي قلق بشأن اللجوء من إيران، لأن المفاوضات جارية لمنع تصعيد الموقف، وهي تدعو في الوقت الحاضر الدول الأخرى إلى عدم المساهمة في تفاقم الوضع"، لافتة إلى أن بلادها "محاطة باستمرار بمناطق نزاع، ونقاط فوضى، ودول تتفكك، ومنظمات إرهابية، وهي تكافح هذا الوضع، ومن شأن ما يحدث في إيران أن يخلق منطقة نزاع وأزمة جديدة". وشدّدت على أنه "إذا عقد اجتماع أو حصلت وساطة، فإن تركيا مستعدة دائماً لتولي دور الوسيط، وهي دولة قادرة على التعامل دبلوماسياً مع الأطراف كما هو الحال في جميع الأزمات المحيطة بها، وإذا كانت هناك قضية تتعلق بهذا الأمر، فستفعل تركيا ذلك بالتأكيد مجدداً".