استمع إلى الملخص
- أكد وزير الدفاع الصومالي استمرار العمليات العسكرية ضد حركة الشباب، مشيراً إلى أن استعادة بريري تمثل نقطة تحول مهمة نحو تحقيق السلام في الصومال وتضعف نفوذ الحركة.
- تواجه الحكومة تحديات في فرض الاستقرار بالمناطق المحررة، مثل نقص القوات والقيادة، ودعا الخبراء لتعزيز الجهود الاستخبارية والسياسية لتحقيق الأمن.
استعاد الجيش الصومالي، قبل أيام، السيطرة على مدينة بريري الواقعة على بعد 63 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة مقديشو بإقليم شبيلي السلفى، وكانت المدينة أحد معاقل حركة الشباب منذ سنوات، ومركزاً لشن هجماتها ضد القوات الحكومية والأفريقية في الإقليم. وأعلنت وزارة الدفاع الصومالية، الجمعة الماضي، أن الجيش الوطني، وبالتعاون مع قوات الدفاع الأوغندية المشاركة في بعثة دعم الاتحاد الأفريقي في الصومال واستقراره (أوصوم)، سيطر بالكامل على مدينة بريري الاستراتيجية في إقليم شبيلي السفلى. وأسفرت العملية عن مقتل أكثر من مائة عنصر من مقاتلي الحركة وأسر عدد آخر منهم، وفق الوزارة التي أضافت، في بيان، أن قواتها استولت على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.
تمدد العمليات ضد حركة الشباب
وقال وزير الدفاع الصومالي، أحمد معلم فقي، في مؤتمر صحافي بمقديشو، السبت الماضي، إن العمليات العسكرية لن تتوقف ضد حركة الشباب، مشدداً على أن "الحرب ضد الجماعات الإرهابية مستمرة حتى يتم القضاء عليها بشكل كامل في كافة أنحاء البلاد". وأضاف أن الجيش الوطني يواصل تنفيذ المهمات القتالية بوتيرة عالية، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، لضمان أمن الصومال واستقراره. وتأتي هذه العملية في إطار الحملة العسكرية الواسعة التي تنفذها الحكومة الصومالية منذ العام الماضي، بالتنسيق مع بعثة الاتحاد الأفريقي وحلفاء دوليين، بهدف استعادة المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب في وسط الصومال وجنوبه. وتعد مدينة بريري ذات أهمية استراتيجية، إذ تشكّل عقدة إمداد رئيسية على الطريق الرابط بين العاصمة مقديشو والمناطق الزراعية الخصبة في شبيلي السفلى، كما كانت مركزاً مهماً لتمويل حركة الشباب ومنطلقاً لهجماتها على القوات الحكومية.
شريف حسين روبو: استعادة بريري تفتح الباب أمام سلسلة من المكاسب المستقبلية
وكان قائد القوات البرية في الجيش الصومالي، الجنرال سهل عبد الله عمر، زار الأحد الماضي مدينة بريري، عقب تحريرها من قبضة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة. وتفقد عمر مواقع القتال والخنادق التي تم تحريرها، وظهرت جثث عدد من المسلحين وكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات التي استولت عليها القوات بعد دحر مسلحي الحركة. في السياق، اعتبرت بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (أوصوم)، أن القوات الأفريقية والقوات المسلحة الصومالية نفذتا عملية عسكرية ناجحة، بعد أن تمكنتا من استعادة السيطرة على مدينة بريري. وأوضحت البعثة أن العملية تضمنت هجوماً برياً واسع النطاق استهدف أوكار الحركة في البلدة ومحيطها. كما تمكّنت القوات المشتركة من مصادرة مخازن أسلحة كانت تُستخدم في تنفيذ هجمات على المدنيين والمنشآت الحيوية في إقليم شبيلي السفلى.
وأشاد السفير الحاج إبراهيم دين، الممثل الخاص للاتحاد الأفريقي، رئيس البعثة الأفريقية لدعم الصومال واستقراره، بتفاني القوات الأفريقية والصومالية في مهمتها لتأمين إقليم شبيلي السفلى الذي عانى من انعدام الاستقرار بسبب نشاط الحركة. وأكد أن استعادة بريري تمثل نقطة تحول مهمة نحو تحقيق سلام دائم في الصومال، وأشار إلى أن سقوط بريري يأتي بعد سلسلة من النجاحات العسكرية شملت استعادة بلدتي سبيد وعانولي في يونيو/حزيران الماضي. وقبل استعادتها، كانت البلدة تشكل موقعاً استراتيجياً لحركة الشباب يُستخدم نقطةَ انطلاق لتنفيذ هجمات على العاصمة ومناطق أخرى. وتواصل القوات المشتركة عمليات تمشيط البلدة ومحيطها وتأمينها بحثاً عن خلايا الحركة. وتُعد بريري منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة نظراً لموقعها الحيوي الرابط بين العاصمة مقديشو ومناطق الوسط والجنوب، ما يجعل السيطرة عليها عاملاً حاسماً في إحكام القبضة الأمنية وقطع خطوط الإمداد عن حركة الشباب.
في السياق، اعتبر الخبير العسكري المتقاعد شريف حسين روبو، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن سيطرة الجيش الصومالي على مدينة بريري تمثل مكسباً استراتيجياً وعسكرياً بالغ الأهمية للحكومة الفيدرالية، إذ تقع المدينة في موقع جغرافي حيوي عند تقاطع طرق رئيسي في إقليم شبيلي السفلى. وهذا الموقع كان يمنح الطرف المسيطر عليه قدرة استثنائية على التحكم في مسارات الإمداد والتنقل داخل المنطقة، فضلاً عن إمكانية قطع خطوط التموين والدعم اللوجستي، التي تعتمد عليها حركة الشباب لتنفيذ عملياتها في الإقليم. لكن استعادة بريري لا تعني مجرد انتصار عسكري فقط، بل تفتح الباب أمام سلسلة من المكاسب المستقبلية، إذ تصبح المناطق المجاورة عرضة للسقوط تباعاً بيد الجيش والقوات الأفريقية العاملة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أوصوم). ومن شأن ذلك تقليص مساحة نفوذ الحركة وإضعاف قدرتها على المناورة بين الأقاليم، ما يضعف استراتيجيتها القائمة على التنقل السريع بين القرى والمزارع لشنّ هجمات خاطفة.
وأشار روبو إلى أن المعارك الأخيرة في إقليم شبيلي السفلى خلّفت أزمة نزوح متصاعدة، إذ اضطرت مئات العائلات إلى الفرار من منازلها نحو المجهول، في ظل غياب شبه تام لخطط الإيواء وإعادة التأهيل من قبل السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية. هذا النزوح المفاجئ يهدد النسيج الاجتماعي ويضع ضغوطًا إضافية على القرى والمناطق التي تستقبل الفارين، خاصة مع ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية. ورأى مراقبون أن نجاح العملية العسكرية في بريري سيتوقف على قدرة الحكومة على ترجمة النصر الميداني إلى استقرار دائم، وهو ما يتطلب حزمة إجراءات عاجلة، تشمل: إعادة إعمار القرى المتضررة، توفير المساعدات الإنسانية للنازحين، وتعزيز الأمن لمنع أي محاولات انتقامية من قبل عناصر الحركة. كما أن دمج هذا المكسب في استراتيجية أوسع لمكافحة الإرهاب في جنوب الصومال سيعزز من فرص تحقيق الأمن والتنمية في آن واحد.
أحمد جيسود: ليست هناك قوات كافية لتبقى في المناطق المحررة
تحديات فرض الاستقرار
في هذا السياق، رأى الباحث الصومالي أحمد جيسود، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هناك تحديات في فرض الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة أخيراً مثل مدينة بريري، وتتمثل في عدم توفر قوات كافية للبقاء في تلك المناطق المحررة من حركة الشباب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك غياباً لقيادة فعالة في العمليات العسكرية للجيش بعد السيطرة على المناطق والقرى الجديدة، ناهيك عن توفير المتطلبات الأساسية للقوات المسلحة، وعدم تعرضها للضياع والتراجع الميداني، حتى لا يتعرضوا لهجمات مرتدة من قبل حركة الشباب التي تجيد فن حرب المدن، للانسحاب ومن ثم العودة إليها عسكرياً تحت ضغط عسكري جديد كما حصل مع العديد من المدن والبلدات في وسط البلاد.
ودعا جيسود إلى ضرورة توفير المعلومات والمجهود الاستخباري لتوقع تحركات "الشباب" ورصدها لا سيما قبل وقوع الهجمات الانتحارية التي تستهدف القوات الحكومية في المناطق الريفية، هذا إلى جانب إيجاد إرادة سياسية جادة للدفاع عن المناطق المحررة وعدم تركها فريسة سهلة لهجمات حركة الشباب. ويُضاف إلى ذلك، عامل الاستقرار السياسي في البلاد، والذي بات في السنوات الأخيرة شرطاً أساسياً لضبط الأمن ومواجهة الفلتان الأمني في عموم البلاد.
وبحسب خبراء، فإن حركة الشباب تنتشر في المناطق القريبة من مدينة بريري، لا سيما مدينة أوطيغلي التي سيطرت عليها الحركة في العام الحالي ضمن سلسلة من الهجمات التي شنتها منذ فبراير/شباط الماضي. ومن المتوقع أن يتحرك الجيش الصومالي والقوات الأفريقية للسيطرة على هذه المدينة، التي تعد حالياً رئة الحركة اللوجستية وتنقلاتها في جنوب البلاد، ما يمكن أن يؤدي إلى وقف زحف الحركة نحو المناطق القريبة من العاصمة مقديشو وتبديد المخاوف التي روجتها منصات رقمية ومواقع إخبارية في الأشهر الأخيرة إمكانية سقوط بيد العاصمة مقديشو بيد حركة الشباب.