تحرك مصري يساند مبادرة واشنطن الليبية رغم تشاؤم القاهرة
- عقد رئيس الاستخبارات العامة المصرية اجتماعاً مع وكيل وزارة الدفاع الليبية لبحث الاستقرار ودعم توحيد المؤسسة العسكرية، مؤكداً على توازن مصر وعدم انحيازها لأي طرف ليبي.
- رغم دعم مصر للمبادرة الأميركية، إلا أن التقديرات المصرية غير متفائلة بسبب الانقسامات الليبية، وتأتي التحركات في سياق تسارع اللقاءات الإقليمية والدولية حول الأزمة الليبية.
شهدت الساعات القليلة الماضية حراكاً مصرياً على المستويين الأمني والدبلوماسي لدعم المبادرة الأميركية الخاصة بليبيا، رغم عدم اقتناع القاهرة بوجود فرص كبيرة لنجاح مبادرة واشنطن الليبية التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس
، حيث استقبل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، أمس الأحد، بولس، مؤكداً "دعم مصر كافة الجهود الأممية والإقليمية والدولية، بما في ذلك الجهود الأميركية، الرامية إلى تحقيق تسوية سياسية مستدامة تحفظ وحدة الدولة الليبية وتحقق تطلعات شعبها".لقاء رشاد والزوبي
وقبيل زيارة بولس إلى القاهرة، عقد رئيس الاستخبارات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، الخميس الماضي، اجتماعاً مع وكيل وزارة الدفاع الليبية عبد السلام الزوبي، لبحث سبل الحفاظ على الاستقرار في ليبيا، ودعم الجهود الدولية لتوحيد المؤسسة العسكرية، في تحرك جاء بالتزامن مع تصاعد الحراك الأميركي والدولي بشأن الأزمة الليبية.
القاهرة حرصت بلقائها الزوبي على توجيه رسالة مفادها أنها ليست منحازة إلى طرف ليبي على حساب آخر
وكشفت مصادر دبلوماسية مصرية، لـ"العربي الجديد"، أن اللقاء الذي جمع رشاد والزوبي يندرج في إطار تحرك مصري استباقي يهدف إلى مواكبة مبادرة واشنطن الليبية التي يقودها بولس، والرامية إلى توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية في ليبيا، في وقت لا تعقد فيه القاهرة رهانات كبيرة على فرص نجاح المبادرة. وقال مصدر دبلوماسي مصري، لـ"العربي الجديد"، إن استقبال الزوبي، الذي يُعدّ من الشخصيات العسكرية البارزة في المنطقة الغربية الليبية، يعكس "تحركاً مصرياً ذكياً ومتوازناً"، موضحاً أن القاهرة حرصت على توجيه رسالة مفادها أنها ليست منحازة إلى طرف ليبي على حساب آخر، وأنها منفتحة على التواصل مع مختلف القوى الفاعلة في البلاد.
وأضاف المصدر أن الزوبي يتمتع بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، ويحافظ على قنوات اتصال مستمرة مع المسؤولين الأميركيين، الأمر الذي جعل لقاءه مع رئيس الاستخبارات المصرية يحمل دلالات سياسية تتجاوز طبيعته الأمنية والعسكرية، باعتباره يتزامن مع المساعي الأميركية لإطلاق مسار جديد لتوحيد المؤسسات الليبية.
وبحسب المصدر، فإن القاهرة، التي تُعرف تقليدياً بعلاقاتها الوثيقة مع القوى المسيطرة في شرق ليبيا، رأت أهمية في الانفتاح على شخصيات نافذة في الغرب الليبي، حتى لا تُتهم برفض أو عرقلة مبادرة واشنطن الليبية منذ بدايتها، لافتاً إلى أن هذا التحرك يمنح مصر مساحة للمشاركة في أي ترتيبات مستقبلية، ويحافظ في الوقت نفسه على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية.
مصدر دبلوماسي مصري: القاهرة تدرك أن أي تسوية لا تحظى بقبول واسع من الفاعلين الليبيين ستكون محدودة الأثر
ورغم ذلك، أكد المصدر أن التقديرات المصرية لا تبدو متفائلة بشأن فرص نجاح المبادرة الأميركية، قائلاً إن "المبادرة في صورتها الحالية لن تنجح، لأن الليبيين أنفسهم لن يقبلوا بها"، مشيراً إلى أن الانقسامات السياسية والعسكرية العميقة، وتضارب مصالح القوى المحلية والإقليمية، تجعل من الصعب فرض صيغة موحدة للسلطة التنفيذية أو المؤسسة العسكرية في المرحلة الحالية. وأوضح المصدر أن القاهرة تنظر إلى المبادرة باعتبارها محاولة أميركية لإعادة ترتيب المشهد الليبي وإحياء المسار السياسي بعد تعثر الجهود الأممية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي تسوية لا تحظى بقبول واسع من الفاعلين الليبيين ستكون محدودة الأثر، وقد تواجه المصير نفسه الذي واجهته مبادرات سابقة.
تشاؤم بإمكانية نجاح مبادرة واشنطن الليبية
وفي السياق، قال السفير رخا أحمد حسن إن "هناك دعماً مصرياً وعربياً كبيراً عبر السنوات الماضية، ولكن السؤال الأهم: هل هناك نيّة لدى مسؤولي ليبيا الأبرز لحلّ الأزمة، وهم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الحكومة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة بنغازي أسامة حماد، وأخيراً اللواء المتقاعد خليفة حفتر"، مؤكداً أنه "إذا لم تكن هناك نيّة حقيقية لتجاوز الأزمة وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، فسيستمر الصراع ربما سنوات أخرى".
من جهته، قال الدكتور سعد سلامة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، لـ"العربي الجديد"، إن زيارة وكيل وزارة الدفاع الليبية إلى القاهرة ولقاءه رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، لا يمكن النظر إليهما باعتبارهما حدثاً منفصلاً، لكنهما في الوقت نفسه ليسا بالضرورة جزءاً من مسار واضح المعالم يمكن الجزم بأهدافه النهائية. وفي ما يتعلق بالموقف الليبي، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية إن الزيارة، من زاوية رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، تبدو جزءاً من محاولة لإعادة ترتيب موقعه داخل شبكة التوازنات الإقليمية والدولية التي تتحرك حول الملف الليبي في الوقت الراهن. وأوضح سلامة أن الدبيبة يدرك جيداً أن النقاش الدائر حالياً لم يعد يقتصر على مستقبل الحكومة الحالية، وإنما أصبح يدور حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، ومن سيكون حاضراً فيها، ومن ثم، فإن توسيع قنوات التواصل مع القاهرة يحمل بالنسبة إليه أهمية سياسية تتجاوز الملفات الأمنية والعسكرية المعلنة.
سعد سلامة: ما يجمع القاهرة والدبيبة في هذه المرحلة رغبة متبادلة في الاستعداد لما قد تفرزه التسويات المقبلة
بدوره، قال مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية شريف عبد الله، لـ"العربي الجديد"، إن اللقاء الذي جمع رئيس الاستخبارات العامة المصرية اللواء حسن رشاد بوكيل وزارة الدفاع الليبية عبد السلام الزوبي يأتي في سياق تسارع وتيرة اللقاءات الإقليمية والدولية الخاصة بالملف الليبي، لا سيما مع أجهزة الاستخبارات في الدول ذات الحضور والتأثير المباشر في الأزمة الليبية، مثل مصر وتركيا والأردن، إلى جانب عدد من الدول الأخرى التي تمتلك مصالح استراتيجية في ليبيا. وأضاف عبد الله، في تصريحات خاصة تعليقاً على الاجتماع الذي عقد في القاهرة، أن التحركات الأخيرة جاءت بالتزامن مع دخول مبادرة واشنطن الليبية التي يقودها بولس، مرحلة الحوار المجتمعي والاستماع إلى مختلف الأطراف الليبية، دون أن تنتقل حتى الآن إلى مرحلة التنفيذ أو اتخاذ إجراءات عملية على الأرض. وأكد مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية أن الاجتماع الذي استضافته القاهرة ينبغي النظر إليه باعتباره جزءاً من عملية تنسيق وتبادل للمعلومات وفهم التطورات المتسارعة في المشهد الليبي، أكثر من كونه اجتماعاً سيترتب عنه اتخاذ قرارات تنفيذية أو خطوات عملية في المدى القريب.