استمع إلى الملخص
- تركز الاستراتيجية الأميركية على احتواء نفوذ الصين عبر تعزيز التحالفات في المحيطين الهندي والهادئ، مع دعم لوجستي لحلفائها مثل الفيليبين.
- رغم تقليل العمليات الاستفزازية، تظل الأنشطة الأميركية تهديداً للأمن الصيني، مما يثير قلق الصين بشأن سيادتها واستقرار المنطقة.
كثف الجيش الأميركي من أنشطته العسكرية في بحر الصين الجنوبي العام الماضي إلى مستويات متفاوتة في إطار تحركاته لتعزيز وجوده في المنطقة، غير أن هذا النشاط أعاقه عدد السفن الحربية المتاحة والانتشار في عدة أماكن في وقت متزامن، وذلك وفقاً لتقرير سنوي عن الأنشطة العسكرية الأميركية أعدته مؤسسة مبادرة استكشاف الوضع الاستراتيجي في بحر الصين الجنوبي (SCSPI) ومقرها بكين ونشرته الثلاثاء الماضي. وجاء في التقرير أن القوات المسلحة الأميركية حافظت على وجود عسكري عالي الكثافة في بحر الصين الجنوبي والمناطق المحيطة به في عام 2024، في أعقاب اتجاه زيادة وتيرة وشدة الأنشطة الأميركية ضد الصين منذ عام 2009. وذكر التقرير أنه على الرغم من الصراعات المستمرة في أوكرانيا والشرق الأوسط، فإنّ عدد الآليات العسكرية الأميركية، مثل السفن والطائرات العاملة في بحر الصين الجنوبي العام الماضي شهد مستويات متفاوتة من الزيادة.
ما تشونغ: الولايات المتحدة لم تَحد عن خططها في المنطقة المتمثلة في احتواء نفوذ الصين
الأميركيون في بحر الصين الجنوبي
ولفت التقرير أيضاً أن الولايات المتحدة تواصل الاستفادة من الفيليبين باعتبارها عقدة رئيسية في المنطقة، وفي إطار ذلك عملت على تكثيف التدريبات العسكرية المشتركة والانتشار الاستراتيجي والتكتيكي الذي يستهدف بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان. وأضاف أنه مع ذلك أظهر الجيش الأميركي وعياً أكبر بالسيطرة على المخاطر، من خلال تقليل مهام الاستطلاع الجوي الاستفزازية القريبة من الصين، وقال إن هذه المهام توقفت، ووصلت إلى حدودها القصوى. وذكر التقرير أنه على الرغم من زيادة صرامة الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، إلا أنها نفذت عدداً أقل من عمليات حرية الملاحة في العام الماضي، كما قللت البحرية الأميركية من عدد عمليات العبور في مضيق تايوان، مقارنة بالسنوات الماضية. وهي عمليات دأبت الولايات المتحدة على تنفيذها في إطار وقوفها في وجه الهيمنة الصينية على المنطقة. في تعليقه على ما جاء بالتقرير بشأن أنشطة الجيش الأميركي في المنطقة، قال المختص في شؤون بحر الصين الجنوبي، ما تشونغ (باحث في مركز لونغ مارش للدراسات الاستراتيجية)، في حديث لـ "العربي الجديد"، إن الولايات المتحدة لم تَحد عن خططها في المنطقة المتمثلة في احتواء نفوذ الصين. وعملت واشنطن على توسيع تحالفاتها بما يخدم الاستراتيجية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معززة من أنشطتها العسكرية، ولكن كان لافتاً تراجع أنشطة حاملات الطائرات في المنطقة وبالتالي تقليص الطلعات الجوية والمناورات الاستفزازية المعتادة. وبحسب ما تشونغ، فإن ذلك مؤشر على تبني نهج أكثر تعقلاً وتحفظاً، تجنباً للمواجهة المباشرة مع الجيش الصيني.
في السياق، أوضح ما تشونغ أن النهج الجديد يعتمد على دعم الحلفاء واستخدامهم أدوات وبيادق في مواجهة الصين، من دون أن تضطر واشنطن إلى الدخول على خط المواجهة بصورة صريحة. ومثال على ذلك، ما تقدمه واشنطن لمانيلا في نزاعها مع بكين في بحر الصين الجنوبي، وذلك من خلال توفير الدعم اللوجستي، والإمدادات العسكرية، وصقل قدرات الجيش الفيليبيني عبر التدريب والمناورات العسكرية. وأرجع سبب ذلك إلى الانشغال الأميركي في ملفات دولية وإقليمية أكثر إلحاحاً، مثل الأزمة الأوكرانية، والصراع في الشرق الأوسط. من جهته، قال أستاذ الدراسات السياسية في معهد قوانغ دونغ، لين تشين، في حديث مع "العربي الجديد"، إن ما طرأ من تغيرات على النهج الأميركي في مسألة الانتشار العسكري بالمنطقة، يجب ألا يدفع باتجاه الطمأنينة، لأن هذا الأنشطة لا تزال موجودة وتستهدف الصين بالمقام الأول، وبالتالي يجب التعامل معها في هذا السياق، أي باعتبارها تشكل تهديداً للأمن القومي الصيني. وبغض النظر عن طريقة الانتشار وإدارة العمليات العسكرية فإن ذلك لا يعني بالضرورة تراجعاً أميركياً، ويستدعي المزيد من اليقظة والتأهب من جانب جيش التحرير الشعبي الصيني.
لين تشين: ما طرأ من تغيرات على النهج الأميركي في مسألة الانتشار العسكري بالمنطقة يجب ألا يدفع باتجاه الطمأنينة
تفاوت الأولويات الأميركية
وأضاف لين أن تسارع الأحداث المتصلة بالصراعات الدولية مثل الحرب الإسرائيلية على غزة، والهجمات التي يشنها الحوثيون على إسرائيل استدعت تحريك حاملات الطائرات الأميركية إلى منطقتي البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر. وعلى هذا الأساس تتفاوت الأولويات الأميركية بشأن انتشار القوات وتعزيز الردع. ولفت لين إلى أن الأنشطة العسكرية الأميركية في منطقة بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان، شهدت تراجعاً ملحوظاً منذ مطلع العام الحالي، مقارنة بالعام السابق الذي تخللته مواجهات مباشرة، سواء عبر تصادم السفن الحربية أو عبر التعقّب الجوي الصيني لأسراب الطائرات الأميركية.
وكان المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشانغ شياو قانغ، قد صرح في مؤتمر صحافي دوري في سبتمبر/أيلول 2024، بأن السفن والطائرات التابعة للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها قامت بمضايقات واستفزازات عن قرب، وانتهكت بشكل غير قانوني المياه الإقليمية الصينية أو المجالين الجوي والبحري الخاضعين للولاية القضائية الصينية، وأزعجت بشكل خبيث أنشطة التدريب العادية التي يقوم بها الجانب الصيني، وقامت بمناورات متهورة بشكل غير مسؤول. وقال إن مثل هذه الإجراءات قوضت بشكل خطير سيادة الصين ومصالحها الأمنية، وألحقت ضرراً بالغاً بسلامة الأفراد من كلا الجانبين، وهددت بشكل خطير السلام والاستقرار في المنطقة.